تتجاوز السينما في أسمى تجلياتها مجرد سرد الحكايات العابرة، لتغدو أداة فلسفية تسبر أغوار الوجود الإنساني المعقد. إذ تطرح تساؤلات قلقة ومستمرة حول ثنائية الحياة والموت التي تؤرق البشرية. وهنا يبرز المخرج الإيراني عباس كيارستمي كأحد أهم صناع الفن السابع الذين وظفوا الكاميرا كمشرط دقيق يفكك تعقيدات النفس البشرية ببراعة متناهية. ويجسد فيلمه الأيقوني طعم گيلاس Taste of Cherry ذروة هذا التوجه الفلسفي العميق، حيث يدمج بذكاء حاد بين قسوة الواقع المادي ورحابة الخيال السينمائي. فالمخرج يرفض رفضا قاطعا تقديم إجابات جاهزة أو مواعظ أخلاقية معلبة، بل يدعو المشاهد إلى رحلة تأملية قاسية ومربكة في آن واحد. وتتبلور في هذا العمل الاستثنائي رؤية إخراجية ناضجة تتخلى عن الزخارف البصرية المعتادة لصالح تقشف سينمائي متعمد. وهو تقشف يضع الإنسان في مواجهة مباشرة وعارية مع مصيره المحتوم، ويجبره على التحديق طويلا في فراغ العدم الموحش.
تتسم مسيرة كيارستمي الفنية بقدرة استثنائية ونافرة على استخلاص المعنى الفلسفي من رحم التفاصيل اليومية العابرة والمهمشة. ويعتمد أسلوبه الإخراجي على الملاحظة الدقيقة والتأني الشديد في بناء المشهد السينمائي، مما يمنح المتلقي مساحة واسعة للتأويل بعيدا عن صخب الحبكات الدرامية التقليدية. ويتجلى هذا النهج بوضوح ناصع في استخدامه المتكرر للسيارة كفضاء سينمائي مغلق ومتحرك يحمل دلالات رمزية ونفسية بالغة العمق. فالسيارة تتحول لديه في طعم گيلاس إلى غرفة اعتراف متنقلة تعزل الشخصية الرئيسية عن محيطها الخارجي المضطرب، في حين تبقيها على اتصال بصري مستمر مع العالم عبر زجاج النوافذ الشفاف. ويخلق هذا التناقض الصارخ بين العزلة الخانقة والاتصال البصري توترا دراميا خفيا يغذي السرد ببطء، ويدفع الأحداث نحو مسارات نفسية شائكة تستكشف هشاشة الكائن البشري أمام أسئلة الوجود الكبرى.
ينطلق السرد في هذا العمل الفذ من فرضية بسيطة ومروعة في آن واحد، لتؤسس لرحلة عبثية تذكرنا بأساطير الإغريق القديمة. إذ يتجول رجل كهل يدعى السيد بديعي بسيارته الفارهة في شوارع طهران المزدحمة وضواحيها القاحلة والمتربة. ولا يبحث هذا الرجل المتعب عن وجهة جغرافية محددة على الخريطة، بل يفتش بلهفة عمن يقبل تولي مهمة غريبة ومقبضة، تتمثل في مواراته الثرى بعد أن ينهي حياته بيده في حفرة أعدها سلفا. ويختزل هذا المنطلق الدرامي الجريء رحلة الإنسان الأبدية في البحث عن معنى للحياة، وذلك في مواجهة العدمية المطلقة التي تبتلع كل أمل يلوح في الأفق. كما لا يقدم الفيلم أية تفسيرات نفسية أو خلفيات اجتماعية واضحة لدوافع البطل نحو الانتحار، بل يركز بصرامة على الفعل ذاته. ويسلط الضوء على ثقل القرار الذي يتخذه إنسان اختار التخلي عن حقه الطبيعي في الوجود بمحض إرادته الحرة.

تؤدي السينماتوغرافيا دورا حاسما وفعالا في تعميق الإحساس بالاغتراب القاهر الذي يعانيه البطل طوال رحلته العبثية عبر التلال المتربة ومواقع البناء المهجورة. وتعتمد لغة الكاميرا بشكل مكثف على اللقطات القريبة لوجه السيد بديعي أثناء قيادته المستمرة، مما يبرز ملامحه المتعبة ونظراته التائهة الباحثة عن مخرج من مأزقه الوجودي الخانق. ثم تتناوب هذه اللقطات الحميمة مع لقطات أخرى واسعة وشاملة للمناظر الطبيعية الجرداء والطرق المتعرجة المحيطة بالمدينة، لتبدو وكأنها متاهة ترابية لا نهاية لها. ويعكس هذا التباين البصري المدروس بين ضيق المساحة داخل مقصورة السيارة واتساع الفراغ الموحش خارجها حالة الاختناق الداخلي التي يعيشها البطل بصمت مطبق. فتبدو الأرض الجافة في هذه المشاهد الطويلة وكأنها تبتلع الشخصية تدريجيا، وتستعد بشراهة لاحتضان جسده المنهك قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في جوفها المظلم.
