نظرة المرأة إلى ذاتها: عشرة أفلام تعيد تعريف الرغبة في سينما الفن المثيرة
لطالما كانت الكاميرا في تاريخ السينما عيناً ذكورية تلتقط الجسد الأنثوي وتعرضه للفرجة. غير أن السينما الفنية في السنوات الأخيرة بدأت تنقل هذه العين إلى داخل الشخصية، فتصبح المرأة من يرى ويرغب ويقرر، لا من يُرى ويُشتهى فقط. تتتبع هذه القائمة عشرة أفلام تبنّت هذا التحول بوعي، من حكايات حب في إنكلترا القرن التاسع عشر إلى قرى جبلية معزولة في أيام الحرب الأخيرة. تختلف الأفلام في أنواعها وأساليبها، فبعضها يتكئ على الصمت والنظرة الطويلة، وبعضها يذهب نحو الرعب والجسد المتحول. وتجمعها مسألة واحدة: من يملك حق النظر، ومن يحدد موضع الرغبة داخل الكادر. ولا يحمل ترتيب القائمة حكماً تفاضلياً، بل يتيح للقارئ أن يقرأ الأفلام متجاورة، ويقارن بين أسئلتها ومآلاتها.
1. Ammonite (2020)

في إنكلترا أربعينيات القرن التاسع عشر، تشتغل ماري آننغ بالحفريات على شاطئ قاسٍ، وتعيش بين صخور لا تحتفي بها المدينة. حين تصل إليها شارلوت، الشابة التي أرسلها زوجها للنقاهة قرب البحر، يبدأ لقاء بين عالمين متباعدين في الطبقة والطباع. الفيلم لا يستعجل الإعلان عن الحب، بل يمنح الشخصيتين وقتاً طويلاً لتكتشفا أن كلتيهما كانت تبحث عن الشيء نفسه: أن تدركا أنهما لستا وحيدتين.
تعتمد لغة الفيلم على الصمت والنظرة الطويلة أكثر من الحوار. تقترب الكاميرا من الوجوه، فتلتقط ما يتردد بين الكلمات، وكأن الحميمية تتسرب من الفراغ بين امرأتين لا تملكان الجرأة على التصريح. هذا الاختيار يجعل الرغبة فعلاً بصرياً قبل أن تكون عاطفة معلنة، ويحوّل المرأة من موضوع يُتأمل إلى ذات تنظر وتقرر ما تريد أن تراه.
إعلان
تنهض العلاقة على عزلة مشتركة وعلى مقاومة صريحة للأعراف التي تحدد ما يحق للمرأة قوله أو الإقرار به. ورغم بطء الإيقاع، يبقى الفيلم مشحوناً بتوتر داخلي يدفع المشاهد إلى تتبع أدق التحولات في نظرة كل منهما. إنه عمل يعرف متى يصمت، ومتى يترك النظرة تقول ما عجز الحوار عن قوله.
لماذا تشاهده: لأنه يقدم حباً بين امرأتين في زمن لم يعترف به، ويفعل ذلك بلغة بصرية مقتصدة تستحق التأمل البطيء.
2. Titane (2021)

امرأة تحمل صفيحة معدنية في رأسها منذ حادث سيارة في طفولتها، تخوض رحلة غريبة تقودها إلى لقاء رجل إطفاء عاد إلى ابنه المفقود بعد عشر سنوات. تبدأ الحكاية بوصفها حكاية غرابة وجسد، لكنها سرعان ما تكشف عن بنية أعمق تجعل الجسد مساحة لتغيير الهوية.
إعلان
يطرح الفيلم الجسد والرغبة بوصفهما فضاءين للتحول والقوة، لا للعرض والاستهلاك. فالجسد الأنثوي الذي اعتادت السينما أن تحدق فيه ليُشتهى، يتحول هنا إلى مصدر للفعل وإلى سلطة تُمارس بجرأة قد تربك المتفرج. تلاحق الكاميرا هذا الجسد دون أن تُجمّله، فتقلب توقعات الفرجة التقليدية رأساً على عقب.
يتجاوز الفيلم حدود النوع، إذ ينتقل بين الرعب والدراما والإثارة دون أن يستقر في أحدها. وهذه الهجنة ليست زينة شكلية، بل وسيلة لإظهار أن الهوية الأنثوية قابلة لإعادة الصياغة، وأن الخروج من القالب قد يكون عنيفاً وصادماً في آن. لذلك يصعب على المتفرج أن يقف موقف المحايد أمام هذه التجربة.
لماذا تشاهده: لأنه يطرح سؤال الجسد والرغبة بجرأة نادرة، ويضع المتفرج في موضع حرج يعيد فيه النظر في الصور التي اعتاد عليها.
إعلان
3. L’Événement (2021)

