مذاق السينما
مذاق السينما
مراجعات أفلام

تأملات وجودية في فيلم Synecdoche, New York (2008)

بواسطة:
17 يناير 2022

آخر تحديث: 9 مارس 2026

5 دقائق
حجم الخط:

يُعد التمثيل موضوعاً جوهرياً في الفلسفة الوجودية. يبدو الأمر منطقياً عند التأمل؛ ففي ظل غياب أساس ثابت أو دائم تحت تدفق الواقع المستمر، هل يتبقى لنا إحساس ملموس بالذات؟ أم أننا نؤدي أدواراً مختلفة تتراكم لتشكل كياناً يبدو صلباً؟ متى كنت حقاً “أنت” الأكثر “أصالة”؟ هل في الخامسة من عمرك، أم في العشرين، أم في الخمسين؟ وهل يحدد فعلٌ واحدٌ هويتك؟

على سبيل المثال، إذا ارتكبت خطأً فادحاً كخيانة شريكك، هل تصبح خائناً بشكل أبدي؟ نحن نميل إلى ترسيخ أسوأ صفات الآخرين في ذاكرتنا، وتدفعنا الطبيعة البشرية نحو هذا التصنيف. لكن إذا حدث هذا في بداية علاقة، ثم قضيت خمسين عاماً في سعادة غامرة، فهل من العدل أن تُعرف كخائن بناءً على ذلك الحدث الوحيد؟ كتب ألبرت كامو: “نعم، يجب أن يكون الجحيم هكذا: شوارع مليئة بلافتات المتاجر ولا وسيلة لشرح الذات. يتم تصنيف المرء مرة واحدة وإلى الأبد”. هذا يعني أن الإنسان قد يُحصر في قالب واحد طوال حياته، مقيداً بجدران تدمر طبيعته المعقدة والمتغيرة، مما يسلبه حريته في التطور والأمل.

كادين كوتارد (فيليب سيمور هوفمان) رجل يغرق في الاكتئاب. إن مشاهدته تثير في النفس شجناً عميقاً؛ فهو مخرج مسرحي يعاني من الهيبكوندريا، يجرح رأسه أثناء الحلاقة، بينما تتخيل زوجته أديل لاك (كاثرين كينر) موته لتتحرر من ذنب تركه، وهو ما تفعله في نهاية المطاف.

يصعب استيعاب الفيلم بالكامل من منظور واقعي، فهو يتحرك داخل وخارج العبث السريالي، في طبقات متداخلة من المجازات غير المستق غير المستقرة. يتسم السرد وبناء الشخصيات بالهشاشة، حيث يُستبدل الممثلون فجأة بآخرين يؤدون الأدوار ذاتها، وكأن الحبكة بأكملها تدور داخل عقل كوتارد.

لم يسبق تقديم فيلم بهذا الصدق عن التجربة الإنسانية؛ ليس فقط في القصص التي نرويها للأجيال، بل في الواقع الحي اللحظي. إذا كان الفيلسوف توماس ناجل قد كتب مقالاً عن “كيف يبدو أن تكون خفاشاً”، فإن هذا الفيلم يقدم لنا “كيف يبدو أن تكون إنساناً”.

يميل البشر إلى اختزال حياتهم في خطوط قصصية بسيطة، وتلخيص الآخرين في قوالب كرتونية. يتطلب الأمر جهداً واعياً لتذكر أن كل شخص تقابله يحمل قصة موازية لقصتك، مليئة بالحب والفقد والشغف. يقول كوتارد: “يوجد ثلاثة عشر مليون شخص في العالم. لا أحد منهم مجرد إضافي؛ الجميع أبطال في قصصهم الخاصة، ويجب أن يُعطوا حقهم”. عندما تتداخل هذه القصص، تنهار الجدران التي نبنيها في عقولنا، وندرك أن الآخرين ليسوا كائنات مصنفة، بل يمتلكون إراداتهم وإنسانيتهم الخاصة.

