أدى توسع منصات المشاركة وسهولة الوصول إلى الوسائط عبر الإنترنت إلى زيادة اهتمام عشاق السينما بإنتاجات الشرق الأوسط. وفي حين يُشار غالباً إلى تحفة داريوش مهرجوي عام 1969 The Cow باعتبارها الرائدة التي أطلقت الموجة الإيرانية الجديدة، إلا أن لا شيء يضاهي الإشادة العالمية التي رافقت الدراما الحائزة على الأوسكار للمخرج أصغر فرهادي A Separation.
مع اكتشاف العالم للسينما الفارسية، وجه صناع الأفلام الإيرانيون أنظارهم إلى آفاق أبعد. فبعد أعمال له في إيطاليا واليابان، أعرب عباس كيارستمي عن رغبته في تصوير فيلم في كوبا لافتتانه بثقافتها. ومع تلاشي الحدود، بدأت أنماط السينما الإيرانية تتداخل مع سينمات العالم.
يبتكر صناع الأفلام طرقاً للالتفاف على الرقابة، وتبرز أساليبهم الخاصة بقوة؛ فبعضهم يصور في الخفاء، وآخرون يعملون مع ممثلين ممنوعين من الأداء، بينما يقسم البعض أفلامهم إلى أجزاء لتجنب قوانين الترخيص. وحتى عند منعهم من العمل، يجد مخرجون مثل جعفر بناهي طرقاً لممارسة فنهم. إن الفيلم الإيراني المعاصر يمثل حقاً عملاً فنياً مبهراً.
نستعرض هنا أبرز الأعمال السينمائية من القرن الحادي والعشرين.
Under the Skin of the City (2001)

في هذا الفيلم الدرامي ذي الطابع السياسي الهادئ، ينصب التركيز على مساعي عائلة للهروب من قيود طبقتها الاجتماعية. الفيلم الحائز على جوائز في مهرجاني كارلوفي فاري وموسكو، يلقي نظرة متعاطفة على الطريقة التي تُجبر بها العائلات على إدارة حياتها في ظل ظروف قاسية.
تعد إحدى عائلات طهران رمزاً للطبقة العاملة، ونتابع جهودهم للبقاء على قيد الحياة مالياً وعاطفياً. تُجبر الأم “طوبى” على العمل في مصنع نسيج بسبب عجز زوجها، بينما يصبح ابنها الأكبر “عباس” المعيل الرئيسي من خلال عمله في تجارة الملابس.
تتجلى خلفية المخرجة رخشان بني اعتماد في الفيلم الوثائقي بوضوح في قرارها عدم تجميل تصويرها لشوارع طهران؛ إذ نرى المناطق المتهالكة ومناطق التسوق الراقية على حد سواء. والأهم هو الكرامة التي تضفيها على أبطالها، حيث تُعالج محنهم بحساسية وإحساس بالتصميم.
Iron Island (2005)

تصبح ناقلة نفط مهجورة الموقع الرئيسي في هذا الفيلم غير التقليدي، حيث تعمل كمنزل للعديد من المعدمين. يدير هذا الوجود الجماعي “القبطان” نعمت، الذي يفرض طاعته على الجميع. يدرك الوافد الجديد “أحمد” أن هناك قواعد صارمة على “الجزيرة الحديدية”، خاصة مع وجود مجتمع متدين يضيف طبقة من التوتر إلى الحياة على متن السفينة.
تتجلى قدرة السفينة على الاكتفاء الذاتي في وجود متاجر ومدارس ومخابز، ومع ذلك، فإن السفينة تغرق ببطء بينما يبيع “نعمت” أجزاءها للربح. يركز فيلم محمد رسول آف على الثقة، ويقدم نظرة دافئة للحياة المجتمعية رغم الظروف القاسية.
The Willow Tree (2005)

ماذا لو مُنح رجل كفيف منذ الولادة نعمة البصر فجأة؟ هذه هي الفرضية المركزية لهذا الفيلم الدرامي للمخرج مجيد مجيدي، صاحب فيلم Children of Heaven وفيلم Muhammad: Messenger of God.
عانى “يوسف” من ضعف البصر لسنوات، لكنه بنى حياة مثالية كمحاضر جامعي. عندما يسافر إلى فرنسا للعلاج، يكتشف فرصة لاستعادة بصره. تتجلى قدرة مجيدي في التقاط المشاعر المكثفة، مثل مشهد رؤية “يوسف” للعالم لأول مرة، حيث تُستخدم أصوات الطبيعة لتجسيد الجمال الذي يختبره.
بينما يتعرف “يوسف” على العالم المرئي، يصبح أكثر بعداً عن حياته السابقة، وينغمس في انشغالات مادية تجعله يفقد التركيز على ما كان يمنحه السعادة. يرينا مجيدي كيفية العثور على الجمال حتى في الظلام، وتقدير ما نملك رغم عيوبه.
Santouri (2007)