فرنسا عام 1963. آن طالبة لامعة تملك مستقبلاً واعداً، لكن الحمل يهدد هذا المستقبل، ويهدد معه فرصتها في الإفلات من قيود أصلها الاجتماعي. تدرك أن إتمام دراستها وحده قد يمنحها مخرجاً، غير أن الامتحانات تقترب، والبطن يكبر، والعار يحاصرها من كل جانب.
يتابع الفيلم تجربة آن بكاميرا ملتصقة بجسدها وبقرارها، فلا يترك لها ملاذاً من التفكير فيما تريد وما يُفرض عليها. تصبح الرغبة والحرية الجسدية محور السرد، ويغدو الجسد مكان الصراع الأول، لا خلفية لقصة أخلاقية عن الذنب. هذا الأسلوب يمنح المشاهد إحساساً مؤلماً بالقرب، فكل خطوة تخطوها آن تبدو وكأنها تُقاس على إيقاع جسدها.
تكتسب الحكاية وقعها من الإصرار الهادئ لبطلتها أكثر من اعتمادها على الانفعال الصاخب. في مواجهة الخوف والعقاب المحتمل، تبقى آن صاحبة قرارها، وهذا ما يحوّل الفيلم من دراما عن الضحية إلى تأمل في إرادة امرأة تسعى إلى حياتها بنفسها.
لماذا تشاهده: لأنه يقدم رواية شديدة الحميمية عن الاختيار الجسدي في زمن كانت فيه الكلمات نفسها محرمة، ويفعل ذلك بمهارة سينمائية لافتة.
4. Blue Jean (2023)

في بريطانيا الثمانينيات، تعيش جان حياة مزدوجة. فهي معلمة تربية بدنية تحافظ على عملها وصورتها أمام زملائها وطلابها، بينما تخفي هويتها الجنسية بعناية. حين يلتحق تلميذ جديد بالمدرسة ويهدد بكشف سرها، تجد نفسها مضطرة إلى الذهاب إلى أقصى ما تستطيع لحماية وظيفتها ونزاهتها.
يضع الفيلم الخوف والرغبة في مواجهة مباشرة داخل تفاصيل يومية تبدو عادية، من الملاعب إلى الممرات المدرسية. ولأن الحكاية تدور في فضاء مألوف، يتحول كل حوار عابر إلى اختبار للأعصاب، وكل نظرة إلى تهديد محتمل. وتلاحق الكاميرا البطلة عن قرب، فيشارك المتفرج في رصد الخوف وهو يتسرب إلى ملامحها.
يناقش الفيلم هوية معلمة مثلية في زمن كانت فيه الحياة العلنية محفوفة بالمخاطر، وينجح في أن يجعل هذه الهوية قضية حياة لا فكرة مجردة. فالسؤال هنا لا يتعلق بالتصريح بالحب فحسب، بل بالكلفة التي يدفعها الإنسان حين يختار أن يعيش صادقاً.
لماذا تشاهده: لأنه يقدم صورة إنسانية عن الخوف والاختيار داخل مكان يبدو آمناً، ويتجنب الخطابة لصالح صدق الحكاية.
5. Saint Omer (2022)

روائية تحضر محاكمة امرأة متهمة بقتل ابنتها البالغة خمسة عشر شهراً، بعدما تركتها للمد العالي على شاطئ في شمال فرنسا. مع تقدم الجلسات، تواجه الروائية تاريخها العائلي وشكوكها الخاصة وخوفها من الأمومة، فيما تنكشف حكاية المتهمة تدريجياً.
يستخدم الفيلم نظرة المرأة أداةً للتأمل في الذنب والذاكرة والرغبة، لا موضوعاً للفرجة. تتابع الكاميرا الشخصيات بعين حادة وهادئة، وتترك للوجوه والصمت أن يثقلا المشهد. والمشاهد مكثفة وباردة، فيشعر المتفرج كأنه داخل قاعة المحكمة، يصغي ويحكم دون أن يُطلب منه ذلك صراحة.
لا يقدم الفيلم إجابات جاهزة عن الأمومة والمسؤولية، بل يضع المتفرج أمام تناقضاتها. تتقاطع الحكاية بين ماضي المتهمة وحاضر الروائية في بنية تأملية تتطلب انتباهاً طويلاً، وهي بنية تجعل الفيلم عملاً يطلب الصبر ويكافئه في الوقت نفسه.
لماذا تشاهده: لأنه يقدم تأملاً بارداً وكثيفاً في الذنب والأمومة، ويثبت أن الصمت قد يكون أقوى أدوات الكاميرا.
6. Revoir Paris (2022)