كيف يتعامل العقل مع هذا التعقيد؟ نحن نبني أقساماً لتنظيم تجاربنا في فئات مرتبة، لنتمكن من التنقل في العالم وتقييم تجاربنا. نرتدي أقنعة مختلفة حسب الموقف، رغم أن المواقف غالباً ما تكون أعقد من تلك الأقنعة. كتب كارل أون كناوسغارد عن الذات في كتابه “الكثير من الشوق في مساحة صغيرة”:

“ما هي الذات بخلاف القصة؟ إنها مكان يتشكل باستمرار، حيث يتداخل الحاضر مع الماضي. الذات عمل قيد التقدم، تفهم نفسها عبر الذكريات وتعيش في شتات بين الأفكار والعواطف. إنها شيء فوضوي يسعى المرء للسيطرة عليه من خلال العادات، كرسومات غير مكتملة وخام”.

قارن هذا مع ميلسنت، التي تتقدم لاختبار دور في مسرحية كوتارد:

“كادين كوتارد رجل ميت بالفعل، يعيش في عالم بين السكون واللا سكون. الوقت مركز والتسلسل الزمني مشوش بالنسبة له. كان يسعى لفهم وضعه، لكنه الآن تحول إلى حجر”.

يمنح كوتارد لها دور نفسه، لأنها تدرك حالته. هو بالكاد يعيش، مهووس بذكرياته ومحاولات فهم تجربته. الخيال، رغم جماله، قد يكون مصدراً لجانب مظلم، حيث تشكل الأفكار القلقة حالة من الشلل، وتخلق أوهاماً عقلية تتسلل إلى تجربتنا اليقظة.

من الجدير بالذكر الأوهام النفسية التي يوظفها تشارلي كوفمان؛ وأبرزها “وهم كوتارد”، حيث يعتقد المصاب أنه ميت أو غير موجود. هذا يثير تساؤلات حول واقع الفيلم: هل كوتارد ميت بالفعل؟ في أي نقطة يتحول الحقيقي إلى سريالي، أو الموضوعي إلى ذاتي؟ ربما يسير كوتارد نائماً خلال حياته، ويصور الفيلم محاولته للاستيقاظ والعيش حقاً.

هناك أيضاً “وهم كابغراس”، حيث يعتقد الشخص أن أحباءه استُبدلوا بنسخ متطابقة. هذا يرتبط بإحساس كوتارد المشوه بالواقع، حيث يستبدل الممثلين بأشخاص مألوفين، مما يخلق هويات زائفة. نحن نعيش حيوات متعددة، والآخرون يدخلون ويخرجون من حياتنا، تماماً كما يتغير الممثلون في الفيلم. نحن نتطور باستمرار، وكذلك أولئك الذين نعيش معهم.

يحمل العنوان دلالة عميقة؛ فكلمة Synecdoche تعني في البلاغة استخدام الجزء للكل أو العكس. تجربة كوتارد هي تجربة الجميع: “ما كان مستقبلاً غامضاً أصبح ماضياً؛ عشته، فهمته، وخيب أملك. تدرك أنك لست مميزاً، وتنزلق بصمت خارج الوجود”. نحن نخلق قصصاً لتبسيط الواقع، كما تقول هازل لكوتارد: “يجب على الجميع أن يكتشفوا حياتهم الخاصة”.

يمكنك استشعار عظمة هذا الفيلم في كل تفاصيله؛ نحن نتذكر دائماً ضآلة حجمنا. ربما يتجلى ذلك في كلمات أغنية الفيلم:

أنا مجرد شخص صغير، في بحر من العديد من الأشخاص الصغار الذين لا يدركون وجودي. أؤدي عملي الصغير، وأعيش حياتي الصغيرة، وأفتقد طفلي وزوجتي. وفي مكان ما، ربما سأجد شخصاً صغيراً ثانياً ينظر إلي ويقول: أعرفك، أنت الشخص الذي انتظرته، لنستمتع ببعض المرح. الحياة ثمينة، وكل دقيقة تزداد قيمة معك.

هذا الفيلم تحفة فنية. ورغم قسوة بعض النقاد الذين وصفوه بالنرجسية، إلا أنه يظل حلم حمى قلقاً، مهووساً بالبحث عن المعنى في الحياة والعلاقات. إن نجاحه في إيصال ذلك يظل مسألة تفسير، تماماً كحياتنا الخاصة. المدينة تُبنى وتتآكل، والمجازات تتخللها بتوتر وخوف ودهشة.