كان جين هاكمان لغزاً بعض الشيء بوصفه بطلاً أولاً. امتلك حضور الممثل الثانوي الطاغي، وفي الوقت نفسه القدرة على حمل فيلم يحمل اسمه في الصدارة، دون أن ينجرف إلى البريق والزخرف اللذين يرافقان نجومية هوليوود. ورغم قامته المهيبة وملامحه الفريدة، تفادى القولبة في دور بعينه، فتنقّل بسلاسة بين أبطال الأكشن وكوميديا الرومانسية والدراما الرصينة وأشرار يبعثون على القشعريرة. قدّم كل ذلك، وترك إرثاً فنياً استثنائياً من مسيرة لم تكد تتعثر بعد أن وجدت قدميها.
نشأ هاكمان في أسرة من الطبقة العاملة، تولّت تربيته أمه العزباء في معظم الأحيان، ثم التحق بمشاة البحرية الأمريكية قبل أن يستبد به شغف التمثيل. وبعزيمة صلبة، ومع بدء صناعة السينما الأمريكية في إعادة النظر فيما يعنيه أن يكون الممثل بطلاً أولاً، شق طريقه تدريجياً عبر سنوات من الظهور التلفزيوني والأدوار الصغيرة في الأفلام. جاء انطلاقه الحقيقي مع Bonnie and Clyde (1967)، الفيلم الذي هزّ هوليوود، ومنحه أولى ترشيحاته للأوسكار عن أداء لافت في دور ثانوي.
ومع ذلك، بدت هوليوود متردّدة في الاستفادة منه في البداية. كانت الشخصيات الثانوية الملونة والأشرار خبزه اليومي، إلى أن نال دور البطولة في “The French Connection” (1971)، ذلك الفيلم البوليسي القذر الذي يُعد النموذج الأمثل لإثارة الشرطة، وأعلن ولادته بطلاً أولاً حقيقياً. جسّد دور بوباي دويل الفظّ المهووس بالعمل، فنال عنه جائزة الأوسكار لأفضل ممثل، وأثبت أنه قادر ليس فقط على تجسيد البطل المضاد المقنع، بل على منح شخصية منفّرة في الأصل عمقاً وتعقيداً لافتين.
إعلان
ومن هنا أصبح هاكمان أحد أكثر الممثلين طلباً في الـ1970s. انتقل من بذخ الإنتاج الضخم في “The Poseidon Adventure” (1972) إلى الهواجس المؤرقة في “The Conversation” (1974)، ثم إلى الأداء المبالغ فيه بمرح في “Superman” (1978) الذي سرق المشاهد. تراجع حماسه للتمثيل قليلاً خلال الثمانينيات، غير أن منتصف العقد أعاد إحياء مسيرته بأفلام لافتة مثل “Hoosiers” (1986) و”No Way Out” (1987) و”Mississippi Burning” (1988). ويمكن القول إنه بلغ ذروة قدرته في التسعينيات، حين قدّم أدواراً قوية في “Unforgiven” (1992) و”Crimson Tide” (1995) و”Enemy of the State” (1998)، وتخللتها أدوار ملونة في “Get Shorty” (1995) و”The Birdcage” (1996). عمل لفترة قصيرة في الألفينيات، فقدّم واحداً من أفضل أدائه في “The Royal Tenenbaums” (2001). ثم اعتزل عام 2004، وأمضى معظم تقاعده في كتابة الروايات وعيش حياة أكثر هدوءاً، حتى رحيله في 2025.
نحن جميعاً بشر، ولم يكن هاكمان يتردد في قبول أجر مجزٍ حين تكون المادة دون مستوى موهبته. ومع ذلك، حتى حين تقصر النصوص عن طموحه، قلّ من الممثلين من امتلك قدرته على إحياء المشهد وتحويل حوار باهت إلى شيء جذاب، وعلى جعل شخصياته تبدو كائنات حية تتنفس. اشتهر باصطدامه بالمخرجين أحياناً، لكن ذلك لم يكن دائماً نابعاً من مطالب متعالية، بل كثيراً ما كان دفاعاً عن فيلم أفضل. كانت هذه الموهبة سنداً له طوال مسيرة تميزت بالاتساق اللافت. ومع ذلك، وإلى جانب إنجازاته الضخمة وأمجاده الجوائزية، تبرز أفلام من أنواع سينمائية مختلفة تستحق مزيداً من الاهتمام، وهي متناثرة عبر أربعة عقود أمام الكاميرا.
ومن الأعمال التي لم تدخل القائمة، لكنها جديرة بالذكر: “Company Business” (1991)، وهو تشويق من أجواء الحرب الباردة، يحمل نصفه الأول قوة لافتة ثم يفقد زخمه في منتصفه. و”Target” (1985)، الذي يضم ثنائياً مميزاً من هاكمان ومات ديلون، لكنه ينتهي إلى شيء منسي إلى حد كبير. و”Marooned” (1969)، تشويق عن مركبة فضائية عالقة، يتميز بأداء بارز لهاكمان، لكن أسلوب صناعته بدا قديماً إلى حد كبير.
