مذاق السينما
مذاق السينما
قوائم أفلام

السياسة والجسد: السينما الأوروبية في السبعينيات

7 نيسان 2026

آخر تحديث: 7 نيسان 2026

7 دقائق
حجم الخط:

شهدت السينما الأوروبية خلال حقبة السبعينيات تحولاً جذرياً في مقاربتها للسرد البصري، إذ لم يعد الجسد الإنساني مجرد مساحة للجماليات العابرة، بل تحول إلى ساحة معركة حقيقية تعكس صراعات السلطة والطبقية. فقد أدرك صناع الأفلام في تلك الفترة المضطربة سياسياً واجتماعياً أن الرغبة تمثل أداة حادة لتشريح الأنظمة القمعية وتفكيك الهياكل المجتمعية البالية. وهكذا، تخلت الشاشة عن تحفظاتها السابقة لتغوص في أعماق النفس البشرية، مستكشفة التناقضات الصارخة بين الحرية الفردية والقيود المؤسسية. وتناقش هذه القائمة كيف وظف المخرجون التفاعلات الجسدية المعقدة لتعرية النفاق الأخلاقي، وتسليط الضوء على ديناميكيات الهيمنة والخضوع. فبفضل لقطات جريئة وسرديات تتحدى المألوف، قدمت سينما ذلك العقد وثيقة بصرية لا تزال تثير الجدل والتأمل. نستعرض هنا عشرة أعمال جسدت هذا التوجه ببراعة نادرة، حيث تتشابك الدوافع السياسية مع الرغبات الدفينة لتخلق تجربة تتجاوز حدود الترفيه نحو النقد الاجتماعي اللاذع.

1. Il portiere di notte (1974)

Il portiere di notte (1974)

يغوص هذا الفيلم في أعماق واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية تعقيداً وإثارة للاضطراب. ففي فيينا، وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، تلتقي ناجية من معسكرات الاعتقال بجلادها السابق الذي يعمل حارساً ليلياً في أحد الفنادق. وهناك، يعيد الطرفان إحياء علاقتهما السادية المازوخية داخل بيئة مشحونة بالتوتر والخوف المستمر.

ويستكشف السرد كيف تتشابك صدمات الماضي مع رغبات الحاضر، بأسلوب يتحدى الفهم التقليدي للتعافي. ثم تتصاعد وتيرة الخطر حين يبدأ رفاق الحارس السابقون في قوات الأمن الخاصة بملاحقة الثنائي، مما يضفي طابعاً من العزلة الخانقة على المشهد. كما تعتمد السينماتوغرافيا على إضاءة خافتة وزوايا ضيقة تعكس السجن النفسي الذي يعيش فيه البطلان.

لماذا تشاهده: يجسد الفيلم ببراعة نادرة العلاقة الشائكة بين الضحية والجلاد، ويطرح تساؤلات قاسية حول السلطة والخضوع ضمن إطار سياسي ونفسي بالغ التعقيد.

2. Ultimo tango a Parigi (1972)

Ultimo tango a Parigi (1972)

يقدم هذا الفيلم دراسة بصرية مكثفة حول العزلة والاغتراب في قلب العاصمة الفرنسية. إذ يتتبع السرد قصة رجل أمريكي فقد زوجته حديثاً، ليدخل في علاقة جسدية عابرة ومجهولة الهوية مع شابة باريسية داخل شقة فارغة. ويتفق الطرفان على عدم تبادل الأسماء أو المعلومات الشخصية، مما يخلق مساحة معزولة تماماً عن العالم الخارجي.

هكذا، تتحول الشقة إلى مسرح لتفريغ الشحنات العاطفية المكبوتة، في محاولة يائسة للهروب من واقع أليم. ويعتمد المخرج على لقطات قريبة ترصد أدق الانفعالات، مبرزاً التناقض بين الحميمية الجسدية والتباعد العاطفي. في حين تعكس حركة الكاميرا حالة الضياع التي يعاني منها البطلان وسط مجتمع حضري يتسم بالبرود.

لماذا تشاهده: يفكك الفيلم الهوية الفردية بجرأة شديدة عبر لقاءات جسدية مجردة من الأسماء، ليقدم نقداً لاذعاً للخواء العاطفي في المجتمعات الحديثة.

3. Salò o le 120 giornate di Sodoma (1976)

Salò o le 120 giornate di Sodoma (1976)

يمثل هذا الفيلم صدمة بصرية وفكرية تتجاوز كافة الحدود المألوفة في السرد السينمائي. ففي أواخر حقبة الفاشية الإيطالية، يجمع أربعة من النخبة الفاسدة مجموعة من المراهقين والمراهقات داخل قصر معزول. وعلى مدار مئة وعشرين يوماً، يتعرض هؤلاء الشباب لسلسلة من الانتهاكات الجسدية والنفسية المروعة التي تجسد الانحطاط الأخلاقي التام.

