يُجمع النقاد على سحر براءة الأطفال وجاذبيتهم الفطرية، وتكمن إحدى متع مشاهدة السينما في استكشاف هذا العالم. لا يكتفي الأطفال بتقديم البراءة، بل يمتلكون قدرة استثنائية على إلهام حالات شعورية ومزاجية قد تبدو باهتة إذا ما جسدتها شخصيات بالغة. استثمر صناع السينما الإيرانيون هذه الجودة المعدية للطفولة لخلق أعمال سينمائية استثنائية؛ إذ يمنح وضع ضعف الأطفال أو حيويتهم الساذجة مركز السرد السينمائي أبعاداً عميقة، حيث يغدو العالم العنيف أكثر إثارة للقلق، ويتعزز تعاطفنا مع الآخرين حين يكون الطفل طرفاً في المعادلة. وبالمثل، فإن القصة التي تُروى من خلال عيون طفل تساعدنا على الإيمان بشكل أعمق، وتلتقط ميولنا المثالية، وتجذبنا نحو رؤى أقل تشاؤماً للعالم.
لم تكن السينما الإيرانية وحدها التي استغلت هذه الإمكانية، لكن ميلها لتركيز السرد على الأحداث اليومية البسيطة فتح آفاقاً لوجهات نظر فريدة. تستخدم الأفلام أدناه التماهي العاطفي الذي يكنّه البالغون للأطفال لاستحضار رؤى محددة للعالم. فبدلاً من مجرد رفع الرهانات العاطفية، عززت شخصيات الأطفال رؤى إدراكية حميمية لتجربة العيش بين الناس، مع تقديم تجارب سينمائية أصلية تؤكد سمعة إيران المتنامية في صناعة السينما العالمية.
Bashu, the Little Stranger (1990)

في عام 1999، اختار 150 خبيراً سينمائياً فيلم Bashu, the Little Stranger كأفضل فيلم إيراني على الإطلاق. إنه تعبير رائع عن التفاعل الإنساني، وفيلم واقعي عن التحيز، وقطعة سردية تشبه الحكايات الخيالية التي تجسد معنى الانتماء. يسري في فيلم المخرج بهرام بيضائي نقاء فطري يبعث الحياة في تجارب الحب، والقبول، والاغتراب، والعزلة. يحكي الفيلم قصة “باشو” الذي يُنتزع من منزله في جنوب إيران ليجد نفسه في قرية بالشمال، وحيداً بعد مقتل والديه خلال الحرب الإيرانية العراقية. يعمل هذا التوظيف لفرضية الطفل المصدوم بشكل جيد، حيث يثير تعاطفاً حسياً ملموساً. عندما تلتقي به “نايي” وطفلاها، يظهر نوع من الجسدية البدائية في اللقاء، وتتحد أفعال الإخراج المشهدي مع النبرة الترابية للفيلم لتسلط ضوءاً من النقاء الطبيعي على شخصية “باشو”.
The Mourning (2011)

ينتمي فيلم The Mourning إلى فئة السينما الإيرانية الحديثة التي أتقنت فن البيانات غير المنطوقة. ويعد أول إخراج لمرتضى فرش باف مثالاً بارعاً على كيفية تعزيز شعرية الصور البصرية والصوت والصمت للسرد بدقة تتحدى الكلمات. ينبع الكثير من المعنى والتعقيد النفسي من هذه التقنية، حيث يتم نقل الرحلة العاطفية للطفل “أريشا” دون الحاجة إلى حوار مكثف. الفيلم هو رحلة على الطريق يقود فيها زوجان أصمان، “كامران” و”شراره”، ابن أخيهما “أريشا” عبر المناظر الطبيعية الجبلية في إيران نحو جثث والديه اللذين ماتا في حادث سيارة. تتم عملية الحداد بقدر كبير من الفروق الدقيقة، وتتضح من خلال الاستعارات البصرية وتفاعلات “كامران” و”شراره”. يصور الفيلم رقة الطريقة التي يحدد بها التواصل قابلية الحياة للاستمرار، مما يثير في اللحظات الأخيرة نهاية مفتوحة أنيقة ومثيرة للتفكير.
Children of Heaven (1998)