بعد ثلاثة أشهر من نجاتها من هجوم إرهابي في مقهى باريسي، تعيش ميا صدمة لا تستطيع تفسيرها، وتعجز عن استعادة تفاصيل تلك الليلة. ولكي تتجاوز ما حدث، تعود إلى ذكرياتها وتتتبع خطواتها الأولى، باحثة عن نقطة تبدأ منها استعادة نفسها.
يتناول الفيلم الجسد الأنثوي بعد الصدمة، فيراه مكاناً للألم أولاً، ثم ساحة لاستعادة الثقة. الكاميرا لا تستعجل الشفاء، بل ترافق البطلة في محاولاتها البطيئة للعودة إلى ذاتها، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى علامات على تغير لا يظهر إلا مع الوقت.
يبقى الفيلم قريباً من الهشاشة، ولا يحوّل استعادة الرغبة إلى انتصار صاخب. فيشعر المتفرج بثقل الصدمة وهدوء المحاولة في آن واحد، وهذه المعادلة الدقيقة هي ما يمنح الفيلم صدقه.
لماذا تشاهده: لأنه يتعامل مع الصدمة بعين إنسانية، ويعيد للجسد الأنثوي حقه في أن يكون موضع استعادة لا موضع ألم فحسب.

رغبة مُهمَّشة: تسع تحفٍ مغمورة من عقد 2010 تُعيد تعريف الإغراء في السينما
تستعرض هذه القائمة عشرة أفلام من عقد 2010، بقيت في معظمها بعيدة عن الضوء التجاري، لكنها تستحق مشاهدة متأنية. الإغراء في هذه...

السينما الإسبانية في الألفية: تجسيد الرغبة كجرح عاطفي
شهدت السينما الإسبانية مع مطلع الألفية الجديدة تحولاً جذرياً في مقاربتها لمفاهيم الجسد والرغبة، إذ لم تعد العلاقات الإنسانية مجرد أداة لبناء...
7. Bones and All (2022)

هجرها والدها، فتخوض الشابة رحلة تمتد آلاف الأميال عبر الطرق الخلفية لأمريكا، وتلتقي متشرداً مهمشاً. ومهما بذل الاثنان من جهد، تعود الطرق كلها إلى ماضيهما المرعب، وتقودهما إلى مواجهة أخيرة تحدد إن كان حبهما قادراً على النجاة من اختلافهما.
ينسج الفيلم حكاية حب وتوق في فضاء قاتم، حيث تبدو الطرق الممتدة والبلدات الصغيرة شاهدة على الهامش والوحدة. وتجعل الكاميرا من الرحلة مساحة لاكتشاف الذات، لا مجرد خلفية للمطاردة أو للعلاقة. وتتعقب الحكاية رغبة فتاة تبحث عن هوية، لا عن علاقة عابرة تملأ فراغاً.
يعتمد الفيلم على ثنائية الجذب والخطر، فيبدو الحب بديلاً عن الانتماء الذي حُرمت منه الشخصيتان. لكن الحكاية لا تكتفي بالرومانسية، بل تدفع الاختلاف إلى حافة الرعب، فتتحول المشاعر النقية إلى سؤال عن حدود القبول وإمكانات النجاة.
لماذا تشاهده: لأنه يمزج الحب بالرعب بجرأة نادرة، ويقدم رغبة أنثوية تبحث عن ذاتها قبل أن تبحث عن شريك.
8. The Substance (2024)

