تخطى إلى المحتوى

تجارب شكلية جريئة في السينما الإيرانية خلال العقد الأول من الألفية

تجارب شكلية جريئة في السينما الإيرانية خلال العقد الأول من الألفية

لم تكن السينما الإيرانية في مطلع الألفية امتداداً مباشراً لتقاليد الواقعية الشعرية التي رسخت اسمها في المهرجانات الدولية، بل كانت مختبراً مفتوحاً لأسئلة الشكل. فقد دفعت الرقابة، بما فرضته من قيود صارمة على الصورة والحوار، صنّاع الأفلام إلى إعادة النظر في أدواتهم. فصار الإطار والمكان والكاميرا وسائل للتعبير، لا مجرد وسائل لسرد الحكاية.

تضم هذه القائمة عشرة أفلام تتحرك داخل هذا الفضاء المشدود. يعتمد بعضها على اللقطة الثابتة، كما في حوار محصور داخل سيارة، ويعيد بعضها ترتيب الزمن عبر سرد دائري، ويتخذ بعضها من الوثيقة إيقاعاً متوتراً. ما يجمعها ليس الموضوع وحده، بل إصرارها على أن يقول الفيلم شيئاً عن طريقة بنائه قبل أن يقوله عبر حواره.

1. دایره (2000)

دایره (2000)

يفتتح الفيلم بحركة نساء يتنقلن في مدينة تضيق عليهن في كل زاوية، ثم يبدأ السرد في الدوران حول شخصياته المتعددة. لا يلاحق المتفرج بطلاً واحداً، بل شبكة من الحكايات تتقاطع وتعود إلى نقطة البداية، فيغدو الشكل الدائري نفسه تعبيراً عن الحصار الاجتماعي.

يعتمد المونتاج على الانتقال بين الشخصيات بإيقاع يبدو عادياً في ظاهره، لكنه يكشف مع الوقت أن الحركة لا تقود إلى خلاص. كل محاولة للعبور، سواء كانت خروجاً من بيت أو هروباً من موقف، تنتهي بالعودة إلى المكان ذاته. بهذه البنية يحوّل الفيلم الحصار من موضوع يُروى إلى تجربة يعيشها المتفرج من داخل الإيقاع.

لماذا تشاهده: لأنه يثبت أن البنية السردية قادرة على حمل نقد اجتماعي حاد دون شعارات، وهو درس مفيد لكل من يتأمل علاقة الشكل بالمضمون.

2. Zamani barayé masti asbha (2000)

Zamani barayé masti asbha (2000)

تدور الحكاية حول خمسة أطفال يجدون أنفسهم وحدهم بعد رحيل الأب، في قرية كردية على الحدود بين إيران والعراق. لا يقدّم المخرج الفاجعة بوصفها حدثاً دراماتيكياً مسرفاً، بل يتركها تتسرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث يصبح البقاء نفسه مهمة مرهقة تستنزف الأجساد قبل المشاعر.

تقوم الصورة على تقشف بصري واضح، فالكاميرا تقف على مسافة من الأطفال ولا تستغل براءتهم لاستدرار الشفقة. تراقبهم بصبر كأنها شاهد صامت، وتضعهم في مواجهة الطبيعة الجبلية القاسية. يمنح هذا التقشف الحكاية صدقاً يصعب تزييفه، ويجعل الحدود نفسها بطلاً غائباً يفرض شروطه على كل خطوة.

لماذا تشاهده: لأنه مثال نادر على سينما تستمد قوتها من الامتناع، إذ يترك المشهد يتكلم بجفاف يبقى أثره طويلاً في الذاكرة.

3. ده (2002)

ده (2002)

يتخذ الفيلم من السيارة فضاءً كاملاً، إذ تقود امرأة سيارتها في طهران، وتستقبل ركاباً وعابري طريق يدخلون ويخرجون عبر عشرة لقاءات متتالية. يشكل كل حوار حلقة صغيرة من المجتمع، ويفحصه من زاوية مختلفة، دون أن تغادر الكاميرا المركبة لحظة واحدة.

يعتمد الفيلم على عشر لقطات ثابتة تقريباً، وهو اختيار يحوّل الكلام إلى مادة بصرية كاملة. لا يلجأ المخرج إلى القطع السريع لإنقاذ الإيقاع، بل يترك الوجوه والمقاعد والنوافذ تحمل التوتر. وحين يتبدل الراكب، تتبدل نبرة الحديث وطبقته، فتصير السيارة نافذة صغيرة على المدينة كلها.

