تخطى إلى المحتوى

الايرلندي: ذاكرة الرجل حين تتحول الخيارات إلى قيود

الايرلندي: ذاكرة الرجل حين تتحول الخيارات إلى قيود

يتكئ The Irishman على الذاكرة بوصفها بنية الحكاية الأساسية، فيدفع المشاهد منذ البداية إلى التساؤل عن الرجل الذي يستعيد ما جرى قبل أن يسأل عما فعله. الفيلم الذي أخرجه مارتن سكورسيزي عام 2019 يقترب من عالم الجريمة المنظمة بعين تسعى إلى الفهم، لا إلى الاحتفاء بالمظاهر البراقة التي اعتادت السينما أن تزين بها هذا العالم. يمتد العمل نحو ثلاث ساعات ونصف، وهي مدة تفرض إيقاعاً مختلفاً على المتفرج. غير أن الطول هنا ليس ترفاً. فهو يمنح الفيلم مساحة تتراكم فيها الوقائع والوعود والخيانات ببطء، حتى يبدو كل قرار فاتورة تُدفع لاحقاً. ومن هذا المنطلق يطرح The Irishman سؤاله الأهم: كيف يعيش الرجل مع ماضٍ لم يبقَ له سواه؟

The Irishman (2019)

سياق الفيلم وصانعه

تدور أحداث الفيلم في بنسلفانيا عام 1956، حيث يلتقي فرانك شيران، وهو محارب قديم من أصل أيرلندي يعمل سائق شاحنة، براسل بوفالينو الزعيم المافيوي صدفةً. ومن هذا اللقاء العابر تبدأ علاقة تنقل الرجل من الهامش إلى دائرة الثقة، ثم إلى مهمة في شيكاغو تتعلق بجيمي هوفا، رئيس النقابة النافذ المرتبط بالجريمة المنظمة. هذا الامتداد الزمني والجغرافي يمنح الحكاية بعداً تاريخياً واضحاً، إذ تتحرك الشخصيات في عالم يحكمه النفوذ النقابي وعلاقات الولاء الصارمة. ويبدو سكورسيزي حريصاً على أن يجعل كل انتقال في المكان جزءاً من تطور العلاقات، لا مجرد تنويع في الخلفيات. فالمدن هنا تفتح أبواباً للسلطة أو تغلقها، وكل محطة تحمل معها التزاماً جديداً يضيق هامش الاختيار أمام البطل.

ينظر المخرج إلى عالم الجريمة بوصفه منظومة لها قواعدها الخاصة، لا خلفية صاخبة للعنف. ولا يطلب الفيلم من المتفرج أن ينبهر بقوة هذا العالم، بل يضعه أمام الثمن الإنساني الذي يدفعه كل من قرر أن يعيش داخله. والزمن في هذا العمل شريك في تشكيل القرارات، إذ تتراكم السنوات فوق الخيارات الأولى حتى تصبح الخيارات قيوداً. وبهذا يبدو The Irishman أقرب إلى تأريخ العلاقات منه إلى تقرير عن الجريمة، فالسؤال عنده ليس كيف وقعت الجرائم، بل كيف بُنيت الثقة بين رجال تحكمهم المصالح، وكيف تآكلت حين بلغت المصالح حدّها.

الأفكار التي يحملها الفيلم

يدور الفيلم حول الولاء وثمنه، إذ تقوم علاقة فرانك بمن يثق بهم على الطاعة أكثر مما تقوم على الصداقة الصريحة. غير أن الصداقة التي تمتد نحو عشرين عاماً بينه وبين هوفا تكشف أن الولاء يتآكل تحت ضغط المصالح. الرجل الذي يظن نفسه حامياً لصديقه يكتشف أنه أسير خيارات لم يصنعها وحده، وأن الوفاء نفسه قد يتحول إلى قيد. وإلى جانب الولاء، يتناول الفيلم الذاكرة بوصفها عبئاً وملاذاً في آن واحد. الماضي هنا ليس سرداً مريحاً، بل مساحة يعود إليها الرجل ليراجع أفعاله ويزن ما كان يعدّه ضرورة. ويلمس العمل أيضاً الهوية الأيرلندية الأمريكية خلفيةً تشكل الانتماء والطموح معاً، من دون أن ينغلق على تأمل قومي ضيق. فالانتماء في The Irishman يتصل بالعائلة والجماعة أكثر مما يتصل بالأرض أو الأصل وحدهما.