تتشكل البنية السردية لفيلم طعم گيلاس عبر سلسلة متصلة من اللقاءات العابرة التي يجريها البطل مع شخصيات تمثل شرائح متنوعة من المجتمع الإيراني المعاصر. إذ يصادف السيد بديعي جنديا كرديا خجولا، وطالبا أفغانيا يدرس العلوم الدينية، ليطرح عليهم عرضه الغريب والمتمثل في تقديم مبلغ مالي كبير مقابل تنفيذ وصيته الأخيرة. وتمثل هذه الشخصيات الثانوية أصواتا متعددة تعكس مواقف متباينة وجذرية تجاه مفاهيم الحياة والموت، فضلا عن الدين والأخلاق والمسؤولية الفردية تجاه الآخر. ويرفض معظمهم هذا العرض المغري لأسباب تتراوح بين الخوف العميق من ارتكاب إثم ديني عظيم، والنفور الغريزي والفطري من فكرة الموت والتعامل المباشر مع الجثث. وتسلط هذه الحوارات الطويلة والمشحونة الضوء على العزلة المطلقة للبطل، حيث يجد نفسه عاجزا تماما عن التواصل الحقيقي مع الآخرين حتى في أشد لحظات ضعفه واحتياجه الإنساني.
يبرع كيارستمي كعادته في طمس الحدود الفاصلة والواضحة بين الواقع المعيش والخيال السينمائي، مما يضفي على العمل طابعا وثائقيا يعزز مصداقية الأحداث ويزيد من تأثيرها العاطفي على المتلقي. فتبدو الحوارات الدائرة داخل السيارة ارتجالية وعفوية إلى حد بعيد، حيث تتداخل أصوات الشارع وضجيج آلات البناء الثقيلة مع الكلمات المتبادلة في تناغم واقعي مدهش ومربك. ويساهم هذا التداخل الصوتي المدروس بعناية في ترسيخ الإحساس بواقعية المشهد السينمائي، ليجعل المشاهد يشعر وكأنه يجلس خلسة في المقعد الخلفي للسيارة مراقبا الأحداث بصمت وتوجس شديدين. وعلاوة على ذلك، يعكس مشهد مواقع البناء المليئة بالغبار المتطاير حالة الخراب الداخلي التي تعصف بروح البطل المعذبة. فتبدو المدينة بأكملها وكأنها تشهد بصمت على انهياره النفسي البطيء، وتشاركه حداده المبكر على ذاته قبل أوان الرحيل.

يطرح الفيلم تساؤلات فلسفية عميقة وشائكة حول مفهوم الانتحار، ليس باعتباره هروبا جبانا من قسوة الواقع، بل كفعل من أفعال الإرادة الحرة والتمرد الواعي على الحتمية البيولوجية. ويسعى السيد بديعي جاهدا إلى استعادة السيطرة المفقودة على مصيره الفردي باختيار لحظة نهايته وطريقة رحيله، وتحديد من سيرافقه في خطوته الأخيرة نحو المجهول. ويجسد هذا السعي الحثيث مفارقة وجودية صارخة ومؤلمة، حيث يبحث البطل عن تواصل إنساني أخير وصادق ليتمكن من قطع صلاته بالبشرية ومغادرة العالم بسلام وطمأنينة. هكذا، يعيد طعم گيلاس صياغة مفهوم العدمية الفلسفية ليجعله مساحة خصبة للتأمل في قيمة الحياة ذاتها والخيارات المحدودة المتاحة للإنسان المعاصر. ويضعنا المخرج العبقري أمام مرآة قاسية وشفافة تعكس مخاوفنا الدفينة من الفناء المطلق، وتجبرنا على مواجهة هشاشة الوجود الإنساني أمام حتمية الموت التي لا مفر منها.
تتخذ الرحلة الوجودية مسارا مختلفا ومفصليا عندما يلتقي البطل برجل مسن يدعى السيد باقري يعمل في متحف التاريخ الطبيعي، والذي يوافق على تنفيذ المهمة بدافع الحاجة المادية الملحة لعلاج طفله المريض. ويمثل هذا الرجل الحكيم نقطة تحول جوهرية في مسار الأحداث البطيئة، إذ يحاول بصدق ثني السيد بديعي عن قراره المأساوي. ولا يفعل ذلك باستخدام الحجج الدينية الجاهزة أو المواعظ الأخلاقية المعتادة التي سئم البطل سماعها، بل باستدعاء مباهج الحياة البسيطة والحسية. فيتحدث بشغف بالغ عن جمال شروق الشمس الذهبي، وبرودة مياه الينابيع الصافية، ولذة تذوق ثمرة الكرز الطازجة، محاولا إيقاظ حواس البطل المتبلدة وإعادته بلطف إلى حضن الحياة الدافئ. وينقل هذا الحوار الفلسفي العميق النقاش من أبراجه التجريدية العاجية إلى أرض الواقع الملموس، حيث تغدو التفاصيل الحسية الصغيرة مبررا كافيا للاستمرار في العيش ومقاومة نداء العدم.