إعلان
1. The Split (1968)

قبيل أن يكتسب مسيرته زخماً مع “Bonnie and Clyde” (1967)، شارك هاكمان في فيلمين متتاليين إلى جانب لاعب كرة القدم الأمريكية السابق جيم براون. الأول “Riot” (1969)، تشويق سجون فاتر يهدر الكثير من إمكاناته حتى فصله الثالث الفوضوي. أما التعاون الآخر، فهو فيلم يشدّ المتفرج منذ لقطته الأولى: جريمة قاسية مليئة بالتوتر، وطاقم تمثيلي متوهج. يظهر هاكمان في الدقائق الأخيرة فقط، لكن الفيلم شديد الإمتاع إلى حد يجعله يستحق مكانه في هذه القائمة على كل حال.
يجمع زعيم عصابات محترف، يؤدي دوره براون، طاقماً لسرقة جريئة من ملعب كرة قدم مكتظ بالجمهور. ينجحون في تنفيذها رغم الصعاب، لكن حين يعترض القدر خطتهم، يبدأ أفراد الطاقم بالانقلاب على بعضهم البعض، فتتوالى الخيانات نحو خاتمة عنيفة ودامية.
مستوحى من رواية “السابع” البوليسية لدونالد إ. ويستليك، التي تدور حول المجرم العدمي باركر (انظر أيضاً “نقطة الصفر” و”العصابة”)، يقدم براون نسخته الخاصة من الشخصية، واسمها هنا ماكلين. إنه ثور هائج في متجر خزف، يندفع إلى الأمام، ويلجأ إلى العنف بسرعة، ويتحرك بخفة لافتة وسط من حوله الذين يهددون بخيانته. أما شريكه الوحيد، وهو شرطي فاسد متوتر ومتصادم، فيتناغم معه تناغماً جميلاً، إذ يتقابل هدوء براون الباردة المتحكمة مع انفعال هاكمان. وبينما يستعد الثنائي للمواجهة النارية الأخيرة، تتمنى لو أُتيح لهما وقت أطول للعب معاً.
إعلان
يضم طاقم السطو مجموعة من الممثلين الثانويين المخضرمين الذين يسرقون المشاهد، من بينهم دونالد سذرلاند وإرنست بورغنين ووارن أوتس وجاك كلوغمان. والطاقم بارع على الشاشة بقدر ما يبدو على الورق، إذ يضيف كل ممثل لمسته الخاصة في صناعة المشهد، ويلعب بمهارة على القاع الإجرامي القذر الذي يتحرك فيه الفيلم.
يخوض المخرج البريطاني غوردون فليمنغ هنا تجربته الهوليوودية الأولى، ويقتحم الفرصة بحماس. تتكشف مشاهد مثل سطو الملعب الشديد التوتر عبر لقطة قريبة تلو الأخرى، مرفقة بحركات كاميرا واسعة مثيرة للإعجاب، بينما يفضي انهيار الطاقم إلى الشك المتبادل والخيانة، ثم إلى عنف عنيف لا يمكن التنبؤ به. ولا عجب أن الفيلم يحمل شرف كونه أول فيلم يُطرح بتصنيف R.
كثيراً ما يُغفل الفيلم بين اقتباسات باركر، ويترك المرء يتساءل عمّا كان هاكمان سيصنعه بالشخصية نفسها، وهو دور كان يناسبه كما تناسب القفازاتُ اليدَ، لكنه لم يحظ به سوى بهذا القرب. ومع ذلك، يصنع براون لنفسه بصمته، ويقف بسهولة إلى جانب المعالجات الأيقونية التي قدمها روبرت دوفال ولي مارفن وميل غيبسون لشخصية باركر.
2. The Hunting Party (1971)

حين دخل هاكمان السبعينيات، كان ما يزال يشق طريقه في الصناعة، وكان يسارع إلى قبول الأدوار الشريرة لتأمين معيشته. كان هذا الفيلم من أولى تجاربه في الويسترن، وقدّم فيه ربما واحداً من أكثر أدواره وحشية في تجسيد الشرير.
تؤدي كانديس بيرغن دور معلمة مدرسة طيبة متزوجة من مالك ماشية وحشي يميل إلى السادية، يجسده هاكمان. تقع بطلتنا فجأة في قبضة عصابة من الخارجين عن القانون يقودها أوليفر ريد، الرجل الغامض الشهواني. يخرج هاكمان في مهمة إنقاذ، لكن حين يبدأ ريد وأسيرته بالتقارب، يتحول الموقف إلى حكاية تعذيب ثأرية.
منذ اللحظات الأولى، حين يُعرض سلخ الماشية مقطوعاً بمشهد عنف يمارسه هاكمان ضد شخصية بيرغن، يتضح أن المشاهدة لن تكون خفيفة. يقدم المخرج دون ميدفورد غرباً قذراً لا يرحم، يذكّر بأعمال سام بيكنباه. إنه عالم قاسٍ يسكنه مجرمون بلا عمود فقري ومسؤولون فاسدون، يُداس فيه الناس الطيبون بانتظام، ويسقط عدد منهم بين دفقات من الطلاء الأحمر التي تحاكي الرصاص.
