لا تُصنف أفلام الجريمة كنوع سينمائي أحادي، بل هي مزيج من أنماط سردية متنوعة. وفقاً لتوماس ليتش في كتابه «أنواع أفلام الجريمة في السينما الأمريكية»، يستند تصنيف أي فيلم ضمن هذا النوع السينمائي إلى ظهور ثلاث شخصيات محورية تتوافق مع مفاهيم النوع: الضحية، الجاني، والمُنتقم.
يؤكد ليتش أن «الجاني ونوع السلوك الذي يمثله يشكلان الأساس، ولا تصبح الأفلام أفلام جريمة إلا حين تُغرى الشخصيات الأخرى بمثال الجاني؛ فهي أفلام تضطلع بمهمة ثقافية تتمثل في فحص ثمن القمع الاجتماعي كما تفرضه مؤسسات نظام العدالة». بناءً على هذا المفهوم، اختيرت الأفلام في هذه القائمة، حيث تتجلى هذه النظرية بوضوح في السينما الأرجنتينية منذ عام 2000، مما يبرز التحول الذي طرأ على هذا النوع السينمائي منذ ظهور «السينما الأرجنتينية الجديدة» في التسعينيات.
تستكشف هذه الأفلام عوالم يبدو فيها السلوك الإجرامي طبيعياً، حيث يغيب التمييز الحاد بين الخير والشر، وتغرق الشخصيات في مناطق رمادية. ورغم أن بعض هذه الأعمال قد تُصنف كأفلام إثارة، إلا أنها تنتمي جوهرياً إلى أفلام الجريمة. يميز مؤرخ السينما كارلوس كلارينس بينهما؛ ففي أفلام الإثارة يُعرض الفعل الإجرامي كحقيقة معزولة، بينما في أفلام الجريمة، يكون الفعل الإجرامي مجازاً عن حالة عدم اليقين التي يعاني منها المجتمع.
خلال تحليل كل فيلم، نركز على المكونات التي ذكرها ليتش: الجاني الذي يرتكب الجريمة، الضحية التي تعاني منها، والمُنتقم الذي يحقق أملاً في إحقاق العدالة وإعادة تأسيس النظام الاجتماعي المختل.
تُظهر هذه القائمة تداخل هذه الأدوار، مما يعكس تعقيد الشخصيات وبناءها الدرامي المتين. إن أفلام الجريمة المتميزة هي تلك التي تعالج انهيار وإعادة تأسيس الحدود بين المجرمين، والمحققين، والضحايا؛ وهي السمة المميزة لهذا النوع السينمائي وتنوع أنماطه الفرعية.
لا يمكننا إغفال تأثير ألفريد هيتشكوك على هذا النوع السينمائي، خاصة في عناصر التشويق. يذكر ليتش أن أفلام هيتشكوك تجعل من الضحايا أبطالاً، وهم أشخاص عاديون ينجذبون إلى ارتكاب الجرائم أو الهروب منها، بمشاركة وكلاء من نظام العدالة، دون جعل الجاني بطلاً للفيلم. تُعد أفلام هيتشكوك مرجعاً أساسياً لتحليل تطور هذا النوع السينمائي عبر العقود، حيث توضح ببراعة عناصر الجاني والضحية والمُنتقم.
Nine Queens (2000)