إخراج يقيس الزمن بالذاكرة

يعتمد الإخراج على إيقاع متأنٍ يسمح للحوارات بأن تكشف العلاقات بين الشخصيات قبل أن تكشف الأحداث. فالمخرج لا يلهث وراء الذروة، بل يترك الكاميرا تلاحق الوجوه في لحظات الصمت، فتتحول كل محادثة عابرة إلى اختبار للثقة. وتنجح هذه المقاربة لأن الحوار يحمل الحكم الأخلاقي دون أن يعلنه، إذ يقول الرجال أقل مما يعنون، ويعنون أكثر مما يقولون. ينتقل سكورسيزي بين مراحل حياة الرجل بمرونة تجعل الماضي حاضراً في كثير من اللحظات، فيتحول التركيب السردي إلى أداة لقياس الزمن لا لتقطيعه. ويمنح هذا النهج الفيلم قدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى إشارات كبيرة، كنظرة عابرة أو صمت طويل قبل جواب. وإن كان الطول يثقل على بعض المتابعين، فإنه يبدو هنا جزءاً من فكرة الفيلم نفسها، لأن حكاية عن الذاكرة لا تُروى على عجل.

The Irishman (2019)

أداء الممثلين وثقل الشخصيات

يضم الفيلم روبرت دي نيرو وآل باتشينو وجو بيشي وهارفي كيتل وراي رومانو، في تجمع يفرض على كل ممثل أن يقنع بحضور هادئ أكثر مما يقنع بالاستعراض. يحمل روبرت دي نيرو ثقل الحكاية ويدير الصمت بمهارة، فيبدو في أدائه كمن يزن كل كلمة قبل أن ينطقها. أما آل باتشينو فيحضر بطاقة قلقة تناسب رجلاً نقابياً يعيش على حافة السلطة، وتبدو حركته وإيقاع كلامه كأنهما يعلنان أن النفوذ مرهق بقدر ما هو مغرٍ. يمثل جو بيشي وهارفي كيتل طرفين آخرين في معادلة القوة، وتتحول المواجهات بينهما إلى اختبار للولاء، إذ تحمل كل عبارة تهديداً مبطناً. ويتجلى توازن الأداء في قدرة الممثلين على الحفاظ على واقعية شخصياتهم حتى في المشاهد التي تقترب من الميلودراما. أما راي رومانو فيقدم حضوراً أقل صخباً، وهو ما يخدم عالماً يعتمد على التحفظ والتكتم أكثر من الانفعال المعلن.

الصورة والموسيقى بوصفهما ذاكرة

تربط السينماتوغرافيا اللقطة بالذاكرة، فالإضاءة الهادئة في المساحات الداخلية تمنح المشاهد إحساساً بثقل ما لم يُقل. تتحرك الكاميرا بتحفظ يقرب الوجوه من المتفرج في لحظات الاعتراف، ثم يبتعد بها حين تبدأ الشخصيات في المراوغة. بهذه الحركة المنضبطة تصبح الصورة شاهداً صامتاً على العلاقات، لا وسيلة لاستعراض العنف، وهو اختيار ينسجم مع فكرة الفيلم عن الندم المتأخر. أما الموسيقى فتعمل ذاكرةً سمعية تستدعي الماضي دون أن تفرض على المشهد تفسيراً جاهزاً. وتضيف طبقة من الحنين تتناقض مع قسوة الأفعال، ويكشف هذا التناقض كيف يلجأ الرجال إلى الذكريات الجميلة ليبرروا ما اقترفوه. بذلك تبدو الموسيقى جزءاً من السرد، لا زينة تضاف إليه.

The Irishman (2019)

موقع الفيلم في تاريخ السينما

يمكن قراءة The Irishman عملاً يعيد النظر في أفلام الجريمة من زاوية الشيخوخة والندم، لا من زاوية الصعود والسقوط وحدهما. فهو يستند إلى تقاليد السينما الأمريكية في تصوير العصابات، لكنه ينقل الاهتمام من المغامرة إلى المحاسبة، ومن الحركة إلى التأمل. ويحاول العمل تحويل الحدث الاجتماعي الكبير إلى مسألة شخصية، فالنقابات والجريمة المنظمة تظهر خلفيةً لمصير رجل واحد. ويكشف هذا الاختيار أن السينما قادرة على جعل أسئلة السلطة والمسؤولية أسئلة تخص الفرد أمام نفسه. بهذا المعنى لا يقدم الفيلم تاريخاً عاماً بقدر ما يقدم سيرة داخلية لعالم يحكمه الصمت.

الحكم النقدي

The Irishman فيلم طويل لا يسعى إلى إرضاء المتفرج المستعجل، بل يطلب منه الصبر والانتباه، ويكافئه بعمق يتراكم مع كل مشهد. ويطيل الإيقاع المسافة بين الحكاية وذروتها عند بعض المشاهدين، وهذا اعتراض يستحق الاحترام. لكن الطول هنا جزء من المعنى، إذ يحول الانتظار أداةً لفهم الشخصيات وخياراتها، ويجعل الاعتراف المتأخر أثقل من أي مواجهة عنيفة. الفيلم طموح في نطاقه، متماسك في أسلوبه، وحادّ في نظرته إلى الولاء والذاكرة. ويستحق المتفرج أن يمنحه وقته كاملاً، لا بوصفه فيلماً عن العصابات فحسب، بل تأملاً فيما يبقى من الرجل حين تنتهي الأدوار التي اختارها.

انتهى العرض

شكرًا لمتابعتك القراءة في مذاق سينما