تبدو بيرغن مؤثرة للغاية في دور معلمة تُلقى في موقف مروّع، فتنجح بطريقة ما في الحفاظ على كرامتها وخوض معركة البقاء. وفي دور كان يمكن أن يبدو استغلالياً في أيدٍ أقل خبرة، تمنح شخصيتها قوة ومرونة تجعل المتفرج يتعاطف معها بسهولة. أما ريد فيبدو بعينين حادتين وصمت مشحون بالكاريزما، يجسد قاطع طريق قاسياً يخفي جانباً حساساً مفاجئاً، تنجح بيرغن في استخراجه منه بإقناع. وعلاقتهما المتطورة خشنة ومتقلبة، لكنها تبدو في النهاية ودودة بشكل مدهش رغم بداياتها القذرة.
أما هاكمان فيسرق المشاهد بوصفه شخصية شر لا تكاد تهدأ: رجل ثري وذو سلطة، يتلذذ بمعاناة الآخرين، ويبعث على الرعب بقسوته الباردة. يحمل بندقيته الطويلة المعتادة، التي تثقب أهدافها بثقوب دامية بلا هوادة، ويتلذذ بكونه أكثر شخصيات الفيلم نفوراً، في فيلم يعج أصلاً بشخصيات بغيضة.
يتجه الفيلم نحو نهاية قاتمة وحزينة بعمق، والطريق إليها رحلة مؤلمة. فيلم قذر وغير مساوم وعنيف بصدمة، لكنه يحمل ثلاثياً مذهلاً من الأداءات المركزية التي ترفع مادته الكئيبة القاسية. إنه فيلم يصعب هضمه أحياناً، لكنه بالتأكيد لن يُنسى بسرعة.
3. Prime Cut (1972)

أُنجز هذا الفيلم في العام التالي مباشرة لـ “The French Connection”، الذي دفع هاكمان إلى صفوف النجوم البارزين في تلك الحقبة. وكان بمثابة إغلاق لمرحلة أدواره الثانوية والشريرة، رغم أن له دوراً آخر قد صُوّر بالفعل. ومن بين تشويقات الجريمة القاسية التي ظهرت في أوائل السبعينيات، قليلة هي التي تبدو بجموح هذا الفيلم وتفرده. إنه عمل يتمحور حول لي مارفن في صورته المعتادة، أي المنفذ البارد المرتدي البدلة، ويضعه في مواجهة عصابة من أشرار الريف الشرسين، في سيناريو يقترب شيئاً فشيئاً من أجواء رعب البقاء.
يذهب مُنفّذ مافيا شيكاغوي، يرافقه طاقم، إلى كانساس لتحصيل دين من رئيس مصنع لتعليب اللحوم الماكر، بعد أن أُعيد مرسلو المحصّلين السابقين إلى المدينة في أجزاء متفرقة. وفي عالم غريب جديد تزداد الأمور غرابة، إذ يتكشف أن المنظومة كلها تتخصص في بيع البشر كالماشية، ما يقود إلى نهاية دامية ومذهلة.
يجسد مارفن شخصيته النموذجية، الرجل العنيد الذي يحل مشكلاته بالمسدس ويطرح الأسئلة لاحقاً، لكن من الممتع رؤيته يغرق في مواقف تتجاوز قدرته، حين ينزلق الفيلم نحو أراضي الرعب. ويمكن وصفه بأنه “نقطة الصفر يلتقي مذبحة المنشار الكهربائي في تكساس”. أما هاكمان فيوفي بنصيبه من الاتفاق، إذ يجسد زعيماً عصبياً خبيثاً كان في الماضي من رجال العصابات في المدينة، وأقام لنفسه مملكة صغيرة يحكمها. إنه خصم مرعب، يقف بثبات أمام مارفن الذي يُعد عادةً شبه معصوم، ويوازي حضوره الطاغي بجانب قاسٍ من شخصيته.
المخرج مايكل ريتشي، المعروف بدرامياته وكوميدياته السابقة (متسابق المنحدرات والمرشح)، ينعطف بحدة نحو أراضي النوع الشعبي، ويثبت براعة لافتة فيه. من التسلسل الافتتاحي الذي يتابع طاقماً من عصابة المافيا وهو ينتقل من المدينة الكالحة إلى الريف الغريب المتزايد الغرابة، إلى مطاردة مثيرة تشمل آلة حصاد ضخمة، وصولاً إلى تبادل إطلاق نار أخير مذهل في حقل من عبّاد الشمس، يقدم المخرج تجربة بصرية لافتة. يوفر كل ما يتوقعه الجمهور من أكشن صلب، وفي الوقت ذاته يقلب التوقعات باستمرار بأسلوب غريب وشبه سريالي.
إنه فيلم صاخب وغالباً شديد الغرابة، يبدو مستمتعاً بخلخلة أعراف تشويقات الجريمة القاتمة في عصره، ويشكّل وداعاً جميلاً للمرحلة المبكرة من مسيرة هاكمان.
