The Master (2012)
يبدأ فيلم The Master بمجموعة من الرجال يمارسون طقوس الفراغ؛ الشرب، والمصارعة، والحديث عن الخصوصيات، وتشكيل امرأة عارية من الرمال. يتجاوز أحدهم الحدود في سلوكه، مما يعكس حالة من التخبط الوجودي. ومن خلال لقطات تظهره غارقاً في الثمالة، وتفاعله الخشن مع طبيب عسكري يستجوبه حول أحلامه، تتشكل أمامنا صورة لرجل لم يتأمل يوماً في جوهر حياته.
فريدي كويل (خواكين فينيكس) بحار متجول وروح ضائعة، يتنقل بين وظائف هامشية. بعد أن يسمم عاملاً بمشروبه الكحولي الخاص، يلوذ بالفرار على متن سفينة، ليجد نفسه عالقاً في طائفة غامضة. يصف زعيم الطائفة، لانكستر دود (فيليب سيمور هوفمان)، نفسه بأنه «كاتب، وطبيب، وفيزيائي نووي، وفيلسوف، لكنني قبل كل شيء إنسان». يوثق الفيلم علاقة هذين الرجلين؛ تشابكهما، وصراعاتهما، ومشاعر الحب والغضب والأمل التي تجمعهما.
أثيرت تكهنات كثيرة حول تأثير السيانتولوجيا على الفيلم، وهي قراءة مشروعة، لكن الفيلم يمتلك أبعاداً أوسع. إن اختزاله في سياق تاريخي محدد يعد تبسيطاً يغفل جوهره الإنساني؛ فهو قصة عالمية تتناول الإحباط، واليأس، والرغبة، والخلق، والتدمير، والقلق. إنه يطرح تساؤلات حول كيفية إيجاد منطق للوجود، وكيفية التصالح مع العالم، وكيفية المضي قدماً في الحياة.
عاش الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو (1913-1960) في قلب الفلسفة الوجودية. يرى جان-بول سارتر أن «الوجود يسبق الجوهر»، أي أنه لا توجد ماهية مسبقة للإنسان؛ بل نحن من نصنع ذواتنا من خلال خياراتنا الفردية.
تعارض الوجودية النزعة الجوهرية التي ترى وجود شكل مثالي للإنسان يجب السعي لتحقيقه، وهي فكرة تعود جذورها إلى أفلاطون الذي آمن بوجود «مُثل» عالمية تتجاوز المادة. بينما تأتي النزعة الجوهرية من الأعلى، تنبع الوجودية من الأسفل؛ فالحياة ليست رحلة لاكتشاف الذات، بل هي عملية مستمرة لخلقها.
هذا المنظور يقودنا إلى مفهوم «العبث» عند كامو، الذي يصفه بأنه الانفصال بين الإنسان والعالم. الغربة موضوع متكرر في فكر كامو؛ حيث يشعر الفرد بالملل والاغتراب، وعدم الانتماء، أو السير في ركب الحياة دون اتصال حقيقي بالذات.

تتفاقم هذه الحالة في عالم لا يمنحنا معنى جاهزاً. يكتب كامو: «لا أعرف ما إذا كان لهذا العالم معنى يتجاوز ذلك، لكنني أعلم أنني لا أستطيع معرفته». العبث هو مواجهة استحالة العيش في عالم بلا هدف، وهو ما يجسده «أسطورة سيزيف»؛ حيث يمثل دفع الصخرة إلى القمة عبثية المحاولات البشرية لاكتشاف الحقيقة المطلقة.
تؤكد الوجودية على الحرية والخلق في ظل غياب الحقيقة المطلقة. عندما يلتقي فريدي بدود، يمنحه الأخير فرصة للتحرر من ماضيه. في مشهد الصحراء، يطلب دود منهم اختيار نقطة في الأفق والقيادة نحوها بأقصى سرعة؛ مشهد يجسد الاندفاع نحو المستقبل والأمل والحرية.
في عالم من عدم اليقين، نختار وجهتنا ونمضي. أليس هذا هو جوهر الوجود البشري؟

يقول دود لفريدي في نهاية الفيلم: «إذا وجدت طريقة للعيش دون خدمة سيد، فأخبرنا جميعاً، لأنك ستكون الأول في تاريخ العالم». يقابل هذا قول كامو في رواية «السقوط»: «بالنسبة لأي شخص وحيد، بلا إله وبلا سيد، فإن ثقل الأيام فظيع. لذا يجب على المرء اختيار سيد».
البنى الأيديولوجية تمنحنا هوية واتجاهاً. فريدي، في تجواله، يمثل الرجل العبثي الذي لا يملك التزاماً ثابتاً. ومع ذلك، يظل معظم الناس أسرى لأنماط ورثوها عن آبائهم ومجتمعاتهم، متجنبين عناء التفكير النقدي.
لا يتناسب فريدي تماماً مع مجموعة دود؛ فهو يفتقر إلى الإيمان العميق بطقوسهم، مما يؤدي في النهاية إلى نبذه. ربما يكون فريدي هو سيد نفسه الوحيد.
يعد فيلم The Master تحفة سينمائية؛ لأن أندرسون يعمم نموذج «البطل» على الجميع. بطلنا في رحلة لا تنتهي، وسيزيف سيظل يدفع صخرته، لكننا يجب أن نتخيل أنه سعيد.