ويوظف المخرج المونتاج القاسي واللقطات الثابتة لخلق مسافة عاطفية، مجبراً المشاهد على التأمل في بشاعة المشهد بدلاً من التماهي معه. فتتحول الأجساد الشابة إلى مجرد أدوات لتأكيد هيمنة السلطة المطلقة وتفريغ رغباتها المريضة. وعلاوة على ذلك، يعكس التصميم الفني للقصر حالة من البذخ البارد، متناقضاً بشكل صارخ مع المعاناة الإنسانية الدائرة بين جدرانه.

لماذا تشاهده: يستخدم الفيلم الجسد كساحة قاسية للصراع السياسي، ليقدم إدانة لا هوادة فيها للوحشية المطلقة للسلطة الفاشية وانحلالها الأخلاقي.

4. 愛のコリーダ (1976)

愛のコリーダ (1976)

يستند هذا الفيلم إلى أحداث حقيقية وقعت في اليابان قبل الحرب العالمية الثانية، مقدماً رؤية متطرفة حول الهوس العاطفي. إذ يتتبع السرد قصة امرأة تدخل في علاقة مشحونة بالشغف مع سيدها، لتتطور تدريجياً وتصبح هوساً مدمراً يبتلع حياة الطرفين. وينعزل العاشقان عن العالم الخارجي المضطرب سياسياً، ليغوصا في عالم مغلق تحكمه الرغبات الجامحة.

وهنا، تتجاوز الكاميرا وظيفتها التقليدية لتصبح شاهداً صامتاً على طقوس التدمير الذاتي. كما يعتمد الإخراج على إيقاع بطيء وتأطير دقيق للمشاهد الداخلية، مما يعزز الشعور بالاختناق والانغلاق. ويتجاهل البطلان التحولات الاجتماعية والسياسية المحيطة بهما، ليؤكدا أن الرغبة المطلقة قد تصبح شكلاً من أشكال التمرد العدمي.

لماذا تشاهده: يمثل هذا الإنتاج المشترك ذروة التحدي البصري للحدود الأخلاقية، ويستكشف كيف يتحول الشغف الجسدي إلى قوة مدمرة تتجاوز كافة القيود المجتمعية.

5. Il conformista (1971)

Il conformista (1971)

يقدم هذا الفيلم تحليلاً نفسياً وسياسياً عميقاً لشخصية تبحث بيأس عن الانتماء داخل مجتمع شمولي. وتدور الأحداث حول رجل إيطالي ضعيف الإرادة ينضم إلى الحزب الفاشي سعياً وراء حياة طبيعية ومستقرة. ثم يُكلف بمهمة السفر إلى الخارج لترتيب عملية اغتيال أستاذه الجامعي السابق، والذي أصبح معارضاً سياسياً بارزاً.

وتتميز السينماتوغرافيا هنا بجماليات بصرية مذهلة، معتمدة على التباين الحاد بين الظل والنور لتعكس الازدواجية الأخلاقية للبطل. في حين تعبر زوايا التصوير المائلة والهندسة المعمارية القمعية عن حالة الاضطراب الداخلي والانسحاق أمام سلطة الدولة. ويتنقل السرد ببراعة بين ذكريات الطفولة المشوهة والواقع السياسي القاتم، مفسراً الدوافع الخفية وراء الخضوع الأعمى.

لماذا تشاهده: يربط الفيلم بذكاء شديد بين الانحراف العاطفي والولاءات السياسية في إيطاليا الفاشية، مقدماً دراسة بصرية مبهرة عن سيكولوجية التبعية.

6. Emmanuelle (1974)

Emmanuelle (1974)

يناقش هذا الفيلم مفاهيم التحرر الفردي داخل بيئة غريبة ومحملة بالدلالات الطبقية. إذ تسافر شابة فرنسية إلى العاصمة التايلاندية للانضمام إلى زوجها العامل في السفارة الفرنسية هناك. ويشجع الزوج زوجته على استكشاف رغباتها بحرية تامة، والدخول في علاقات متعددة ضمن إطار زواج مفتوح يتحدى التقاليد البرجوازية الصارمة.

ويعكس الإخراج حالة من الاسترخاء البصري المتناغم مع الأجواء الاستوائية الحارة، مبرزاً التناقض بين نمط حياة المغتربين الأوروبيين المرفه والواقع المحلي المحيط بهم. كما تتحرك الكاميرا بانسيابية لتسجل رحلة البطلة نحو اكتشاف الذات، بعيداً عن القيود المجتمعية المعتادة في وطنها الأم. ويطرح السرد تساؤلات مبطنة حول حدود الحرية الشخصية حين تُمارس في بيئة تتسم بالتفاوت الطبقي.

لماذا تشاهده: يقدم الفيلم دراسة سوسيولوجية جريئة للتحرر الجنسي، واضعاً هذه التجربة الفردية في سياق استعماري أوروبي يثير الكثير من التساؤلات النقدية.

7. Deep End (1971)

Deep End (1971)

يلتقط هذا الفيلم نبض التحولات الاجتماعية في العاصمة البريطانية عبر قصة بلوغ مشحونة بالتوتر. ففيه يبدأ مراهق في الخامسة عشرة من عمره العمل في حمام عام، حيث يلتقي بشابة جذابة تعمل هناك. ويتطور إعجاب الفتى بزميلته تدريجياً إلى هوس مرضي، يدفعه لتتبع تفاصيل حياتها المعقدة وعلاقاتها المتشابكة.