4. Night Moves (1975)

بحلول منتصف السبعينيات، كان هاكمان قد ترسخ بوصفه قوة تمثيلية حقيقية. امتلك قدرة لافتة على أخذ شخصية منفّرة في الأصل ومنحها من الإنسانية ما يكفي لجذب الجمهور، مع إبقاء الشخصيات الأخرى على مسافة. وهنا، في تعاون جديد مع مخرج “Bonnie and Clyde” (1967) آرثر بن، يبدع في هذا النوع من الأدوار مرة أخرى، رغم أن الفيلم نادراً ما يُذكر بالإشادة.
يؤدي هاكمان دور لاعب كرة قدم أمريكية سابق تحول إلى محقق خاص، تستأجره ممثلة متراجعة الشهرة للبحث عن ابنتها المفقودة (تؤدي دورها ميلاني غريفيث بروح تذكّر بلوليتا). ومع انهيار زواجه، تتعقد القضية أكثر فأكثر، وتجره إلى شبكة متشابكة من الخداع والقتل والصفقات القذرة.
يناسب هاكمان نموذج المحقق الهادئ المتكاسل، فيظهر بشارب مميز من السبعينيات وسروال قصير، وتخفي طباعه الهادئة رجلاً مضطرباً عميقاً. يتبع معظم الفيلم خطاه وهو يراقب ويصغي أو يعالج الأحداث بصمت، وغالباً دون كلمة حوار تُذكر. ومع ذلك، كعادته، يجعل هاكمان كل لحظة على الشاشة مؤثرة، ويكشف تفاصيل صغيرة تتراكم لتبني شخصية معقدة وآسرة. ويقدم جينيفر وارن دعماً قوياً في دور حبيبة متناقضة تنجذب إليه. يتشاركان الملامح المنهكة لأناس أنهكتهم الحياة تدريجياً، وتظل كيمياؤهما المتوهجة، إلى جانب شخصية وارن الهشة المحببة، من أبرز ما في الفيلم.
من جوانب ما، تبدو القصة كأنها شقيقة فيلم “The Conversation”، الذي قدمه هاكمان في أيقونته الشهيرة، وهو دراسة شخصية داخلية عميقة متخفية في ثوب تشويق بارانويّ. يبدو بن وهاكمان ملتزمين بمهمة مشابهة هنا، إذ يبنيان فيلم نوار جديداً ظاهره تحقيق محقق في اختفاء شخص ثم في جريمة قتل، لكنه في جوهره أكثر اهتماماً بدراسة رجل تطارده أخطاؤه.
هاري شخص دون طموح يتناسب مع قدراته، تطارده ذنوب إخفاقاته الشخصية والمهنية، وتشوش هذه الذنوب حكمه وتدفعه بثبات نحو مصير مظلم. ينتهي الفيلم بنهاية قاتمة وكئيبة من النوع الذي برعت فيه السينما الأمريكية في السبعينيات، في عمل يقف إلى جانب أعمق دراسات هاكمان الشخصية.
5. The Domino Principle (1977)

شكّل هذا الفيلم عثرة في مسيرة هاكمان المتألقة خلال السبعينيات، فقد كان إخفاقاً نقدياً وتجارياً. وهو تشويق تآمري بارانويّ من إخراج المخرج المخضرم ستانلي كرامر (المتحدّون)، ويقترب كثيراً من العبث. ومع ذلك، يقدم فيه هاكمان واحداً من أكثر أبطاله المضادين عبوسية ووحشية، ما يجعل التجربة مثيرة للاهتمام لعشاقه ولمحبي تشويقات السبعينيات.
يؤدي هاكمان دور قاتل مدان يقضي عقوبة سجن طويلة. حين تعرض عليه منظمة غامضة فرصة الحرية ولقاء زوجته المنتظرة، مقابل تنفيذ مهمة غير محددة، يقبل. لكن حين يكشف أسياده الجدد نواياهم الشريرة تدريجياً، يقرر أن يقاوم.
ومع كشف الفكرة المثيرة عن نفسها، يتضح أنها معقدة بلا ضرورة. يلقي كرامر بأفكار كبيرة على الجمهور دون أن تستقر في الأذهان بطريقة مثيرة، وهي هفوة غير معتادة من مخرج يتعامل مع موضوعات كبيرة بسهولة. ومع ذلك، يحمل الفيلم طاقة خطرة لا يمكن التنبؤ بها: العنف يتفجر من العدم، والمفاجآت تتوالى بوتيرة لاهثة، وإن كانت محيرة في الغالب.
من مشهد مبكر يضرب فيه هاكمان سجيناً آخر ضرباً وحشياً بسبب تبادل كلام يبدو تافهاً، إلى مواجهة لاحقة يقلب فيها الطاولة على أسياده بقارورة مكسورة، يسيطر الرجل على الشاشة. يُقال إن الممثل كان تعيساً أثناء التصوير، واصطدم بكرامر مراراً، ويبدو أن هذه الكآبة تسربت بشكل مبهج إلى العمل النهائي. فهاكمان يحمل ضغينة على الشاشة وخارجها، وثمة متعة هائلة في مشاهدته يشق طريقه عبر الحبكة المعقدة بعقلية لا تبقي على أحد.
