تخطى إلى المحتوى

جوكر (2019): حين يصنع المجتمع شريره

جوكر (2019): حين يصنع المجتمع شريره

يترك Joker الحكاية الكبرى لعوالم الأبطال الخارقين، ويتجه نحو الروح الإنسانية حين تنهار تحت وطأة الإهمال والوحدة. لا يسعى الفيلم إلى تقديم شرير يبعث على الانبهار أو على الرعب الخالص، بل يتتبع الطريق الطويل الذي يقود رجلًا مهمشًا إلى أن يصبح أيقونة للفوضى في مدينة غوثام. وهذه الزاوية تجعل الشرير نتاج ظروف متراكمة لا قدرًا محتومًا، وهو اختيار يغيّر طريقة قراءتنا للنوع كله. ويطرح العمل سؤالًا يتجاوز حدود الشاشة: كيف تتحول المعاناة الفردية إلى عنف جماعي يهز المجتمع بأكمله؟ ومن هذا السؤال يمكن قراءة الفيلم قراءة اجتماعية وسياسية، دون أن يتخلى عن طبيعته دراما نفسية محكمة البناء، يتصاعد توترها من اللقطة الأولى حتى الأخيرة.

سياق الفيلم وصانعه

يأتي الفيلم من توقيع المخرج تود فيليبس، الذي يقترب هنا من عالم الشخصية الشريرة من زاوية تختلف عمّا اعتادته أفلام الأبطال الخارقين. تدور الحكاية في ثمانينيات القرن الماضي، وتضع بطلها في مدينة غوثام المثقلة بالفوارق الطبقية وانعدام الثقة بين أبنائها. هذا الإطار الزمني ليس خلفية شكلية، بل مساحة تفسر لماذا يبدو الانهيار الفردي ممكنًا ومقبولًا في عالم يرفض الإصغاء إلى أصحاب الأصوات الخافتة. وتعامل الحكاية المدينة بوصفها شخصية ثانية، تتشكل ملامحها من الشوارع المتآكلة والوجوه المتعبة، ومن سلطة تتجاهل من يسقطون إلى القاع. ويستند الفيلم في ذلك إلى الصورة الرمزية التي عرفناها عن غوثام في الأدب المصور، لكنه يقدم نسخة أقرب إلى الواقع الاجتماعي، فيحوّل المدينة من فضاء للأسطورة إلى فضاء للأسئلة.

Joker (2019)

الموضوعات التي يحملها الفيلم

تأتي الوحدة في صدارة موضوعات Joker. فبطله كوميدي وقوف فاشل، يسعى إلى الاعتراف بموهبته دون أن يجد من يصغي إليه، فتتحول رغبته في الظهور إلى مرآة لحاجة أعمق إلى التقدير. ويرسم الفيلم هذه الوحدة بوصفها قوة تنهش الإنسان من الداخل، لا شعورًا عابرًا يزول مع الوقت. فكلما ازداد تجاهل الآخرين له، ازداد انغلاقه على أوهامه وانكساراته، فيتحول الألم إلى مادة تنضج ببطء في النفس، حتى يصبح الانفجار نتيجة متوقعة لا مفاجأة. ويتناول الفيلم كذلك الهوية الممزقة، إذ يعيش البطل بين صورة يحاول أن يقدمها للعالم وحقيقة يخفيها عن نفسه. تكشف هذه الازدواجية رغبة قديمة في الاعتراف والانتماء، تتحول مع الوقت إلى دافع للعنف والفوضى. ويضع الفيلم المشاهد أمام مفارقة مؤلمة، فالتعاطف مع الشخصية يصبح ممكنًا وغير مريح في الوقت ذاته، وهذا التوتر بين القبول والنفور هو ما يمنح التجربة ثقلها.

ويطرح الفيلم أيضًا الإهمال الاجتماعي بوصفه البيئة التي تغذي الانهيار. فالمؤسسات الصحية والعلاقات الأسرية وأماكن العمل ووسائل الإعلام، كلها تعجز عن التقاط الإشارات الأولى للاضطراب، وتكتفي بمعالجة النتائج حين تقع. ويبدو لي أن الفيلم يبرز هذه الثغرات دون أن يعفي الفرد من مسؤوليته عن أفعاله، وهذا الاتزان هو ما يمنح الدراما عمقها الفكري. فالعمل لا يختزل الشر في الظروف، ولا يحمّل الضحية وحدها ثقل ما آل إليه، بل يترك المشاهد أمام سؤال مفتوح حول حدود المسؤولية الفردية والجماعية.

الإخراج وبناء التوتر

يعتمد المخرج تود فيليبس على إيقاع بطيء في بداية الفيلم، يمنح المشاهد وقتًا كافيًا ليشعر بثقل الحياة اليومية للبطل. ثم يتسارع النسق تدريجيًا عبر المونتاج الذي يقطع بين اللحظات الهادئة والانفجارات المفاجئة، فيبدو كل مشهد خطوة إضافية نحو الهاوية. وهذا التدرج يجعل التوتر نتيجة طبيعية للبناء، لا حيلة لإثارة الصدمة لحظيًا. وتقترب الكاميرا من وجه البطل في كثير من اللقطات القريبة، فتكشف ارتعاشاته الصغيرة وابتساماته المصطنعة التي تخفي الألم. بهذه اللقطات يبني الإخراج علاقة حميمة بين المشاهد والشخصية، تجعله شاهدًا على التحول لا متفرجًا عليه. غير أن الإفراط في الالتصاق بالوجه يضيّق أحيانًا المساحة المتاحة لقراءة المدينة المحيطة، وهي نقطة تستحق التوقف، لأن غوثام في Joker تحتاج أن تُرى كما يُرى البطل.