ويستخدم المخرج فضاء الحمام العام كبيئة سينمائية غنية تعكس التفاوت الطبقي والانحلال الحضري. بينما تبرز الألوان الباهتة والإضاءة الفلورية القاسية حالة الاغتراب واليأس المخيمة على الطبقة العاملة. ثم يتصاعد السرد نحو نهاية مأساوية، تؤكد استحالة الهروب من القيود الاجتماعية التي تكبل طموحات الشباب وتدمر براءتهم في مجتمع مادي قاسٍ.

لماذا تشاهده: يصور الفيلم الهوس العاطفي ببراعة فائقة، متخذاً من شوارع لندن وحماماتها العامة مرآة عاكسة للتغيرات الاجتماعية والطبقية العميقة.

8. Sunday Bloody Sunday (1971)

Sunday Bloody Sunday (1971)

يطرح هذا الفيلم مقاربة هادئة وعميقة لتعقيدات العلاقات الإنسانية في المجتمعات الحديثة. إذ تتشابك حياة امرأة مطلقة وطبيب في منتصف العمر بفضل علاقتهما المشتركة مع فنان شاب وجذاب. ويدرك كل من المرأة والطبيب وجود الطرف الآخر في حياة الشاب، لكنهما يفضلان الاستمرار في هذه العلاقة الثلاثية المعقدة هرباً من مواجهة الوحدة.

ويمثل الفنان الشاب بالنسبة لكليهما جسراً نحو الحيوية والتحرر من أعباء الماضي الصارمة. ويتجنب الإخراج الانفعالات الميلودرامية المفتعلة لصالح سرد هادئ، مركزاً على التفاصيل اليومية الدقيقة واللحظات الصامتة التي تكشف الكثير عن مشاعر الشخصيات. كما تعكس الحوارات الذكية واللقطات المتأنية حالة النضج العاطفي والقبول المرير بالواقع كما هو دون تجميل.

لماذا تشاهده: يقدم الفيلم رؤية ناضجة وبالغة التعقيد للعلاقات العاطفية المتعددة في أوروبا، متجاوزاً الأحكام الأخلاقية الجاهزة لصالح فهم أعمق للنفس البشرية.

9. Cousin, Cousine (1975)

Cousin, Cousine (1975)

يقدم هذا الفيلم معالجة سينمائية مرحة وذكية للنفاق الاجتماعي والقيود الأسرية. حيث يلتقي قريبان بعيدان خلال حفل زفاف عائلي، وتنشأ بينهما صداقة بريئة وعميقة تتطور مع مرور الوقت. وتثير هذه العلاقة الوثيقة شكوك أزواجهما وعائلاتهما، الذين يفترضون فوراً وجود خيانة زوجية رغم عدم حدوث أي تجاوز فعلي في البداية.

ويدفع هذا الشك المستمر والضغط العائلي الخانق البطلين في النهاية إلى تحويل ظنون العائلة إلى واقع ملموس. ويتميز السرد بخفة الظل والقدرة على التقاط المفارقات الساخرة في السلوك البشري داخل التجمعات العائلية. بينما تعتمد السينماتوغرافيا على ألوان دافئة وإضاءة طبيعية تضفي طابعاً حميمياً، متناقضاً مع برودة العلاقات الزوجية الرسمية المحيطة بالبطلين.

لماذا تشاهده: يتحدى الفيلم الأعراف العائلية بأسلوب ساخر وذكي، متتبعاً علاقة عاطفية غير تقليدية تفضح زيف التقاليد البرجوازية.

10. Le locataire (1976)

Le locataire (1976)

يختتم هذا الفيلم القائمة برحلة نفسية مرعبة نحو التفكك الذهني وفقدان الهوية. إذ يستأجر رجل هادئ ومنعزل شقة في مبنى سكني قديم بالعاصمة الفرنسية باريس. ويكتشف الرجل تدريجياً تفاصيل مقلقة عن المستأجرة السابقة التي أنهت حياتها بشكل مأساوي، ليبدأ في الشعور بأن جيرانه يتآمرون لدفعه نحو المصير ذاته.

ويخلق المخرج جواً مشحوناً بالبارانويا باستخدام زوايا تصوير مشوهة وتصميم صوتي يضخم الأصوات اليومية العادية لتصبح مصدراً للرعب. فتتحول الشقة والمبنى السكني إلى كيان معادٍ يبتلع شخصية البطل، ويجبره على تقمص هوية المستأجرة الراحلة. كما يعكس الأداء التمثيلي المتوتر والتحولات الجسدية التدريجية حالة الانهيار التام للحدود الفاصلة بين الواقع والهلوسة.

لماذا تشاهده: يستكشف الفيلم ببراعة فائقة هشاشة الهوية والجسد في بيئة حضرية خانقة ومثيرة للقلق، ليقدم تجربة سينمائية تترك أثراً نفسياً عميقاً.