ويساعده كثيراً أن يحيط به طاقم مساند ممتاز، مع ميكي رووني شريكاً ممتعاً في الجريمة، وريتشارد ويدمارك وإيلي والاش في دور السلطات الشريرة، والممثلة كانديس بيرغن التي لا تُخذل، في ثالث تعاون وأخير مع هاكمان، بدور زوجته الصابرة المعذبة.
خلاصة القول، ليس هذا من أعظم أعمال هاكمان، لكنه يظل فضولاً مثيراً لمحبي الممثل، ولو فقط لتخيّل كيف كان سيقدم شخصية باركر لويستليك. فبطله يحمل كثيراً من القسوة الحقودة والعداء المكبوت الذي يميز أيقونة الرواية البوليسية، ما يجعل هذا التشويق المشوش عرضاً مدهشاً وجذاباً إلى حد ما.
6. Uncommon Valor (1983)

مع مغادرة هاكمان لعقد السبعينيات، دخلت مسيرته مرحلة من الركود. ومع انهيار زواجه وسلسلة من المشاريع المتفاوتة وراءه، عاش الممثل فترة انتقالية قبل أن يحصل على انتعاشة ثانية عام 1986. خلال تلك السنوات، قدم عدداً من الأدوار العسكرية الصارمة، من الشخصيات التي كان يستطيع أداءها بشكل تلقائي. ومع ذلك، يبرز بينها هذا الفيلم الممتع في مغامرات الثمانينيات الصاخبة عن رجال في مهمات، فهو يقدم ما يريده المشاهد بحماسة واضحة. حقق الفيلم نجاحاً في شباك التذاكر وقت عرضه، لكنه أصبح مع الوقت حاشية منسية في سجله السينمائي.
يجسد هاكمان دور عقيد مشاة بحرية متقاعد تطارده مصير ابنه المفقود منذ الحرب الفيتنامية. وبعزم منه على إنهاء كوابيسه، ودون مساعدة من السلطات، يجمع فريقاً من المحاربين القدامى المتنافرين، ويتوغل في لاوس ليعيد رجاله إلى الوطن.
لم يكن أداء عقيد صارم حزين تحدياً كبيراً لهاكمان، لكن المشاهد لن يدرك ذلك. يقدم بطلاً يستحق التعاطف، رجلاً يمتلك حضوراً سلطوياً يخوّل له قيادة فريقه الخشن، مع إخفاء ضعف يائس تحت قشرته الصلبة. ولحظة انهياره بعد الكشف العاطفي للفيلم تؤثر أكثر مما قد يتوقعه المرء من فيلم أكشن من الحقبة الريغانية. وفي الوقت نفسه، يحقق خطابه الحماسي الذي يسبق المهمة، والذي كتبه المنتج جون ميليوس، التأثير المطلوب في رفع الحماس.
بالطبع، لا يكون فيلم المهمات الجماعية أفضل من طاقمه، وهذا الفيلم يضم مجموعة ممتعة للغاية. يفيض فريد وارد وتيم ثومرسون وراندال “تيكس” كوب، الذي يسرق المشاهد، بالرجولة الخشنة كلما ظهروا على الشاشة. لكن الممثل الذي يترك الانطباع الأقوى هو باتريك سوايزي الشاب، في أول خطوة له في سينما الأكشن. يؤدي دور القائد غير المتمرس للفريق، ولا ينال احترام المحاربين الصلبين في البداية لأنه لم يشهد القتال قط. لكنه يحظى بأقوى قوس تطوري في الفيلم، إذ يتحول من ضابط شاب واثق متعجرف إلى بطل أكشن هشّ لكنه قادر في النهاية. ولا يثير الدهشة أن تنتظره أمجاد أكبر في هذا النوع.

أكثر 10 أفلام مخيبة للآمال في 2026 (حتى الآن)
الفيلم المخيب للآمال ليس بالضرورة فيلماً سيئاً، لكن كليهما عادةً ما يسلك الطريق نفسه. شهد هذا العام أعمالاً ناجحة ضخمة ومفاجآت رائعة،...

10 أفلام مُستخف بها في أشهر السلاسل السينمائية
هل تحب هوليوود شيئًا أكثر من سلسلة سينمائية ذائعة الصيت؟ إنها هبة لا ينضب عطاؤها: نجاح أيقوني في الثقافة الشعبية يلد سيلًا...
كان المخرج تيد كوتشيف يخرج من نجاح ضخم حققه “First Blood” (1982)، وقد تمكن هذا الفيلم من تجاوز عودة رامبو الشهيرة إلى فيتنام عام 1985. كان كوتشيف مخرجاً أقوى مما يُنسب إليه عادةً، انظر فيلمه المقلق “الاستيقاظ في الرعب” من أستراليا عام 1971 دليلاً على ذلك، لكن إخراجه هنا يفتقر إلى التوتر الدقيق والتعقيد النفسي الذي ميز أعماله الأفضل. بل هو فيلم عن أبطال أمريكيين كبار يلقون نكات كبيرة ويفجرون كل شيء بشكل أكبر.
وبصراحة، ما المشكلة في ذلك؟ حتى لو كان السيناريو يشبه أحياناً قائمة مراجعة لأفلام عسكرية، فإن كوتشيف يتعامل معه بقدر كافٍ من الصخب ليجعل التجربة كلها ممتعة للغاية. ما عاد أحد يصنع أفلاماً من هذا الطراز.