نجمة تتراجع شهرتها تلجأ إلى مادة مهربة من السوق السوداء، تعمل على تكاثر الخلايا وتخلق نسخة أصغر وأجمل من ذاتها، لفترة مؤقتة. تبدو الفكرة في ظاهرها خيالاً علمياً بسيطاً، لكنها تفتح باباً على قلق عميق من النظرة الاجتماعية إلى الجسد الأنثوي، ومن قيمة المرأة المقرونة بالشباب.
يجعل الفيلم الرغبة في القبول مرآة للخوف من الزمن، فكل تحول في الجسد يبدو محاولة للهرب من حكم لا يرحم. ويعرض العمل هذا الحكم بمبالغة مقصودة، فتتحول التفاصيل الجسدية إلى مشهد يكشف الهوس بالمظهر. وهنا يلتقي الرعب بالنقد الاجتماعي، فيصبح الجسد ساحة صراع بين الذات وصورتها.
يعتمد الفيلم على تطرف في الشكل والإيقاع، وهو تطرف يخدم فكرته ولا يقف عند الإثارة وحدها. فالمتفرج يتابع البطلة في سباق محموم نحو صورة مثالية لا تبدو قابلة للاستمرار، وهذا السباق نفسه هو ما يجعل الفيلم عملاً قاسياً ومقنعاً.
لماذا تشاهده: لأنه يحوّل قلق الجسد والزمن إلى تجربة سينمائية صادمة، ويطرح سؤالاً ما زال حاضراً في حياة النساء اليومية.
9. Babygirl (2024)

رئيسة تنفيذية ذات نفوذ واسع تضع مهنتها وأسرتها على المحك حين تبدأ علاقة محمومة مع متدربة تصغرها بسنوات كثيرة. تبدو البطلة في الظاهر واثقة ومسيطرة، لكن هذه العلاقة تكشف هشاشة خفية تحت الصورة المحكمة التي بنتها لنفسها.
يدرس الفيلم رغبة امرأة في السلطة والانكشاف في الوقت نفسه، وهي معادلة تجعل الرغبة مساحة للتفاوض لا للاستسلام. وتكشف الحكاية كيف يعيد الفيلم صياغة النظرة بوصفها أداة سيطرة متبادلة، إذ تنتقل المبادرة من طرف إلى آخر بتوتر متصاعد. هكذا يصبح سؤال من ينظر ومن يُنظر إليه مفتوحاً حتى النهاية.
يتجنب الفيلم الحكم الأخلاقي المباشر، ويترك للمتفرج مساحة واسعة ليختار موقفه من البطلة. وهذه المسافة النقدية هي ما يمنح الإثارة عمقها، فالرغبة هنا لا تُعرض بوصفها خطيئة أو بطولة، بل واقعاً معقداً يحتاج إلى من يفهمه.
لماذا تشاهده: لأنه يتعامل مع رغبة المرأة في السلطة دون تبسيط، ويجعل المشاهد يتساءل عمّن يملك النظرة حقاً.
10. Vermiglio (2024)

في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، يصل جندي فار من الخدمة إلى جماعة جبلية منعزلة، فيخلخل إيقاعها الهادئ. بالنسبة إلى إحدى العائلات، يجلب وصوله الحماسة والعاطفة، لكن الفاجعة تنتظر في الخلفية.
يرصد الفيلم تفتح الرغبة لدى امرأة شابة في قرية جبلية معزولة، وهو تفتح يبدأ خجولاً وبطيئاً ثم يكتسب ثقة متدرجة. وتجعل الطبيعة والصمت شريكين في السرد، فالجبال والبيوت وتبدل الفصول تتكلم عن الداخل أكثر مما تقوله الشخصيات. ويعتمد الإيقاع على الانتظار، فيشعر المتفرج بأن كل لحظة صغيرة تحمل ثقل ما سيأتي.
لا يقدم الفيلم الحرب بوصفها حدثاً ضخماً يقتحم المكان، بل صدى بعيداً يتسلل إلى حياة الأفراد. وهذا الاختيار يمنح الحب والرغبة وزنهما الخاص، فيغدو كل تعبير عن الحياة في القرية محاولة لانتزاع شيء من بين الخسارات. الجمال هنا لا ينفصل عن الفقد، والرغبة تولد أحياناً في الظل.
لماذا تشاهده: لأنه يقدم رغبة أنثوية ناشئة بصبر وهدوء، ويضع الطبيعة في موضع الشريك لا الخلفية، فيكافئ المتفرج الذي يمنح الصمت وقته.




