مذاق السينما
مذاق السينما
قوائم أفلام

عباس كيارستمي: هندسة الواقع في سينما الثمانينيات

7 نيسان 2026

آخر تحديث: 7 نيسان 2026

7 دقائق
حجم الخط:

يقف عباس كيارستمي كأحد أبرز أعمدة السينما العالمية التي أعادت صياغة مفهوم الواقعية على الشاشة الفضية. إذ تجسد مسيرته الفنية رحلة بصرية معقدة، تتجاوز مجرد التوثيق اليومي لتصل إلى هندسة دقيقة للواقع ذاته. وقد تبلورت هذه الرؤية السينمائية بوضوح خلال حقبة الثمانينيات، التي شهدت نضوج أسلوبه السردي الفريد. فابتعد عن القوالب الدرامية التقليدية، ليخلق لغة تعتمد على التأمل البصري والمزج العبقري بين الوثائقي والروائي. كما لم تكتفِ عدسته برصد ملامح المجتمع الإيراني، بل غاصت في أعماق النفس البشرية عبر لقطات طويلة وحوارات عفوية تلامس جوهر الوجود. وبفضل هذا التطور الأسلوبي، أسس كيارستمي مدرسة سينمائية ألهمت أجيالاً من صناع الأفلام. وتستعرض هذه القائمة محطات بارزة في مسيرته الإخراجية، لتسلط الضوء على عبقريته في تحويل التفاصيل البسيطة إلى تساؤلات فلسفية كبرى.

1. خانه‌ی دوست کجاست؟ (1987)

خانه‌ی دوست کجاست؟ (1987)

يؤسس الفيلم لملامح السينما الكيارستمية، معتمداً على بساطة الحبكة وعمق الدلالة في آن واحد. إذ يتتبع السرد رحلة طفل في الثامنة من عمره، يكتشف أخذه لدفتر زميله المدرسي بطريق الخطأ. ويدرك بطلنا الصغير أن صديقه سيواجه عقوبة الطرد إن لم يسترد دفتره قبل فجر اليوم التالي. لتبدأ من هنا مغامرة شاقة عبر التلال والقرى المجاورة بحثاً عن منزل الزميل.

ويستثمر كيارستمي هذه الحكاية البسيطة ليقدم دراسة بصرية مرهفة حول المسؤولية الأخلاقية، وسط عالم كبار يتسم باللامبالاة. حيث تعتمد السينماتوغرافيا على لقطات واسعة تبرز ضآلة الإنسان أمام قسوة الطبيعة. كما يتجلى إبداع المخرج في توجيه ممثلين غير محترفين، مستخرجاً منهم أداءً عفوياً يلامس القلوب.

لماذا تشاهده: يمثل هذا العمل تجسيداً سينمائياً خالصاً للبراءة، ورحلة بحث عن الحقيقة في قرية نائية تتجاهل أصوات الأطفال.

2. مشق شب (1989)

مشق شب (1989)

تعمق هذه التجربة الوثائقية استكشاف عالم الطفولة، متجاوزة حدود المراقبة لتصل إلى المساءلة الاجتماعية. إذ يضع كيارستمي كاميرته أمام مجموعة من الطلاب الصغار في مدرسة إيرانية، موجهاً إليهم أسئلة مباشرة حول مشاعرهم تجاه الواجبات المدرسية. وتتحول هذه المقابلات العفوية تدريجياً إلى مرآة تعكس صرامة النظام التعليمي، وتأثيره البالغ على تكوين شخصية الطفل.

ويعتمد البناء السردي على مونتاج ذكي يربط إجابات الأطفال، ليخلق إيقاعاً متوتراً يفضح الخوف الكامن في نفوسهم. فمن خلال اللقطات القريبة لوجوه الطلاب، يتجاوز الفيلم مجرد التوثيق ليصبح دراسة نفسية ترصد لغة الجسد والتردد في النطق. وعلاوة على ذلك، يطرح العمل تساؤلات جوهرية حول هيمنة السلطة الأبوية والمؤسسية.

لماذا تشاهده: يقدم المخرج وثائقياً تجريبياً يفكك بنية التعليم والضغط النفسي على الأطفال، بأسلوب يجمع بين القسوة والتعاطف الإنساني.

3. مسافر (1974)

مسافر (1974)

يمثل هذا الفيلم إحدى البدايات المبكرة التي شكلت الوعي البصري لكيارستمي، قبل تبلور رؤيته الفلسفية اللاحقة. إذ يركز السرد على طفل متمرد في العاشرة من عمره، يعيش في بلدة إيرانية صغيرة. وتتمحور رغبته الكبرى حول السفر إلى طهران لمشاهدة مباراة حاسمة للمنتخب الوطني لكرة القدم. وفي سبيل تحقيق غايته، يلجأ إلى خداع أصدقائه وجيرانه لجمع تكاليف الرحلة.