7. The Package (1989)

مع نهاية الثمانينيات، هيمن نجوم الأكشن المفتولو العضلات الذين يلقون الجمل الساخرة القصيرة على هذا النوع، فترك ذلك مساحة لبديل أرقى، بطل أكثر قرباً من الجمهور. ورغم كونه جندياً سابقاً في مشاة البحرية بقامة 6 أقدام و2 بوصة، ناسب هاكمان هذا الدور كأنه فُصّل له. ظهر في سلسلة من تشويقات الأكشن البارزة التي حققت إيرادات متواضعة في شباك التذاكر، وأصبحت إلى حد كبير منسية في ذاكرة الجمهور، واثنان منها يظهران تباعاً في هذه القائمة.
يؤدي هاكمان دور رقيب متمرس في الجيش الأمريكي، يُكلَّف بمرافقة الجندي الأمريكي المشاغب الذي يجسده تومي لي جونز من برلين الغربية للمثول أمام محكمة عسكرية. لكن عند وصولهما إلى شيكاغو يفر السجين، وتبدأ مؤامرة واسعة النطاق في الانكشاف، فيصبح هاكمان عازماً على القبض عليه.
كان المخرج أندرو دافيس يعيش مساراً صاعداً ثابتاً بوصفه أحد أكثر مخرجي الأكشن موثوقية في تلك الحقبة. بعد أن قدم تشويق الشرطة المتين على نحو مفاجئ مع تشاك نوريس “Code of Silence” (1985)، ساعد في دفع ستيفن سيغال إلى النجومية عبر “Above the Law” (1988). ثم عاد للعمل معه في أكبر أعماله التجارية، وآخرها الجدير بالذكر، “Under Siege” (1992). وبلغت مسيرته ذروتها مع تحفة الإثارة “The Fugitive” (1993)، بطولة هاريسون فورد.
محشوراً بين تعاونيه مع سيغال، أخرج دافيس هذا الفيلم، الذي يبدو في كثير من جوانبه كتجربة تمهيدية لذلك الإنجاز اللاحق. ورغم أنه يرتدي ثوب تشويق سياسي من الحرب الباردة، فإن جوهره مطاردة لا تهدأ، تستفيد بذكاء من مدينة دافيس الأم شيكاغو، فتتحول المدينة إلى شخصية مستقلة بذاتها.
هنا يطارد هاكمان الفار الهارب الذي يؤديه جونز، في مطاردة تحمل مفارقة طريفة. وفي حكاية غريبة أخرى، كان هاكمان الخيار الأصلي لدور جونز الذي فاز عنه بالأوسكار لاحقاً في “The Fugitive”. يقدم أداؤه هنا لمحة مثيرة عن الكيفية التي كان سيقارب بها الشخصية بشكل مختلف: أهدأ، ومنشغل بالتفكير باستمرار، وسريع البديهة، قادر على عنف مفاجئ، لكنه إنساني بشكل مدهش تحت قشرته الصلبة. ويقدم جونز بدوره أداءً لافتاً في دور أصغر يسرق المشاهد، وهو من النوع الذي كان يؤديه كثيراً في تلك الفترة، رغم أنه لا يُستغل بكفاءة للأسف بعد منتصف الفيلم.
مليء بالانعطافات المتوترة والانفجارات العنيفة المفاجئة وتبادلات إطلاق النار المحكمة الإخراج، يحافظ الفيلم على شعور ملموس بالخطر لا يتراجع إلا في لحظاته الأخيرة، ما يجعله عملاً شعبياً مثيراً يستحق الاكتشاف في زمنه.
8. Narrow Margin (1990)

وفي الستين من عمره، واصل هاكمان مسيرته المتألقة بوصفه بطل أكشن بديلاً، هذه المرة في إعادة إنتاج مصقولة الإخراج لفيلم ريتشارد فليشر الخانق والساخر “The Narrow Margin” (1952). ومع بيتر هايامز (كابريكورن وان وآوتلاند) خلف الكاميرا، يتخلى الفيلم عن الحوار الصلب والخدع المحكمة في النسخة الأصلية، ليتبنى مقاربة أكثر عضلية ومستوحاة من هيتشكوك. بهذا يغدو واحداً من أكثر تشويقات عصره إثارة للإعجاب، وإن ظُلم كثيراً.
يؤدي هاكمان دور محامٍ مساعد للمدعي العام في لوس أنجلوس، يسافر إلى البرية الكندية ليقنع شاهدة مترددة، تؤديها آن آرتشر، بالإدلاء بشهادتها في المحكمة حول اغتيال نفذته عصابة. لكن حين يتعرضان لكمين، يلجآن إلى قطار متجه إلى فانكوفر، دون أن يدريا أن القتلة على متنه أيضاً.
