تخطى إلى المحتوى
مذاق السينما
أفلام حسب العقد

حقيقة مستعارة: سينما الواقعية البديلة الإيرانية في التسعينيات وتجاوز الرقابة

21 أيار 2026

آخر تحديث: 21 أيار 2026

7 دقائق
حجم الخط:

حقيقة مستعارة: سينما الواقعية البديلة الإيرانية في التسعينيات وتجاوز الرقابة

عرفت السينما الإيرانية في تسعينيات القرن الماضي مخاضاً جمالياً استثنائياً، إذ واجه المخرجون مقص الرقيب الصارم بابتكار لغة بصرية مغايرة تذيب الحدود الفاصلة بين التسجيلي والروائي. ولم تكن هذه السينما مجرد محاولة للالتفاف على القيود، بل تحولت إلى تساؤل فلسفي عميق حول ماهية الحقيقة والوسيط السينمائي ذاته، حيث أعاد صناع الأفلام صياغة مفهوم الواقعية بتقديم حكايات تعتمد كسر الجدار الرابع وإشراك الشخوص الحقيقيين في إعادة تمثيل حيواتهم أمام الكاميرا.

وقد تجلت هذه النزعة الميتاسينمائية في منجز مخرجين كبار من طينة عباس كيارستمي وجعفر بناهي ومحسن مخملباف، إذ جعلوا من الكاميرا أداة للبحث والمساءلة الاجتماعية. نتناول هنا عشر روائع من تلك الحقبة الاستثنائية التي أعادت تعريف الفن السابع، مظهرةً كيف تتحول العقبات السياسية والإنتاجية إلى آفاق إبداعية غير مسبوقة، لتظل شواهد حية في تاريخ الفن البصري العالمي.

1. کلوزآپ ، نمای نزدیک (1990)

کلوزآپ ، نمای نزدیک (1990)

يفتتح المخرج عباس كيارستمي عقد التسعينيات بتحفة سينمائية فريدة تنطلق من واقعة حقيقية هزت المجتمع الطهراني، حيث انتحل شاب فقير يدعى حسين سبزيان شخصية المخرج محسن مخملباف ليحتال على عائلة متوسطة الحال. ولا يكتفي كيارستمي برصد الواقعة، بل يتدخل في مسارها ليعيد صياغة المحاكمة والحدث بمشاركة أطراف القضية الحقيقيين الذين يؤدون أدوارهم الحقيقية أمام الكاميرا.

يتجاوز الفيلم حدود التوثيق التقليدي ليصبح دراسة بصرية مذهلة في الهوية والطبقية وعشق السينما الذي يدفع الإنسان إلى تقمص الآخر. وهنا يمتزج المونتاج الذكي باللقطات القريبة المؤثرة ليكشف عن هشاشة النفس البشرية، ويثير تساؤلات فلسفية حول صدق الصورة السينمائية وقدرتها على تزييف الواقع أو كشفه.

لماذا تشاهده: يصنع عباس كيارستمي تحفة سينمائية تدمج الواقع بالخيال، حيث يعيد أصحاب القضية الحقيقيون تمثيل محاكمتهم، متسائلاً عن جوهر الهوية والسينما.

2. زندگی و دیگر هیچ (1992)

زندگی و دیگر هیچ (1992)

عقب الزلزال المدمر الذي ضرب منطقة جيلان، يسافر مخرج سينمائي برفقة ابنه الصغير إلى المنطقة المنكوبة بحثاً عن طفلين شاركا في فيلمه السابق. وتتحول هذه الرحلة البسيطة عبر الطرق الوعرة والقرى المهدمة إلى تأمل بليغ في إرادة البقاء البشري ومواجهة الكوارث الطبيعية بالصبر والأمل.

يصوّر كيارستمي تفاصيل الحياة اليومية وسط الأنقاض بأسلوب يمزج التوثيق الميداني بالسرد الروائي الشاعري. تبتعد الكاميرا تماماً عن استدرار العطف، وتركز على رغبة الناس في مواصلة العيش وإعادة بناء عالمهم، فيكتسب العمل بعداً إنسانياً يتجاوز حدود المأساة العابرة.

لماذا تشاهده: رحلة بصرية تبحث عن الحياة وسط أنقاض الزلزال، حيث يمتزج البحث الروائي بالتوثيق الميداني في أسلوب يفيض بالإنسانية والشاعرية.

3. زیر درختان زیتون (1995)

زیر درختان زیتون (1995)

يختتم كيارستمي ثلاثية كوكر الشهيرة بهذا العمل الذي يفكك فيه عملية صناعة السينما ذاتها بالعودة إلى كواليس تصوير فيلمه السابق. يركز السرد على شاب ريفي بسيط يُسند إليه دور صغير في الفيلم، لكنه يواجه أزمة عاطفية حقيقية لأن الفتاة التي تؤدي دور زوجته ترفض التحدث إليه في الواقع بسبب الفوارق الطبقية.

