مذاق السينما
مذاق السينما
مراجعات أفلام

تأملات وجودية في فيلم Mr. Nobody (2009)

بواسطة:
2 أبريل 2022

آخر تحديث: 9 مارس 2026

4 دقائق
حجم الخط:

الجذر اللاتيني لكلمة “تقرير” يعني “القطع”؛ فأن تقرر شيئاً يعني حرفياً قطع الخيارات الأخرى. عندما تختار تناول الطعام في سلسلة مطاعم مثل “تشيبوتلي” (Chipotle)، فأنت تستبعد تلقائياً “ماكدونالدز” (McDonald’s) أو “برجر كينج” (Burger King) أو “وينديز” (Wendy’s). نحن نتخذ آلاف القرارات يومياً؛ فكل كتاب تقرأه يعني عدم قراءة غيره، والعمل في مهنة ما يعني التخلي عن المهن الأخرى. الاحتمالية تلازمنا في كل لحظة، ونحن نختار باستمرار مساراً واحداً من بين احتمالات لا نهائية. هل تساءلت يوماً كيف كانت ستؤول حياتك لو اتخذت قرارات مغايرة؟

Mr. Nobody (2009)

يقف نيمو نوبودي (توماس بيرن، توبي ريجبو، وجاريد ليتو) في محطة قطار تُدعى “محطة الحظ”، حائراً بين الرحيل مع والدته (ناتاشا ليتل) أو البقاء مع والده (رايس إيفانز). هذا القرار هو جوهر فيلم Mr. Nobody، حيث يستعرض الفيلم مجموعة من السيناريوهات الاحتمالية التي تنبع من هذا الاختيار، وكلها تتشكل داخل خيال البطل.

تتفرع خطوط احتمالية متعددة من ذلك القرار الأصلي في محطة القطار. ورغم صعوبة تتبعها أحياناً، تبرز ثلاث نساء كجزء من هذه الخطوط الزمنية؛ آنا (لورا برومان، جونو تمبل، وديان كروجر) التي تمثل خيار الشغف. لاحظ كيف يوظف المخرج فان دورمال الألوان؛ فالأحمر يرافق آنا كرمز للشغف، بينما يمثل الأزرق إليز (ليا توماس، كلير ستون، وسارة بولي) التي تعاني من الاضطراب الثنائي القطب والاكتئاب، ويظهر الأصفر مع جان (أنياس فان بيل، أودري جاكوميني، ولينه-دان فام) في خط الزمن المرتبط بالثروة المادية.

يستعرض Mr. Nobody أفكار الفيلسوف الوجودي سورين كيركغارد حول الاحتمالية والضرورة والخيارات. يرى كيركغارد أن الشخصية هي تركيب من الاحتمالية والضرورة، تماماً كعملية التنفس (الاستنشاق والزفير). لا تكون الذات حقيقية إلا إذا احتوت على كلا الجانبين؛ فغياب أحدهما يوقع الذات في اليأس.

عندما يمتلك المرء مستقبلاً محتملاً، يبدو الأمر مشرقاً ومليئاً بالأمل. يقول نيمو: “إذا خلطت البطاطس المهروسة بالصلصة، فلا يمكنك فصلهما لاحقاً. إنها للأبد. الدخان المتصاعد من سيجارة والدي لا يعود أبداً. لا يمكننا العودة، ولهذا يصعب الاختيار. طالما أنك لم تختر، يظل كل شيء ممكناً”.

ومع ذلك، قد نفقد أنفسنا في الحلم. يكتب كيركغارد: “تزداد الاحتمالية بالنسبة للذات، لكن لا شيء يصبح فعلياً. في النهاية، يبتلع الهاوية الذات. تصبح الاحتمالية أكثر كثافة، لكنها ليست كثافة الواقع، بل كثافة الأوهام التي تتسارع حتى يصبح الفرد نفسه سراباً”.

Mr. Nobody (2009)

الضرورة هي الأساس الذي تستند إليه الاحتمالية؛ فبدونها نصبح مجرد سحب هائمة. في أحد الخطوط الزمنية، يعيش نيمو ثراءً مادياً مع جان، لكنه يغرق في اليأس لافتقاره إلى الاحتمالية؛ فحياته محكومة بصرامة تجعله يشعر بالملل والضياع، حتى إنه يكتب: “لقد صُبت حياتي في الأسمنت مع وسائد هوائية وأحزمة أمان. تحكمت في كل شيء، والآن أشعر بالملل. أصعب شيء هو معرفة ما إذا كنت لا أزال على قيد الحياة”.

في خط زمني آخر، تضحي آنا بكل احتمالاتها من أجل نيمو، قائلة: “سأدعي أنني على قيد الحياة. لقد تخليت عن كل الحياة الممكنة من أجل واحدة فقط معك”. هذا الإنكار الطوعي للاحتمالات يضعها أيضاً في حالة من اليأس.

يرتبط القلق جوهرياً بالاحتمالية والحاجة لاتخاذ خيارات. تشير أماندا مونتيل في كتابها الصادر عام 2021 بعنوان “Cultish” إلى أن القرن الحادي والعشرين يضع أمامنا قائمة قرارات بحجم قائمة مطعم “تشيز كيك فاكتوري” (Cheesecake Factory)، مما يسبب شللاً في اتخاذ القرار.

يقول كيركغارد: “الشخص الذي يضيع في الاحتمالية يحلق بشجاعة اليأس، أما من يجعل كل شيء ضرورة فيجهد نفسه في الحياة ويُسحق في اليأس”.

Mr. Nobody (2009)

يقدم آلان واتس علاجاً لهذا القلق عبر دعوة الإنسان ليرى نفسه كـ “سحابة في اللحم”؛ فالسحب لا ترتكب أخطاء أبداً. من خلال الثقة بالحدس، يمكننا التصالح مع ذواتنا. في نهاية الفيلم، يدرك نيمو أن كل مسار هو الطريق الصحيح، وأن كل شيء كان يمكن أن يكون شيئاً آخر وله نفس المعنى.

يقول نيمو للصحفي: “في الشطرنج، يُطلق عليه “تسوغزوانغ” (Zugzwang) عندما تكون الحركة الوحيدة الممكنة هي عدم التحرك”. هل يجب أن يقرر؟ أليس عدم اتخاذ القرار قراراً بحد ذاته؟ يختتم نيمو قائلاً: “أنا لست خائفاً من الموت، بل خائف من أنني لم أكن على قيد الحياة بما فيه الكفاية! الحياة هي ملعب، أو لا شيء”.