كمحامٍ يُلقى في موقف بالغ القسوة، يمثل هاكمان بديلاً منعشاً لأبطال الأكشن الذين بدوا لا يُقهرون في تلك الفترة. عقله في حركة دائمة، يبدو هادئاً ومتماسكاً على السطح، بينما يبحث بيأس عن طريقة لإنقاذ الموقف. يوحي كثيراً بأنه يرتجل طريقه عبر كل مأزق جديد، حتى إنه يطلق جملة ساخرة أو اثنتين بمهارة. وتؤدي آرتشر نصيبها من الاتفاق أيضاً، فرغم أن الفيلم لا يمنحها الكثير لتفعله بعد أن تبدأ الحبكة، تظل حضوراً ذكياً يساهم في نجاتهما، ويمنح القصة قلباً عاطفياً مقنعاً.
كان هايامز يقدم أفلام نوع مثيرة للإعجاب منذ السبعينيات، لكن مع أوائل التسعينيات واجه منافسة شرسة من أمثال توني سكوت وجون مكتيرنان وجيمس كاميرون. وكانت أفلامه تبدو أقل حيوية في الغالب (حتى انطلق بجنون مع فان دام في منتصف التسعينيات)، لكن هذا الفيلم يثبت بوضوح لماذا يستحق اعترافاً أكبر بوصفه مخرج أكشن. يمتلك براعة في إخراج مشاهد أكشن ضخمة، من مطاردة محمومة عبر الغابة يفر فيها هاكمان وآرتشر من مروحية تحمل رشاشات، إلى عراك مثير للدوار فوق قطار مسرع متفوقاً بست سنوات على “المهمة المستحيلة”، وكلها تقدم إثارة بحجم فخم ومؤثر.
لكنه في اللحظات الهادئة يثبت براعة مماثلة، مستعيناً بالتصوير السينمائي الخاص به. سواء في مطاردة ظلية عبر غابة مظلمة يتفوق فيها هاكمان على عصابة من المسلحين، أو في إضاءة حوار متوتر بين البطلين بأضواء القطار المارة خارج مقصورتهما، فإنه يجد طرقاً ذكية لإشعال التشويق. تتحول المساحة المحصورة إلى ملعب لمواجهات متزايدة الإرهاق في لعبة القط والفأر، يسكنها أشرار مخيفون حقاً ورهانات تبدو مستحيلة، دون أن يتجاوز الفيلم حدود المعقول. وهذا ما يجعله عملاً رائعاً من تشويقات النوع الذي لم يحظ بالتقدير الكافي.
9. The Quick and the Dead (1995)

بعد أن نال هاكمان جائزته الأوسكار الثانية عن أدائه الثانوي في فيلم كلينت إيستوود المؤثر “Unforgiven” (1992)، شهد الويسترن انتعاشة قصيرة، فعاد الممثل بسعادة إلى تلك الأرض المألوفة. وظهر بعدها في ثلاثة أفلام ويسترن متتالية: “Geronimo: An American Legend” (1993)، و”Wyatt Earp” (1994)، وهذا الفيلم. لم تحظَ أي منها بتقدير واسع وقت عرضها، لكن الأولين كانا محاولتين طموحتين وضخمتين لاستعادة عظمة الويسترنات الكلاسيكية، وإن اختبرا صبر الجمهور. أما الثالث فكان احتفاءً صاخباً بأفلام السباغيتي ويسترن القذرة في الماضي، وقد تحسن مع الزمن كما يتحسن النبيذ الجيد.
تدخل شارون ستون، بوصفها حاملة السلاح الغامضة، بلدة ريدمبشن الغبارية الحدودية، حيث نظّم قاطع الطريق القاسي الذي يؤديه هاكمان بطولة سحب مسدس قاتلة. ومن بين المتنافسين ليوناردو دي كابريو في دور الصبي المغرور كيد، وراسل كرو في دور الخارج على القانون الذي تحول إلى واعظ. ومع تصاعد عدد القتلى، تصر ستون على مواجهة هاكمان والكشف عن ماضيها المظلم…
لا يحاول الفيلم أن يخفي نواياه: فالمواجهات هي أفضل ما في الويسترن، وهذا العمل سيقدمها لك بلا هوادة. إنها فكرة بسيطة للغاية، حتى إن المرء يتساءل لماذا استغرق الأمر حتى منتصف التسعينيات ليبني أحدهم ويسترن كاملاً حولها. والأفضل من ذلك أن المادة تناسب تماماً المخرج سام رايمي (Evil Dead 2)، وهو صاحب أسلوب بصري يذهب إلى أقصى حد، فيجعل كل مواجهة أكثر جموحاً وابتكاراً من سابقتها. عبر لقطاته القريبة الشديدة وزوايا الكاميرا المحمومة وإبداعه الذي لا ينضب، يقدم رايمي فيلماً كأنه وُلد ليخرجه.
الأداء الجماعي بالغ الجودة. تستمتع ستون بتنويعها الخاص على نموذج “الرجل بلا اسم”، وتكشف في الوقت نفسه هشاشة خفية تحت قشرتها الفولاذية، متجذرة في ماضٍ مظلم سينكشف، كما تقتضي أعراف النوع، في مواجهة مليئة بالأدرينالين. أما هاكمان فيمرح في دور الطاغية الشرير، وقد بلغ من إتقانه لهذه المرحلة أنه قادر على أدائها وهو نائم، لكنه يضيف من الاستعراض والغطرسة ومضات من الإنسانية ما يكفي ليلتهم كل لحظة من وقته على الشاشة.