ماركوس (ريكاردو دارين) محتال صغير، يضم خوان (غاستون بولس) كشريك له بعد أن لاحظ مهارته في الخداع. يجوب الاثنان شوارع بوينس آيرس مستغلين الأبرياء بحيلهم المبتكرة. تتصاعد الأحداث عندما يُستدعى ماركوس لبيع طوابع مزيفة ذات قيمة عالية تُعرف بـ «Nine Queens»، مما يغرق الثنائي في شبكة معقدة من اللصوص والمحتالين حيث تنعدم الثقة.
الفيلم من تأليف وإخراج فابيان بييلينسكي في تجربته الأولى، ويُعد كلاسيكية أرجنتينية تعكس الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد آنذاك. من خلال شخصياته، يصور الفيلم حالة التخبط الاجتماعي التي سبقت الانهيار الاقتصادي الكبير.
يبرز الفيلم كيف يتوزع المحتالون في كافة الطبقات الاجتماعية. ووفقاً لنظرية ليتش، نجد الشخصيات في تحول مستمر بين أدوار الضحية، المجرم، والمُنتقم، مما يضفي على الفيلم جاذبية خاصة تجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأحداث.
تقنياً، أبدع بييلينسكي في خلق عفوية بصرية عبر التصوير في شوارع حقيقية دون ديكورات، مستلهماً أسلوب «الواقعية الإيطالية» و«الوثائقي المحفز» الذي استخدمه مخرجون مثل ويليام فريدكين، معتمداً على حركات الكاميرا المفاجئة واللقطات الطويلة.
بفضل نجاحه النقدي والجماهيري، أُنتجت نسخة أمريكية بعنوان «Criminal» عام 2004، كما ألهم الفيلم العديد من الأعمال اللاحقة مثل المسلسل البريطاني «Hustle».
The Aura (2005)

إستيبان إسبينوزا (ريكاردو دارين) خبير تحنيط يتمتع بذاكرة فوتوغرافية تتيح له تخيل عمليات سطو مثالية. بعد انفصاله عن زوجته، يذهب في رحلة صيد مع صديقه سونتاغ، لكن حادثة غير متوقعة تقوده لاكتشاف خطة إجرامية لسرقة شاحنة مدرعة، فيقرر تنفيذها بنفسه.
يعد هذا الفيلم التعاون الثاني بين بييلينسكي ودارين، حيث يقدم الأخير أداءً مذهلاً لشخصية انطوائية تعاني من نوبات صرع. يتبع بييلينسكي لغة سينمائية مختلفة هنا، حيث تلتصق الكاميرا بالمنظور الداخلي لإسبينوزا.
يستخدم المخرج اللقطات القريبة واللقطات الطويلة ببراعة لتسليط الضوء على تحول إسبينوزا من شخصية سلبية إلى فاعلة. يجسد إسبينوزا نموذج الرجل الذي يقع في المنطقة الرمادية بين الخير والشر، حيث يرتكب الجريمة دون رغبة حقيقية في إيذاء الآخرين.
يحتوي الفيلم على عناصر كلاسيكية تذكرنا بأعمال هيتشكوك مثل «Vertigo» و«Rear Window»، حيث يواجه بطل عادي مشكلة جسدية أو عقلية تدفعه خارج حياته اليومية إلى عالم غامض.
The Secret in Their Eyes (2009)

يتقاعد بنجامين إسبوزيتو (ريكاردو دارين) من عمله كعميل قضائي، فيقرر كتابة رواية عن قضية اغتصاب وقتل قديمة لم تُحل بسبب الفساد السياسي. يسعى إسبوزيتو من خلال الكتابة إلى إغلاق ملف القضية والتقرب من رئيسته السابقة إيرين.
يعد هذا الفيلم نموذجاً مثالياً لتطبيق نظرية ليتش، حيث تتضح أدوار الضحية والجاني والمُنتقم. يصور الفيلم فساد النظام القضائي الذي حال دون معاقبة الجاني، مما يترك إسبوزيتو في حالة من العجز الدائم.
يقدم خوان خوسيه كامبانيللا عملاً بارعاً في الإخراج المشهدي، حيث تتبع الكاميرا نظرات إسبوزيتو وتخلق عمقاً بصرياً يجسد ذكرياته. الأداء التمثيلي لدارين، فيليمال، وفرانسيلا كان استثنائياً، خاصة الأخير الذي قدم أحد أفضل أدوار مسيرته.
يحمل الفيلم هوية أرجنتينية قوية، حيث يربط بين القضية والسياق السياسي المضطرب عام 1975، مما يفسر فشل العدالة في ذلك الوقت.
Carancho (2010)