تتحرك الكاميرا ببراعة بين كواليس التصوير والواقع المعاش، وتكشف عن التناقضات الطريفة والمؤلمة بين ما تفرضه السينما وما يفرضه المجتمع. يعتمد الإخراج على لقطات طويلة مدهشة تبرز جمال الطبيعة وتمنح الشخصيات مساحة للتعبير عن مشاعرها الدفينة بعيداً عن الافتعال الدرامي التقليدي.

لماذا تشاهده: يفكك كيارستمي عملية صناعة السينما ذاتها، مستعرضاً كواليس فيلمه السابق ليخلق طبقات متعددة من السرد البصري المدهش.

4. آینه (1997)

آینه (1997)

يبدأ الفيلم بحكاية بسيطة للغاية حول طفلة صغيرة تخرج من مدرستها في طهران فلا تجد والدتها بانتظارها، فتقرر خوض مغامرة العودة إلى المنزل بمفردها مستخدمةً وسائل النقل العامة. لكن المخرج جعفر بناهي يفاجئ المشاهد في منتصف العمل بكسر غير متوقع للبناء الدرامي التقليدي، عندما تلتفت الطفلة الممثلة فجأة إلى الكاميرا وتعلن رفضها مواصلة التمثيل.

يتحول الفيلم من تلك اللحظة إلى مطاردة واقعية مثيرة، تتابع فيها الكاميرا الطفلة الحقيقية وهي تحاول الوصول إلى بيتها في شوارع طهران المزدحمة. ويكشف هذا التحول الجريء عن الحدود الهشة بين التمثيل والواقع، كما يقدم تشريحاً اجتماعياً صادقاً للمدينة وصعوبة حركة الإناث فيها.

لماذا تشاهده: يتمرد المخرج جعفر بناهي على البناء الدرامي التقليدي في منتصف الفيلم، عندما تقرر الطفلة الممثلة التوقف عن التمثيل والعودة لمنزلها.

5. طعم گيلاس (1997)

طعم گيلاس (1997)

يطرح كيارستمي في هذا العمل الحائز على السعفة الذهبية تأملاً فلسفياً عميقاً حول الموت والحياة، متتبعاً قصة رجل يبحث في ضواحي طهران عن شخص يقبل بمساعدته في إنهاء حياته ودفنه مقابل مبلغ مالي. وتدور معظم الأحداث داخل سيارة البطل، حيث يلتقي بشخصيات من خلفيات اجتماعية وفكرية متباينة تحاول ثنيه عن قراره.

يتميز الفيلم بأسلوبه البصري المتقشف واعتماده الحوارات الطويلة واللقطات الممتدة التي تمنح المشاهد فرصة للتفكير والتأمل. وتأتي النهاية المفاجئة لتكسر الجدار الرابع مستعرضةً كواليس التصوير بكاميرا فيديو بسيطة، مما يفكك الوهم الدرامي ويعيدنا إلى طبيعة الوسيط السينمائي ذاته.

لماذا تشاهده: تأمل فلسفي في الحياة والموت يعتمد على لقطات طويلة داخل سيارة، وينتهي بكسر الجدار الرابع ليعيد تذكيرنا بطبيعة الوسيط السينمائي.

6. سیب (1998)

سیب (1998)

تقدم المخرجة سميرة مخملباف في تجربتها الروائية الأولى عملاً سينمائياً مدهشاً يستند إلى قصة حقيقية لفتاتين توأمين حبسهما والدهما داخل المنزل طيلة اثني عشر عاماً بذريعة حمايتهما. وتبدأ الحكاية مع تدخل الأخصائيين الاجتماعيين لإنقاذ الطفلتين ومساعدتهما على اكتشاف العالم الخارجي للمرة الأولى.

تستعين المخرجة بالفتاتين الحقيقيتين ووالديهما لإعادة تمثيل المأساة، فيكتسب الفيلم قوة توثيقية هائلة تذيب الفوارق بين الواقع والتمثيل. ويعبر الفيلم بلغة بصرية بسيطة وشاعرية عن صدمة الحرية وصعوبة الاندماج الاجتماعي، ويوجه نقداً لاذعاً للأفكار التقليدية التي تكبل طاقات النساء في المجتمع.

لماذا تشاهده: فيلم رائد للمخرجة سميرة مخملباف يدمج الوثائقي بالروائي، مستعيناً بالفتاتين الحقيقيتين لإعادة تمثيل مأساة عزلهما عن العالم الخارجي.

7. باد ما را خواهد برد (1999)

باد ما را خواهد برد (1999)

يروي الفيلم قصة مهندس قادم من المدينة برفقة طاقمه إلى قرية كوردية نائية لمراقبة طقوس جنائزية محلية لامرأة عجوز تحتضر. ويتحول الانتظار الطويل للموت إلى رحلة استكشافية يواجه فيها المهندس تناقضات الحداثة والتقاليد، ويتعلم عبرها تقدير تفاصيل الحياة البسيطة التي يتجاهلها سكان المدن.