يبلغ التوتر الدرامي ذروته القصوى في المشاهد الليلية الصامتة، حيث يتوجه البطل بخطى ثقيلة إلى الحفرة التي أعدها لنفسه وسط عاصفة رعدية قوية تضيء سماء طهران المظلمة بومضات خاطفة. وتتناقض هذه الأجواء المناخية الصاخبة والمخيفة مع الهدوء النسبي الذي سيطر على معظم فترات الفيلم السابقة، مما يخلق حالة من الترقب والقلق الشديد لدى المشاهد المتسمر أمام الشاشة. وهنا، يترك كيارستمي مصير البطل معلقا في الظلام الدامس، رافضا بصرامة تقديم نهاية مغلقة تريح المتلقي وتجيب عن تساؤلاته الملحة حول تنفيذ القرار أو التراجع عنه في اللحظة الأخيرة. وينسجم هذا الغموض السردي المتعمد مع الرؤية الفلسفية الشاملة للمخرج، الذي يرى أن الحياة والموت ليسا سوى وجهين لعملة واحدة لا تتجزأ. ويؤكد بأسلوبه الفريد أن اليقين الوحيد المتاح في هذا الوجود العابر هو الغموض المطلق الذي يكتنفه من كل جانب.

يشهد الفصل الأخير من العمل السينمائي تحولا جذريا وصادما يكسر الإيهام السينمائي المعتاد، وينقل المشاهد بلمح البصر من عالم الخيال الدرامي الكئيب إلى واقع صناعة السينما الفعلي والنابض بالحياة. إذ ينتقل المخرج فجأة وبدون مقدمات إلى لقطات مصورة بكاميرا فيديو رقمية تظهر فريق العمل أثناء التصوير في الموقع ذاته، وسط المساحات الخضراء اليانعة التي حلت محل التلال الجرداء الميتة. ويمثل هذا الانتقال البصري المفاجئ صدمة فلسفية وجمالية تدفع المتلقي لإعادة تقييم كل ما شاهده للتو، والتفكير بعمق في طبيعة الوسيط السينمائي ذاته. فالمخرج يذكرنا بذكاء بأن ما عشناه من ألم نفسي وتعاطف وجداني مع البطل ليس سوى وهم سينمائي متقن الصنع، وأن الحياة تستمر وتتجدد باستمرار خارج إطار الكاميرا الضيق. كما يحرر هذا الكسر المتعمد للجدار الرابع المشاهد من ثقل التجربة العاطفية القاسية، ليعيده إلى واقعه الخاص محملا بأسئلة جديدة ومفتوحة حول العلاقة الشائكة بين الفن والواقع.
تعكس هذه الخاتمة المبتكرة والجريئة عبقرية كيارستمي الفذة في استخدام المونتاج كأداة للتفكير الفلسفي الخالص، وليس فقط كوسيلة تقنية لربط المشاهد وتطوير السرد الدرامي التقليدي. فالمخرج يفكك بهذا الانتقال البصري غير المتوقع العلاقة المعقدة والهرمية بين صانع الفيلم والممثل والجمهور، طارحا تساؤلات مشروعة حول حدود الحقيقة والزيف في لغة السينما. ويؤكد فيلم طعم گيلاس Taste of Cherry ببنيته السردية الفريدة أن الفن السابع قادر تماما على تجاوز دوره الترفيهي الاستهلاكي، ليصبح وسيطا فعالا للتأمل الوجودي العميق في قضايا الإنسان المصيرية. ولا يقتصر تأثير هذا العمل الخالد على مدة عرضه المحدودة في قاعات السينما المظلمة، بل يمتد بظلاله ليترك أثرا باقيا ومحفورا في وعي المشاهد ووجدانه. وهو أثر يدفعه حتما للتأمل في تفاصيل حياته اليومية الروتينية، وتقدير اللحظات العابرة والصغيرة التي تشكل في مجموعها جوهر الوجود الإنساني ومعناه الحقيقي.
يظل هذا الإنجاز السينمائي البديع علامة فارقة ومضيئة في تاريخ الفن السابع، وشهادة بصرية حية على قدرة السينما على ملامسة أعمق الجروح الإنسانية ومداواتها بحكمة بالغة. فقد نجح المخرج عباس كيارستمي بامتياز في تحويل قصة بسيطة ومظلمة عن رجل يبحث عن الموت إلى أنشودة بصرية خفية تحتفي بالحياة، وتدعو المشاهد لاكتشاف جمالها المخبأ في أبسط الأشياء وأكثرها اعتيادية. ويعلمنا الفيلم بأسلوبه الشعري أن المعنى الحقيقي للوجود لا يكمن بالضرورة في الإجابات الكبرى أو الفلسفات المعقدة، بل في الأسئلة الصادقة التي نطرحها على أنفسنا، وفي قدرتنا على تذوق حلاوة الأشياء البسيطة وسط مرارة الواقع وقسوته. لتبقى رحلة السيد بديعي الشاقة محفورة إلى الأبد في الذاكرة السينمائية العالمية، كرمز بليغ للبحث الأبدي عن الخلاص في عالم يتأرجح باستمرار بين قسوة العدم وجمال الوجود المتمثل في طعم ثمرة بسيطة.