وتبرز هنا براعة الإخراج في رسم شخصية تتأرجح بين البراءة والمكر، ضمن سعيها المحموم لتحقيق حلمها. حيث تعكس السينماتوغرافيا التناقض الحاد بين ضيق الأفق في البلدة واتساع أحلام البطل. كما يمهد هذا البناء الدرامي لأسلوب المخرج المستقبلي، المتمثل في تتبع رحلات شخصياته نحو أهداف ذات دلالات أعمق.

لماذا تشاهده: يشكل العمل دراسة مبكرة لهوس الشخصية والهروب من الواقع، عبر رحلة محفوفة بالخداع تكشف تعقيدات النفس البشرية.

4. کلوزآپ ، نمای نزدیک (1990)

کلوزآپ ، نمای نزدیک (1990)

يبلغ كيارستمي في هذه التحفة ذروة نضجه الفني، مبتكراً لغة سينمائية تمحو الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال. حيث يستند السرد إلى حادثة واقعية مثيرة للجدل، بطلها شاب أُلقي القبض عليه بتهمة انتحال شخصية المخرج المعروف محسن مخملباف. ويستثمر المخرج هذه الحادثة ليبني تحقيقاً متعدد الطبقات، يغوص في مفاهيم الهوية والإبداع الفني.

وتكمن العبقرية الإخراجية في الاستعانة بالأشخاص الحقيقيين المتورطين في القضية، لتمثيل أدوارهم بأنفسهم أمام الكاميرا. إذ يخلق هذا التداخل المذهل بين الوثائقي والروائي حالة من التوتر المحبب، تدفع المتلقي للتساؤل المستمر عن ماهية الحقيقة. كما تلعب اللقطات القريبة دوراً حاسماً في استكشاف الدوافع النفسية لبطل يبحث عن التقدير الاجتماعي عبر تقمص شخصية مبدع آخر.

لماذا تشاهده: يمثل الفيلم تحفة سينمائية تدمج بين الوثائقي والروائي، طارحاً تساؤلاً فلسفياً عميقاً عن الهوية وقوة السينما.

5. طعم گيلاس (1997)

طعم گيلاس (1997)

تنطلق هذه التحفة في رحلة وجودية تتأمل مفاهيم الحياة والموت، معتمدة على بنية سردية تتدرج نفسياً ببراعة. إذ يتتبع الفيلم رجلاً يجوب شوارع طهران وضواحيها بسيارته، باحثاً عن شخص يقبل بمهمة دفنه بعد أن ينهي حياته. وخلال هذه الرحلة، يلتقي البطل بشخصيات متنوعة، عارضاً عليهم المال مقابل تنفيذ طلبه الغريب.

ويبرز الإخراج قدرة فائقة على توظيف المكان كعنصر درامي، حيث تعكس التلال الجرداء حالة التيه الداخلي للبطل. وفي حين يرفض معظمهم المهمة، يجد أخيراً رجلاً يوافق بدافع الحاجة المالية، محاولاً في الوقت ذاته إقناعه بالعدول عن الانتحار. وتتجلى جماليات السينماتوغرافيا في اللقطات الطويلة، مانحة المشاهد مساحة للتأمل في هشاشة الوجود.

لماذا تشاهده: يقدم الفيلم تأملاً فلسفياً وجودياً حول الموت والارتباط بالأرض، عبر حوارات هادئة تلامس أعمق مخاوف الإنسان.

6. باد ما را خواهد برد (1999)

باد ما را خواهد برد (1999)

تستمر عدسة كيارستمي التأملية في استكشاف التناقضات بين صخب الحياة الحضرية والإيقاع البطيء للطبيعة الريفية. حيث يروي السرد قصة مهندس قادم من المدينة، يصل إلى قرية كردية نائية لانتظار وفاة قريبة له تعاني سكرات الموت. ويسعى البطل خلال فترة انتظاره الطويلة إلى التأقلم مع المجتمع المحلي، مراقباً طقوسهم اليومية التي تتسم بالبساطة والعمق.

وتتحول هذه الإقامة الجبرية تدريجياً إلى رحلة اكتشاف ذاتي، تغير نظرة المهندس المتعالية تجاه الحياة والموت. إذ يعتمد البناء البصري على تكوينات هندسية دقيقة، تبرز اندماج العمارة القروية مع التضاريس الجبلية القاسية. كما يتلاعب المخرج ببراعة بمفهوم الزمن السينمائي، جاعلاً من الانتظار ذاته حدثاً درامياً يكشف تحولات الشخصية الداخلية.

لماذا تشاهده: يمثل العمل استعراضاً بصرياً مذهلاً للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، داعياً للتأمل في إيقاع الحياة بعيداً عن المدن.

7. ده (2002)

ده (2002)

يشكل هذا الفيلم ثورة مصغرة في مسيرة كيارستمي، متخلياً عن أطقم التصوير الكبيرة لصالح حميمية الكاميرا الرقمية المدمجة. إذ ينبني السرد بالكامل داخل سيارة تجوب شوارع طهران، تقودها امرأة تلتقي بمجموعة متنوعة من الركاب. وينقسم العمل إلى عشرة حوارات منفصلة، تكشف تدريجياً تعقيدات الحياة الاجتماعية والقيود المفروضة على النساء.