يصنع كيارستمي لغة بصرية فريدة تعتمد على الغياب والانتظار، حيث تظل الشخصيات الأساسية مثل طاقم العمل والمرأة المحتضرة خارج الكادر تماماً. ويبرز التصوير السينمائي جمال التلال والمنحدرات، بينما يساهم المونتاج الهادئ في صياغة إيقاع يتناغم مع طبيعة الحياة الريفية الهادئة والبعيدة عن صخب العصر الحديث.

لماذا تشاهده: يستكشف الفيلم التناقض بين الحداثة والتقاليد عبر لغة بصرية تعتمد على الغياب والانتظار، حيث تظل الشخصيات الأساسية خارج الكادر.

8. بادکنک سفید (1995)

بادکنک سفید (1995)

يتناول المخرج جعفر بناهي في فيلمه الروائي الأول قصة طفلة صغيرة تحلم بشراء سمكة ذهبية للاحتفال بعيد النوروز، لكنها تفقد الورقة النقدية التي أعطتها إياها والدتها في مجاري شوارع طهران. وتتبع الكاميرا محاولات الطفلة المستمرة لاستعادة المال بمساعدة شقيقها وبعض المارة الغرباء الذين تلتقي بهم في طريقها.

يوظف بناهي الزمن الفعلي للسرد ببراعة فائقة ليقدم لوحة اجتماعية غنية لمدينة طهران وتناقضاتها الطبقية والثقافية. ويتجاوز الفيلم بساطة الحكاية الظاهرية ليكشف عن قسوة العالم الخارجي وبراءة الطفولة في مواجهة الاستغلال، معتمداً على أداء تمثيلي طبيعي وتلقائي يمنح العمل مصداقية واقعية مدهشة.

لماذا تشاهده: يوظف المخرج جعفر بناهي الزمن الفعلي للسرد ليقدم لوحة اجتماعية غنية لمدينة طهران، متجاوزاً بساطة الحكاية الظاهرية.

9. نون و گلدون (1997)

نون و گلدون (1997)

يقدم المخرج محسن مخملباف في هذا العمل شبه الذاتي قراءة سينمائية مبتكرة لتاريخه الشخصي والسياسي، مسترجعاً حادثة طعنه لشرطي أثناء مظاهرة احتجاجية عندما كان شاباً في السابعة عشرة من عمره. وبعد مرور عقدين من الزمن، يلتقي المخرج بالشرطي نفسه الذي أصابه بجروح، ويقرران معاً إعادة خلق الحادثة سينمائياً.

يتحول الفيلم إلى مختبر إبداعي يمتزج فيه الماضي بالحاضر، حيث يستعين الطرفان بممثلين شابين لتجسيد نسختيهما الأصغر سناً. ويطرح العمل تساؤلات عميقة حول الذاكرة الفردية والجمعية، وكيف يمكن للفن السينمائي أن يصبح وسيلة للتصالح مع الماضي وتجاوز الصراعات السياسية العنيفة.

لماذا تشاهده: يقدم محسن مخملباف قراءة ذاتية للتاريخ الشخصي والسياسي، حيث يلتقي المخرج بشرطي طعنه في شبابه ليعيدا خلق الحادثة سينمائياً.

10. نرگس (1992)

نرگس (1992)

تقدم المخرجة رخشان بني اعتماد في هذا العمل دراما اجتماعية جريئة وحادة تتناول حياة المهمشين والخارجين عن القانون في ضواحي العاصمة طهران. ويركز السرد على شاب يعيش في بيئة يسودها الفقر والجريمة، ويجد نفسه ممزقاً بين امرأتين وعلاقات معقدة تتحدى التقاليد الاجتماعية السائدة والقوانين الصارمة.

تتميز لغة الفيلم البصرية بالواقعية الشديدة والابتعاد عن التجميل، حيث تكشف الكاميرا عن الجوانب المظلمة للفقر والبطالة وأثرها على سلوك الأفراد. وتنجح بني اعتماد في تجاوز الحدود الرقابية بتقديم نقد اجتماعي عميق وصادق، ليصبح العمل وثيقة سينمائية هامة حول التحولات الاجتماعية في إيران خلال تلك الحقبة.

لماذا تشاهده: تتحدى المخرجة رخشان بني اعتماد الحدود الرقابية بتقديم دراما اجتماعية جريئة تفكك الفقر والجريمة والعلاقات المعقدة في هوامش طهران.

فريق التحرير

محرر في منصة Taste of Cinema العربية. يسعى فريق التحرير لتقديم أفضل التحليلات والقوائم السينمائية لإثراء المحتوى العربي بأهم الأعمال الفنية حول العالم.

عرض جميع مقالات الكاتب