سوسا (ريكاردو دارين) محامٍ فقد رخصته، فيغرق في عالم الفساد عبر استغلال حوادث المرور. يلتقي بالطبيبة لوجان، وتتطور علاقتهما في محاولة للهروب من هذا العالم الإجرامي.
يصور الفيلم بجرأة عالم ضواحي بوينس آيرس المظلم، حيث يظهر المستشفى كمؤسسة تحاول احتواء ضحايا الفساد. يبرز الفيلم التحول المستمر لشخصية سوسا بين الضحية والجاني، بينما تنتهي لوجان كضحية لهذا النظام الفاسد.
Burnt Money (2000)

يستند الفيلم إلى قصة حقيقية لمجرمين يُعرفان بـ «التوأم»، يرتكبان عملية سطو دموية تؤدي إلى مطاردة أمنية مكثفة. الفيلم من إخراج مارسيلو بينيرو، الذي أخرج أيضاً أعمالاً مثل «Cenizas del Paraíso» و«Kamchatka».
تكمن خصوصية الفيلم في العلاقة العاطفية بين البطلين، التي تحولهما من مجرمين إلى ضحايا لمصيرهما المأساوي. يروي بينيرو القصة بأسلوب كلاسيكي مهيب، مع لمسات بصرية تذكرنا بأسلوب مارتن سكورسيزي.
The Boss: Anatomy of a Crime (2014)

هيرموجينيس عامل بسيط ينتقل إلى بوينس آيرس ليقع تحت استغلال رئيسه القاسي، مما يدفعه لارتكاب جريمة. يقلب الفيلم مفاهيم النوع السينمائي، حيث يظهر الجاني كضحية والضحية كجاني.
يستخدم المخرج سيباستيان شيندل تقنية الفلاش باك ببراعة، مصوراً بأسلوب وثائقي دقيق حياة الجزار، مما يضفي مصداقية عالية على الشخصيات. الأداء التمثيلي لخواكين فورييل ولويس زيمبروفسكي كان استثنائياً ومؤثراً.
Wild Tales (2014)

أنثولوجيا سينمائية من إخراج داميán سزيفرون، تتناول قصصاً مختلفة يجمعها العنف والموت. نحلل هنا ثلاث قصص: «The Rats»، «Bombita»، و«The Proposal».
في «The Rats»، تتحول نادلة إلى مجرمة انتقاماً من مرابي. وفي «Bombita»، يجد سيمون فيشر نفسه ضحية للبيروقراطية، مما يحوله إلى مجرم. أما في «The Proposal»، فيبتز أبٌ بستانياً ليتحمل مسؤولية جريمة ابنه.
A Red Bear (2002)

يخرج «أوسو» من السجن بعد سبع سنوات، محاولاً استعادة حياته مع ابنته. يجد نفسه في صراع بين ماضيه الإجرامي ورغبته في العيش بسلام، ليتحول في النهاية إلى مُنتقم هامشي.
يعد الفيلم «ويسترن حضرياً» من إخراج إسرائيل أدريان كايتانو، ويتميز بأسلوب «الوثائقي المحفز» الذي يصور قسوة الحياة في بوينس آيرس عبر كاميرا خشنة وديناميكية.
The Lost Brother (2017)

يسافر سيتارتي إلى بلدة نائية لجمع تأمين حياة والدته وأخيه المقتولين، حيث يلتقي بعسكري سابق فاسد. الفيلم من إخراج كايتانو، ويتميز بجو مظلم وعدمي يذكرنا بأعمال مثل «No Country for Old Men».
يقدم ليوناردو سباراليا أداءً مذهلاً لشخصية دورتي، بينما يجسد دانييل هندلر ببراعة الشخصية الباردة والخاضعة.
The Headless Woman (2008)

تصطدم فيرونيكا بشيء ما على طريق مقفر وتواصل طريقها، مما يثير قلقها لاحقاً. الفيلم هو الأكثر خصوصية في القائمة، حيث يركز على التغير في ضمير الشخصية بدلاً من الجريمة نفسها.
تقوم المخرجة لوكريسيا مارتل بعمل دقيق في إعطاء الجمهور أدلة غامضة، بينما تقدم ماريا أونيتو أداءً رائعاً يجسد الأزمة النفسية التي تعاني منها البطلة.