رُشح فيلم المخرج مجيد مجيدي لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي. ليس من السهل صنع فيلم خالٍ من التشاؤم دون أن يصبح مثالياً بشكل غير مقنع، لكن فيلم Children of Heaven ساحر لدرجة تجذبك إلى عالمه الدافئ والمفعم بالأمل. يسكن هذا العالم شخصيات فقيرة تتدبر أمورها ببساطة من خلال مساعدة بعضها البعض. إنه عالم يتمتع بإحساس جميل بالآمال والدراما اليومية، حيث يصبح زوج من الأحذية الوردية مركزاً للحب والضيق والشهامة. تبدأ القصة عندما يفقد “علي” حذاء شقيقته “زهراء” عن طريق الخطأ، فيتآمران لمشاركة حذاء “علي”، مما يضعهما في سباق يومي مع الزمن. الطريقة التي يجذب بها الفيلم الجمهور إلى هذه الدراما الصغيرة ساحرة، حيث تكتسب كل حادثة أهمية جديدة، ويظل الشعور السائد هو التضامن العائلي.
The White Balloon (1995)

يعد فيلم The White Balloon تعبيراً خالصاً عن الطفولة. إنه يعبر عما يعنيه أن تكون طفلاً بحيوية آسرة، ويأخذنا في رحلة عبر هوس الأطفال بالأشياء التي تبهرهم، وكثافة خيبة أملهم، والارتباك عند مواجهة عالم الكبار، والقدرة على التحول في لحظة من مزاج سيئ إلى جيد. يتحرك الفيلم من خلال حبكة بسيطة حيث تريد “راضية” البالغة من العمر سبع سنوات شراء سمكة ذهبية. بعد سلسلة من المحاولات والمواقف التي يصورها المخرج جعفر بناهي بأسلوبه الآسر، تضيع منها النقود وتستعيدها في رحلة تعكس ضعف الطفولة وبراءتها، لتنتهي القصة بلقطة تعبر عن الرضا والطفولة الصافية.
Abadanis (1994)

استلهم المخرج كيانوش عياري فيلمه من التحفة الإيطالية Bicycle Thieves، ليقدم رؤية اجتماعية مؤثرة. يتبع الفيلم “بورنا” ووالده “درويش” في رحلة بحثهما عن سيارتهما المسروقة في طهران التي مزقتها الحرب. من خلال عيني الطفل، نرى دماراً اجتماعياً وواقعاً قاسياً، حيث يستخدم “بورنا” شظية مرآة مكسورة ليتأمل العالم من زوايا مختلفة، مما يضفي طابعاً حميمياً على الإخراج المشهدي للفيلم.
The Color of Paradise (1999)

في هذا الفيلم، يبني المخرج مجيد مجيدي بيئة عاطفية قاسية حول الطفل الكفيف “محمد”. يبرز الفيلم قدرة الطفل على إدراك عجائب الحياة من خلال الحواس، بينما يعجز والده عن تقبله. بفضل التصوير السينمائي المبدع واستخدام الصوت، ينقلنا الفيلم إلى عالم “محمد” الحسي، مما يوفر للجمهور رؤية تعاطفية فريدة.
Garanaz (2009)

يقدم المخرج عباس رافعي صورة واقعية للطفل “ميلاد”، الذي يجد نفسه مسؤولاً عن مساعدة امرأة باكستانية مسنة تُدعى “جراناز” ضلت طريقها في إيران. الفيلم ليس مجرد لقطات عاطفية، بل هو تأمل في نبل التضحية من أجل الآخرين، حيث يواجه “ميلاد” سوء فهم من محيطه رغم صدق نواياه.
The Willow and Wind (1997)

يعد فيلم المخرج أبو الفضل جليلي دراما واقعية تكشف قسوة الفقر وتأثير إدمان الوالدين على الأطفال. يتبع الفيلم “فرهاد”، الصبي الذي يضطر للعمل لإعالة أسرته. بأسلوب وثائقي، يلقي الفيلم الضوء على معاناة الأطفال المحرومين من التعليم، مقدماً رسالة إنسانية عميقة ومؤثرة.
Persepolis (2007)

فيلم رسوم متحركة مقتبس من الرواية المصورة لمرجان ساترابي، يروي قصة نشأتها في إيران خلال فترة الثورة الإسلامية والحرب. يمزج الفيلم بين الفكاهة السوداء والبراءة الطفولية، ليقدم رؤية سياسية وشخصية حول كيفية تشكيل التاريخ لعقول الأطفال.
The Birth of a Butterfly (1997)

يجمع المخرج مجتبى راعي في هذا الفيلم ثلاث حكايات رمزية تتناول العزلة والتحول الروحي. يتميز الفيلم بعمق سردي يذكرنا بالأدب الحداثي، حيث يربط بين معاناة الأطفال وتجاربهم الروحية، مما يثير تأملات فلسفية حول الإيمان والأمل في مواجهة الألم.