يتألق دي كابريو، كما كان معتاداً في هذه المرحلة من مسيرته، بوصفه كيد السريع في السحب، الذي تخفي غطرسته المتبجحة رغبة يائسة في نيل احترام هاكمان. وتمنح حكايته لحظة عاطفية نادرة وسط الاستعراض. أما كرو فكان آنذاك ما يزال غير معروف إلى حد كبير لجمهور أمريكي، لكنه امتلك حضوراً مهيباً يجعل من الواضح أنه مقدّر لأمجاد أكبر، ويجعلك تتوق لرؤيته يتخلى عن نزعته السلمية ويعود إلى ماضيه المسلح لمساعدة ستون.
يستحق أداء ستون تقديراً خاصاً، فقد استثمرت شهرتها الهوليوودية الجديدة بعد النجاح الضخم لفيلم “Basic Instinct” (1992)، وخاضت غمار إنتاج ويسترن سباغيتي بميزانية كبيرة. وإلى جانب دور المنتجة، ضغطت لتعيين رايمي، المعروف آنذاك أساساً بأفلام الرعب، وكذلك لاختيار الممثلين غير المعروفين نسبياً، وهما كرو والشاب دي كابريو.
كانت مغامرة جديرة بالإعجاب، لكنها أخفقت تجارياً للأسف، إذ لم يُبد الجمهور اهتماماً بهذا الاحتفاء المبهرج بنوع سينمائي خرج من الموضة منذ زمن. ومع ذلك، صمد الفيلم أمام الزمن بشكل ملحوظ. وإذا كان هناك فيلم واحد في هذه القائمة يستحق أكثر من غيره العودة إلى الواجهة بوصفه عملاً تحظى به عبادة الجمهور، فلم أعثر عليه بعد.
10. Heist (2001)

قبل ثلاث سنوات من اعتزال هاكمان المفاجئ، قدّم ما لم يكن هو ولا الجمهور يعلمان أنه آخر أدواره بوصفه بطلاً صلباً. ولحسن الحظ، جاء ذلك في تشويق جريمة مليء بالجمل الساخرة والانعطافات المشوقة، من إخراج ديفيد مامت (House of Games، Homicide)، وهو عمل نُسي بغرابة منذ ذلك الحين.
يؤدي هاكمان دور لص محترف مخضرم يأمل في الرحيل نحو غروب هادئ مع زوجته الأصغر سناً، لكن الأمور لا تسير بسلاسة أبداً في عمليات السطو. يجد نفسه مديناً لتاجر المسروقات الفظ الذي يؤديه داني دي فيتو، والذي يجبره على خوض سطو أخير يبدو مستحيلاً.
يستمتع هاكمان في آخر أدواره بوصفه رجلاً قوياً مخضرماً، يجسد شخصية تبدو دائماً الأذكى في الغرفة، لكنها تملك ميلاً مسلياً لفقدان أعصابها أمام زوجته. ومن الصعب ألا تتمنى لهذا اللص المنهك أن ينجو من المأزق رغم الصعاب المتراكمة ضده. ويحيط به شركاء جيدون، فيضيف دلروي ليندو شخصيته غير المتوقعة، ويجسد ريكي جاي الرجل المخضرم الدافئ القلب ضمن طاقمه القديم. تؤدي ريبيكا بيدجون دور العشيقة غير الجديرة بالثقة بأداء فولاذي، بينما يقدم سام روكويل محتالاً ماكراً آخر بأسلوب موثوق، ويبالغ داني دي فيتو بمرح في دور زعيم المافيا الصاخب الخصم.
يتمتع الطاقم بالاستعداد الكامل للانغماس في حوار مامت اللاذع (“لماذا عبرت الدجاجة الطريق؟ لأن الطريق عبر فوق الدجاجة”)، ويسعى كل ممثل إلى التفوق على الآخرين في معركة من التبادلات الحادة والتوصيفات الملونة.
اشتهر مامت بالمسرح أكثر من أي شيء آخر، وإنجازاته في كتابة السيناريو لا تقل أهمية (Glengarry Glen Ross، The Untouchables). أما أعماله الإخراجية فغالباً ما أُغفلت بالمقارنة. فهو يميل إلى أخذ الأنماط المألوفة في النوع السينمائي وقلبها بطرق غير متوقعة، وأحياناً صادمة. لكنه هنا يضع هذه الطموحات جانباً ويركز على تقديم تشويق جريمة متقن، يضم طاقماً من المحتالين الأذكياء، مليئاً بالمفاجآت المحكمة والخيانات المتبادلة، فضلاً عن مواجهة نارية ختامية مبهرة قرب الميناء.
والنتيجة تجربة ممتعة تستعيد روح أفلام الإثارة القديمة، وتصلح أن تقف إلى جانب تشويقات الجريمة القاسية التي صنعها هاكمان في السبعينيات. وهي كذلك وداع مناسب لممثل أجاد تجسيد المحترفين الأشداء، إذ منحته فرصة أخيرة يتحكم فيها بالشاشة بسلطة تبدو بلا عناء.