Joker (2019)

الأداء التمثيلي

يقدم خواكين فينيكس واحدًا من أكثر الأداءات تركيزًا في السينما الحديثة، إذ يجسد التحول الجسدي والنفسي بدقة تجعل كل حركة تحمل معنى. يتقن فينيكس الصمت كما يتقن الانفجار، ويحوّل الضحك المرضي إلى علامة على انكسار داخلي يصعب أن يُشفى. وتبدو هذه الدقة في تفاصيل الجسد، من انحناءة الكتفين إلى طريقة الكلام المتقطع، فتصنع شخصية تعيش في أضعف لحظاتها ولا تبحث عن تعاطف صريح. وأما روبرت دي نيرو، فيضيف إلى الفيلم ثقلًا تاريخيًا واضحًا، ويعيد إلى الشاشة نبرة الحضور المتعب والمتعالي، بما يخدم فكرة الفجوة بين عالم الشهرة وعالم الهامش. ويقف إلى جانبهما زازي بيتز وفرانسيس كونروي وبريت كولن، فيمنح كلٌّ منهم العالم المحيط بالبطل كثافة تجعل العزلة أكثر وضوحًا. لا تتجاوز هذه الأدوار وظيفتها في بناء البيئة، لكنها تؤديها بحرفية تحفظ توازن الإيقاع الدرامي.

الصورة والموسيقى

تعتمد الصورة على ألوان تميل إلى الرمادي والبني، وعلى إضاءة خافتة تحيط بالشوارع والوجوه، كأنها تحبس القلق في الهواء. هذه المعالجة البصرية لا تسعى إلى الجمال الزاهي، بل تعكس عالمًا متآكلًا يبتلع أبناءه بهدوء. وتبلغ الصورة ذروتها في اللقطات الليلية التي تحول الشارع إلى مسرح مفتوح للوحدة والعنف، فيشعر المشاهد بأن المدينة نفسها تراقب البطل وتنتظر منه خطوته التالية. ويفتح هذا الاختيار الجمالي بابًا لقراءة الفيلم بوصفه نقدًا بصريًا للفقر والإهمال، لا مجرد استعراض للقتامة.

Joker (2019)

وتؤدي الموسيقى دورًا لا يقل أهمية عن الصورة، إذ تتسلل إلى المشاهد بنبرة تقترب من الحزن حينًا، ومن التوتر الخافت حينًا آخر. وتبدو هذه المقطوعات متناغمة مع التحول النفسي للشخصية، فتزداد حدتها كلما اقترب الفيلم من لحظات الانفجار. ويخلق هذا الانسجام بين الصورة والصوت تجربة متماسكة، تُبقي المشاهد في حالة من القلق الهادئ حتى حين لا يحدث شيء ظاهر على الشاشة. وبهذا تصبح الموسيقى جزءًا من بنية السرد، لا زينة تضاف إليه.

موقع الفيلم في تاريخ السينما

يطرح Joker قراءة مختلفة لفكرة الشرير في السينما الشعبية، إذ ينقل الشخصية من منطقة الأسطورة إلى منطقة الدراسة الاجتماعية. فبدلًا من الاكتفاء بعدو يُهزم في النهاية، يسأل الفيلم كيف يُصنع هذا العدو ومن أي شروخ يخرج. ويضع هذا السؤال العمل في موقع خاص بين أفلام الجريمة والدراما النفسية، لأنه يستعير أدوات النوع ليمنحها عمقًا فكريًا يتجاوز الإثارة. ويمكن قراءة الفيلم كذلك بوصفه تأملًا في العلاقة بين الفرد والمجتمع في الثمانينيات، وهي فترة تبدو في الفيلم مثقلة بالتوتر الطبقي والوحدة الحضرية. بهذا المعنى يتجاوز العمل حدود الحكاية الفردية، ليصور كيف تتراكم الأزمات الصغيرة حتى تنفجر في الفضاء العام. وتكمن قيمته هنا في الجرأة على طرح سؤال قديم بطريقة جديدة، لا في ادعاء مكانة تاريخية محددة.

الحكم النقدي

يبقى Joker فيلمًا يمتلك جرأة نادرة في اختيار زاويته، ويحقق معظم ما يسعى إليه بفضل أداء خواكين فينيكس ومعالجة إخراجية تعرف متى تبطئ ومتى تسرّع. غير أن الفيلم لا يخلو من مواضع يطغى فيها التركيز على البطل على العالم المحيط به، وهي مساحة كان يمكن أن تمنح الدراما بعدًا أوسع. ومع ذلك، فإن قوة العمل في إحساسه المستمر بالقلق تجعله تجربة تستحق المشاهدة بعين ناقدة وقلب منتبه. ويمتد الفيلم على 122 دقيقة، وهي مدة تكفي لبناء الشخصية وتعميق أزماتها دون أن تتحول إلى عبء على المشاهد. ويمكن اعتباره عملًا يختبر حدود العلاقة بين المشاهد والشرير، ويترك له مساحة لطرح الأسئلة بعد انتهاء العرض، وهذا وحده كافٍ لتبرير الوقت الذي يطلبه.

انتهى العرض

شكرًا لمتابعتك القراءة في مذاق سينما