لماذا تشاهده: لأنه يقدم درساً عملياً في تحويل حوار بسيط إلى مساحة سينمائية كاملة، ويبيّن كيف يوسّع الإطار الضيق الفكرة بدلاً من أن يحدّها.

4. طلای سرخ (2003)

طلای سرخ (2003)

يبدأ الفيلم من تفصيل يومي صغير: حسين، بائع البيتزا، يوصل الطلبات إلى البيوت ويرى بعينيه تفاوت الثروة في مدينة يتقاسمها الفقر والبذخ. حين يعثر على حقيبة مليئة بإيصالات مجوهرات باهظة الثمن، يبدأ الحلم في التشكل، لا بوصفه رغبة في الاكتشاف، بل وعداً بالخروج من هامش مغلق.

يحاول حسين إعادة الحقيبة إلى المتجر، لكن مظهره الطبقي يمنعه من الدخول. ثم يدعوه ثري إلى قصره الفخم خلال توصيلة، فتتحول الزيارة إلى شرارة تدفعه نحو محاولة يائسة للثراء. يعيد الفيلم بناء الجريمة من موقع الجاني، فيترك المتفرج يفهم دوافعه قبل أن يحكم عليه.

لماذا تشاهده: لأنه يقلب توقعات الفيلم البوليسي، ويجعل القلق الاجتماعي المحرك الحقيقي للحكاية، لا لغز الجريمة.

5. کیسەڵەکانیش دەفڕن (2006)

کیسەڵەکانیش دەفڕن (2006)

تدور الحكاية حول مجموعة من الأطفال يعيشون قرب الحدود، يعملون في نزع الألغام التي خلفتها الحرب، وينتظرون سقوط نظام صدام حسين بوصفه أفقاً غامضاً للخلاص. تتعامل الحكاية مع الطفولة مكاناً تتراكم فيه الخسائر، ولا تخفي أن هذه الأجساد الصغيرة تحمل ثقل السياسة وآثار العنف.

يتخذ الفيلم من التضاريس الجبلية خلفية مفتوحة، لكنها خلفية لا تقدم منظراً طبيعياً جميلاً، بل فضاءً يضيّق على شخصياته. تقترب الكاميرا من الوجوه والأيدي بلغة تسجيلية حذرة، فيشعر المتفرج بأنه يشهد وقائع لا يملك إلا أن يتابعها. ويبقى الإيقاع متوتراً بين الانتظار والعمل الخطر، فلا تهدأ الحكاية لحظة.

لماذا تشاهده: لأنه يضع المأساة الإنسانية في قلب الجغرافيا، ويبيّن كيف تصبح الحرب إرثاً يعيش فيه الأطفال قبل أن يدركوا معناه.

6. آفساید (2006)

آفساید (2006)

تدور الأحداث في يوم مباراة التصفيات المؤهلة لكأس العالم بين إيران والبحرين عام 2006، حين يُقبض على فتيات ارتدين ملابس الرجال للتسلل إلى الملعب. يُحتجزن في زريبة مؤقتة تحرسها مجموعة من الجنود، فيحاولن متابعة النتيجة من خلف الحواجز والأسوار.

يحوّل الفيلم المباراة إلى حدث غائب عن المكان الذي تقف فيه شخصياته. ومع كل خبر يتسرب إليهن، تتسع المسافة بين ما يجري على العشب وما يعشنه في الحجز، فتصبح كرة القدم مرآة تكشف مفارقة منع النساء من الحضور في مكان يُفترض أنه للجميع. ويجمع الفيلم بين الكوميديا والدراما بخفة ظاهرية تخفي مرارة واضحة.

لماذا تشاهده: لأنه يحوّل حدثاً رياضياً عابراً إلى نقد اجتماعي مكتوم، ويضع الجمهور أمام سؤال بسيط عن من يحق له الحضور.

7. چهارشنبه سوری (2006)

چهارشنبه سوری (2006)

تبدأ الحكاية حين تعمل روحي، الفتاة المقبلة على الزواج، خادمة في منزل عائلة ثرية في طهران. ما إن تصل حتى تجد نفسها في قلب أزمة منزلية متفجرة، إذ تقتنع الزوجة بخيانة زوجها، فتجنّد روحي للتجسس عليه والتأكد من شكوكها.