بسبب موضوعاته الجريئة كإدمان المخدرات والطلاق، لم يُعرض هذا الفيلم في دور السينما الإيرانية. يُروى السرد جزئياً من خلال الفلاش باك، حيث نتابع “علي”، عازف السنتور الواعد الذي أصبح مدمناً محطماً يعزف في حفلات الزفاف مقابل المخدرات.
تضفي لقطات الكاميرا اليدوية والمونتاج السريع واقعية مضطربة على أحداث الفيلم، لتعكس سيطرة “علي” المهتزة على حياته. يقدم الممثل بهرام رادان أداءً بقناعة مريرة، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا السقوط نابعاً من شخصية البطل أم من المجتمع المحيط به.
About Elly (2009)

يظهر هذا العمل للمخرج أصغر فرهادي قدرته البارعة على سرد قصص مقنعة عن الطبقة الوسطى الإيرانية. عندما تقوم مجموعة من الأصدقاء برحلة إلى بحر قزوين، يصطحبون معهم معلمة ابنتهم “إيلي”، على أمل التوفيق بينها وبين “أحمد” المطلق حديثاً.
تتغير نبرة الفيلم عند وقوع حادث مرعب، مما يلقي بديناميكية المجموعة في حالة من الذعر. ما يجذب الانتباه هو سرعة تحول الصداقة إلى شك واتهام. تساهم الكاميرا في عكس مشاعر الشخصيات، حيث تفسح لقطات التتبع الهادئة المجال لزوم سريع ومضطرب مع تصاعد الأحداث.
Facing Mirrors (2011)

يستكشف هذا الفيلم موضوعاً نادراً في السينما الإيرانية: العبور الجنسي. يتابع الفيلم قصة لقاء صدفة بين امرأتين مختلفتين، “أدينة” التي تخطط لجراحة تغيير الجنس، و”رنا” الأم الشابة التي تعمل سائقة سيارة أجرة.
يرفض الفيلم الامتثال للصور النمطية، حيث توازن “رنا” بين دور المعيل وربة المنزل، مما يقلب الأدوار التقليدية. يقود تطور الشخصية القوي السرد، ويتم تصوير البطلتين كبشر متكاملي التكوين.
A Separation (2011)

يعد هذا الفيلم الأكثر إشادة في السينما الإيرانية، وهو الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية. يطرح الفيلم قصة زوجين عند مفترق طرق؛ حيث ترغب “سيمين” في مغادرة البلاد، بينما يصر “نادر” على البقاء لرعاية والده المصاب بالزهايمر.
لا يشير العنوان إلى الحالة الزوجية فحسب، بل إلى الفجوة الطبقية والدينية في المجتمع. ينجح فرهادي في خلق تعاطف مع شخصياته دون تصنيفهم كأخيار أو أشرار. تستحضر الأداءات من ليلى حاتمي وبيمان معادي الحب المعقد الذي يختبره الأزواج في مواجهة قرارات مصيرية.
Fish and Cat (2013)

يتميز هذا العمل الطموح للمخرج شهرام مكري بتصويره في لقطة واحدة مستمرة، مع مدير التصوير محمود كلاري. يجمع الفيلم بين الغرابة ونوع أفلام الرعب، حيث تسافر مجموعة من الطلاب إلى الجبال ويواجهون مالكي مطعم مريبين.
لا تأتي القشعريرة من العنف الصريح، علماً بأن بناء الرهبة يتم تدريجياً عبر الحوار والموقع الجبلي الموحش. بفضل تقنيات السرد المبتكرة، نال الفيلم جائزة خاصة في مهرجان البندقية السينمائي، مؤكداً على عيار هذا العمل الفني.
Melbourne (2014)

يدور هذا الفيلم في مساحة واحدة، ويدقق في كيفية استجابة الناس للضغط والمأساة. الزوجان “سارة” و”أمير” يستعدان للسفر إلى أستراليا، لكنهما يواجهان مأزقاً صادماً يقلب حياتهما رأساً على عقب.
يتحول التفاؤل في بداية الفيلم إلى يأس مذعور، وتتحول الشقة إلى سجن خانق. تجعل الأداءات المكثفة والتشويق البارع من هذا الفيلم تجربة سينمائية أساسية، حيث يضع المشاهد في مكان الشخصيات ليتساءل عن قراراته الخاصة.
Tales (2014)

تتجاوز المخرجة رخشان بني اعتماد قوانين الرقابة من خلال تجميع عدة قصص قصيرة في هذا العمل المتشابك. نلتقي مجدداً بشخصيات من أفلامها السابقة، مثل “عباس” و”طوبى”، مما يضيف عمقاً لقصصهم.
تعود المخرجة إلى موضوعات مظلمة كالدعارة وإدمان المخدرات، مقدمة كولاجاً للجانب القاسي في إيران المعاصرة. يمثل الفيلم صرخة سينمائية تطالب برؤية المجتمع كما هو، وقد نال جائزة أفضل سيناريو في مهرجان البندقية السينمائي الدولي.