وتتجلى براعة الإخراج في تحويل المساحة الضيقة للسيارة إلى مسرح درامي نابض بالانفعالات الصادقة. حيث تُثبت الكاميرا في موقعين فقط، لترصد وجوه الشخصيات وتفاعلاتهم العفوية دون أي تدخل بصري متكلف. وعلاوة على ذلك، يمنح هذا الأسلوب التقني المتقشف مساحة غير مسبوقة للممثلين للتعبير عن همومهم، مما يضفي طابعاً توثيقياً شديد الواقعية.

لماذا تشاهده: يخوض المخرج تجربة تقنية جريئة بالكاميرا الرقمية، ليقدم فحصاً اجتماعياً بصرياً يلامس قضايا المرأة بصدق متناهٍ.

8. Copie conforme (2010)

Copie conforme (2010)

يغادر كيارستمي في هذه المرحلة أراضيه المألوفة نحو إيطاليا، ليقدم دراسة نفسية معقدة تتلاعب بمفاهيم الحقيقة والزيف في العلاقات العاطفية. حيث يتتبع السرد كاتباً إنجليزياً يزور منطقة توسكانا للترويج لكتابه الجديد، الذي يناقش قيمة النسخ المقلدة في الفن. وهناك يلتقي بامرأة فرنسية تصطحبه في جولة إلى قرية لوتشينيانو الخلابة، لتبدأ بينهما سلسلة من الحوارات الفلسفية العميقة.

ومع تطور الأحداث، يمحو الإخراج ببراعة الخطوط الفاصلة بين كون الشخصيتين غريبين التقيا للتو، أو زوجين يعانيان أزمة طويلة الأمد. إذ تعتمد السينماتوغرافيا على لقطات متأنية تلتقط أدق التعبيرات الوجهية، فاضحة المشاعر المكبوتة والتوترات الخفية. كما يطرح العمل تساؤلات ذكية حول إمكانية تحول العلاقات الإنسانية ذاتها إلى مجرد نسخ باهتة من أصل مفقود.

لماذا تشاهده: يقدم الفيلم تفكيكاً ذكياً للعلاقات الإنسانية عبر مفهوم النسخة والأصل، في إطار بصري ساحر يمزج الفن بالحياة.

9. Like Someone in Love (2012)

Like Someone in Love (2012)

يحط المخرج رحاله هذه المرة في العاصمة اليابانية طوكيو، مقدماً لوحة بصرية تتسم بالغموض والشاعرية. إذ يركز السرد على لقاء غير متوقع يجمع بين رجل مسن وشابة في مقتبل العمر ضمن ظروف ملتبسة. وفي حين تعتقد الشابة أنها تقدم خدمة مدفوعة الأجر، يرحب بها الرجل العجوز في منزله باحثاً عن الدفء الإنساني والتواصل المفقود.

وتتشابك خيوط العلاقة بين الشخصيتين خلال أربع وعشرين ساعة فقط، لتخلق شبكة معقدة من المشاعر تتجاوز طبيعة لقائهما الأولي. حيث يبرز الإخراج التناقض الصارخ بين صخب المدينة الحديثة والعزلة النفسية التي تعانيها شخصيات العمل. كما يعتمد المونتاج على إيقاع هادئ، يمنح المشاهد فرصة لاستيعاب التحولات العاطفية الدقيقة في ظل غياب اليقين.

لماذا تشاهده: يجسد العمل دراسة نفسية هادئة في شوارع طوكيو الصاخبة، مسلطاً الضوء على هشاشة الروابط الإنسانية والبحث عن الانتماء.

10. زیر درختان زیتون (1995)

زیر درختان زیتون (1995)

تُتوج هذه التحفة ثلاثية كيارستمي الشهيرة في قرية كوكر، مقدمة تأملاً سينمائياً فريداً حول صناعة الأفلام ذاتها. حيث ينطلق السرد من كواليس تصوير فيلم سابق، عندما يضطر ممثل رئيسي للانسحاب من العمل. ويدفع هذا الموقف المخرج للبحث عن بديل، ليقع الاختيار على شاب محلي يكتشف لاحقاً أنه يحمل مشاعر حب حقيقية تجاه الممثلة التي تشاركه المشهد.

وتتولد التعقيدات الدرامية من رفض الفتاة وعائلتها لهذا الشاب في الواقع، مما يخلق توتراً ملموساً أثناء تصوير المشاهد المشتركة. إذ يستثمر الإخراج هذه المفارقة ليمحو الحدود بين السيناريو المكتوب وكواليس الحياة اليومية. كما تتألق الكاميرا في التقاط المشهد الختامي الشهير عبر لقطة واسعة، تترك مصير العلاقة معلقاً في فضاء الطبيعة.

لماذا تشاهده: يمثل الفيلم خاتمة ثلاثية كوكر التي تمزج بعبقرية بين حياة الممثلين والواقع، لتطرح تساؤلات حول قدرة الفن على محاكاة الحياة.