تتشابك الأحداث في يوم واحد، وتتقاطع حياة الشخصيات في إيقاع محكم يشبه سباقاً مع الوقت. لا يكتفي الفيلم بمراقبة الخيانة المفترضة، بل يكشف ما تكتشفه روحي من أسرار تهدد الزواج ومستقبلها هي نفسها. وبذلك يصبح التجسس مدخلاً إلى الطبقات والسلطة داخل البيت، حيث تبدو الخادمة أقرب الناس إلى الحقيقة وأبعدهم عن حمايتها.

لماذا تشاهده: لأنه يبني توتره من تفاصيل الحياة اليومية، ويثبت أن الإحكام الزمني قادر على تحويل حكاية منزلية إلى دراما خانقة.

8. شیرین (2009)

شیرین (2009)

يجمع الفيلم مئة وأربع عشرة ممثلة إيرانية من المسرح والسينما، إلى جانب نجمة فرنسية، يجلسن صامتات أمام عرض مسرحي يشرف عليه كياروستامي. العرض مستوحى من قصيدة فارسية تعود إلى القرن الثاني عشر، لكن المتفرج لا يرى النص ولا تطورات الحكاية على الخشبة. الحكاية كلها تصل عبر وجوه النساء المتفرجات وحدها.

يقلب الفيلم العلاقة المألوفة بين الصورة والمتفرج، إذ يجعل الغياب قلب التجربة. تتحرك الكاميرا بين الوجوه بهدوء، فتلتقط ملامح الانتباه والتأثر والتوتر الخفي، ويصبح كل تعبير سرداً مستقلاً. تتضح قوة الفكرة في أن المعنى يتولد من الانتظار والتأويل، لا من عرض مكتمل يقدّم نفسه جاهزاً.

لماذا تشاهده: لأنه تجربة نادرة في تحويل المتفرج إلى موضوع للفيلم، وفرصة لإعادة التفكير في معنى الفرجة السينمائية نفسها.

9. کسی از گربه‌های ایرانی خبر نداره (2009)

کسی از گربه‌های ایرانی خبر نداره (2009)

يرافق الفيلم الموسيقيين نگار وأشكان وهما يبحثان عن أعضاء لفرقة تستعد لحفل في لندن، وفي الوقت نفسه يلاحقان التأشيرة التي تتيح لهما مغادرة طهران. تتحول المهمة الفنية هنا إلى سباق مع الإجراءات والقيود، فترتبط الموسيقى بالحاجة إلى الحركة والسفر قبل أي شيء آخر.

يعتمد الفيلم أسلوباً وثائقياً سريعاً ومتوتراً، ويقترب من الفرقة في الشوارع والبيوت دون أن يقدّم الحياة الموسيقية صورة مثالية. تلاحق الكاميرا الشخصيات بإيقاع لاهث يعكس الضغط المستمر، بينما يكشف الحوار الفجوة بين الرغبة في التعبير والبيئة التي تحاصرها. وتبدو المدينة خلفية صاخبة، لكنها تخنق كل محاولة للانطلاق.

لماذا تشاهده: لأنه يقدم صورة عن الموسيقى المستقلة في طهران بعيون صانعيها، ويبرز الثمن اليومي لكل نغمة تحاول الخروج إلى العلن.

10. زیر پوست شهر (2005)

زیر پوست شهر (2005)

تعمل توبا يومياً في مصنع للنسيج مرهق بطهران، وتعود كل مساء إلى بيت تثقله المشكلات. تعاني ابنتها الحامل من ضرب زوجها المتكرر، وابنها المراهق يقع في المتاعب بعدما انخرط في نشاط سياسي راديكالي. أما ابنها الأكبر، فيبذل كل ما يملك، حتى محاولة بيع البيت المتواضع، ليحصل على وظيفة مهندس في اليابان، وسيلةً للخروج من إيران.

ينتقل الفيلم بين خيوط متوازية داخل العائلة، من المصنع إلى البيت ومن الشارع إلى الغرفة الضيقة، دون أن يفقد إيقاعه المكثف. ويكشف هذا السرد المتعدد أن الهجرة والسياسة والعنف الأسري ليست حكايات منفصلة، بل وجوه مختلفة لضغط واحد يثقل كاهل الطبقة الكادحة. وتبقى الشخصيات مرهقة وصامدة في آن، تحاول حماية ما تبقى من معنى للحياة.

لماذا تشاهده: لأنه يقدم لوحة كثيفة لعائلة طهرانية تعيش على حافة الانهيار، ويعرض الطبقة الكادحة بتعقيد نادر يتجاوز الشعارات.

انتهى العرض

شكرًا لمتابعتك القراءة في مذاق سينما