في العقد الماضي، عاد صُناع السينما الاسكندنافيون ليفرضوا حضورهم بقوة على الساحة العالمية، ويُعد المخرج النرويجي يواكيم تريير أحد أبرز ممثلي هذا الجيل. فيلمه السابق، The Worst Person in the World، وضعه في صدارة المشهد السينمائي، حيث نال ترشيحين لجائزتي أفضل فيلم دولي وأفضل سيناريو في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 94.
كان على فيلمه الأحدث، Sentimental Value، أن يرتقي لتوقعات كبيرة، وقد نجح في ذلك بامتياز. إنه عمل درامي كوميدي مؤثر وعميق متعدد الطبقات، حصد إشادات تفوق تلك التي نالها The Worst Person in the World. وفي حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 98، حظي الفيلم بالترشيحين ذاتهما، بالإضافة إلى 7 ترشيحات أخرى، شملت أفضل مخرج وأفضل فيلم.
إذًا، لماذا حظي الفيلم بكل هذا الثناء؟ إليك 10 أسباب لذلك.
1. إحساس مميز بالمكان

يُعد تأسيس موقع الأحداث ركيزة أساسية في صناعة السينما. وبينما يقدم العديد من المخرجين عملاً مقبولاً، يبرز يواكيم تريير بجهده الاستثنائي في جعل المكان محفوراً في الذاكرة، وتحديداً منزل عائلة نورا بورغ، بطلة الفيلم.
منذ اللحظة الأولى، يوضح الفيلم الدور الذي لعبه المنزل عبر الأجيال، ليصبح شاهداً على تاريخ العائلة. إن جعل نورا تكتب في طفولتها عما يعتقده المنزل تجاه ما مر به، يضفي عليه حيوية تجعله شخصية قائمة بذاتها.
تساهم السمات الفريدة للمنزل، كالصدع الضخم الذي يمتد عبر جدرانه، في تعزيز هذا الشعور بالانهيار تحت وطأة الذكريات. كما أن استخدام الموقد كوسيلة لسماع محادثات البالغين يوسع من أبعاد شخصية المنزل وشخصية نورا في آن واحد.
2. توظيف الوجوه

لا يكتفي تريير بالاهتمام بالمواقع، بل يوظف كاميرته لاستكشاف الوجوه البشرية، محاكياً في ذلك المخرج الأسطوري إنغمار بيرغمان الذي اعتبر الوجه البشري أهم موضوع في السينما.
يستخدم تريير اللقطات القريبة ليمنح المشاهد تواصلاً مباشراً مع مشاعر الشخصيات. ورغم أن الاعتماد على اللقطات المطولة للوجوه قد يبدو مخاطرة، إلا أنها تتيح فهماً أعمق للحياة الداخلية للشخصيات مقارنة بمعظم الأفلام الأخرى.
3. الأداء التمثيلي

يضم الفيلم أربعة أداءات مركزية: ريناتا رينسفي في دور نورا، وإنغا إيبسدوتر ليلياس في دور أغنيس، وستيلان سكارسغارد في دور والدهما، وإيل فانينغ في دور راشيل كيمب. لقد أتقن الجميع أدوارهم ببراعة.
تجسد رينسفي معاناة نورا النفسية، بينما تظهر ليلياس توازناً هشاً في دور الشقيقة الصغرى. ويجلب سكارسغارد خبرته ليصور غوستاف كأب يهرب من مسؤولياته، مع تلميحات لشياطينه الداخلية. أما إيل فانينغ، فتقدم أداءً صادقاً لشخصية ممثلة عميقة التفكير، بعيداً عن الصورة النمطية للمشاهير.
4. حس عظيم بتوقيت المونتاج

يعد المونتاج عملية حيوية، وقد نجح تريير والمحرر أوليفييه بوج كوتي في إيجاد التوازن المثالي في إيقاع المشاهد. لقد أدرك الثنائي متى يجب الإسراع ومتى يجب التمهل للسماح للمشاهد العاطفية بالتنفس.
تتجلى براعة المونتاج في الذروة العاطفية للفيلم، حيث يُترك المشهد بين نورا وشقيقتها ليأخذ وقته، مما يمنح الحوار أثراً عميقاً كان سيضيع لو تم اختصاره.
5. استكشاف الصدمات المتوارثة عبر الأجيال

يتجاوز الفيلم الجوانب التقنية ليغوص في أعماق الصدمات النفسية. نورا وأغنيس متأثرتان بإهمال والدهما، بينما يحمل غوستاف ندوباً عميقة تعود لانتحار والدته كارين، مما يربط صراعات الشخصيات بتاريخ عائلي مؤلم.
6. إظهار كيف تترك الأحداث التاريخية الكبرى تأثيرات شخصية

يربط الفيلم بين انتحار كارين وتجربتها في المقاومة ضد النازيين. ينجح تريير في تصوير كيف تمتد فظائع الحرب لتؤثر على أجيال لاحقة، محولاً الحدث التاريخي الكبير إلى مأساة شخصية ملموسة.
7. عدم تركك مع إجابات سهلة

لا يقدم الفيلم حلولاً سحرية أو تسامحاً مبتذلاً. يظل غوستاف شخصية معقدة لا تُدان ولا تُبرأ، ويُقدم التعافي كاحتمال وليس كحتمية، مما يترك المشاهد أمام واقعية درامية ترفض الانحياز لأي طرف.
8. إيجاد الفكاهة في أصعب الأماكن

يبرع تريير في دمج الفكاهة ضمن سياق درامي كئيب. النكات هنا ليست مجرد ترفيه، بل هي انعكاس لعجز غوستاف عن التواصل خارج إطار السينما، مما يضفي على الفيلم حيوية إضافية.
9. الاهتمام الصادق بفن السينما

يحتفي الفيلم بالسينما كوسيلة للشفاء والتواصل. ورغم أن السينما كانت عكازاً لغوستاف، إلا أنها تصبح في النهاية الجسر الذي يبدأ من خلاله أفراد العائلة في استعادة ما فُقد، مؤكدة قدرة الفن على ترميم العلاقات المحطمة.
10. بكلمات المخرج نفسه

يؤكد تريير أن التحدي كان في إظهار الصدق في قصة تدور حول انعدام التواصل. ويشير إلى أن صناعة الأفلام كانت وسيلة للتعبير عن الحزن المتوارث الذي يصعب الحديث عنه في الأوساط الاجتماعية، مما جعل الفيلم تجربة شخصية عميقة له ولجمهوره.





