من لحظاته الافتتاحية حتى القطع النهائي إلى السواد في نهاية الفيلم المروعة، يُعد الفيلم الثاني للمخرج براندون كروننبرغ (Antiviral) رحلة ذهنية مرعبة في «رعب الجسد»، تترك المشاهد في حالة من الدوار والبرودة التي تتغلغل في العظام. ينتمي فيلم Possessor إلى اللحظة الراهنة، ورغم طابعه المستقبلي الرجعي الذي يطارد إطاراته المركبة بأناقة، فإنه يتكشف أمام أعيننا في عالم مألوف، لكنه في الوقت ذاته جليدي، مُنفّر، ومتوتر تماماً.
لا يحتاج الأمر إلى تكرار، ولكن لمصلحة القلة الذين قد لا يكونون على علم، كروننبرغ هو ابن أسطورة النوع السينمائي الكندي، بارون الدم نفسه، ديفيد كروننبرغ. من العادل القول إن براندون يحمل إرثاً ثقيلاً، ومن الواضح أنه يمتلك مسيرة مهنية واعدة ومليئة بالدماء. ومن المثير رؤية كيف بدأ بالفعل، خلال مسيرته التي تتكون من فيلمين فقط، في إنتاج بعض من أكثر أفلام الرعب إثارة وذهنية منذ ذروة أعمال والده.
Possessor (2020)
تأتي فرضية Possessor كالصاعقة، حيث تندمج التقنيات المستقبلية مع جمالية قديمة ومهترئة. تستخدم القاتلة المأجورة تاسيا فوس (أندريا رايزبورو)، التي تعمل تحت إشراف جيردر (جينيفر جيسون لي)، تقنيات زراعة الدماغ المتطورة لاغتيال أهدافها. تسكن فوس أجساد ضحاياها ضد إرادتهم، وترتكب الجرائم من خلالهم، قبل أن تجبرهم على إنهاء حياتهم في سيناريو جريمة مثالي. لكن المخاطر عالية، ليس فقط في هذه العملية المزعزعة لتعديل الدماغ، بل أيضاً في الأثر العاطفي والروابط الهشة لحياة فوس الأسرية المتداعية مع زوجها المنفصل وابنها الصغير.
بينما تتقدم القصة، تاركة وراءها العديد من الوفيات المروعة، نرى فوس مراراً وتكراراً وهي تراقب فريستها التي ستستحوذ عليها، متبنية عاداتهم وأنماط حديثهم لأغراضها المشبوهة. وبينما تتجسس على فريستها، وهو روتين تكرره حتى مع عائلتها، يثبت موضوع التلصص أنه مثير للاهتمام في Possessor. في بعض الأحيان، يبدو الفيلم كما لو كان فيلم The Conversation من إخراج ماركيز دي ساد.
يُعد الفيلم أكثر ثقة واكتمالاً من عمله السابق Antiviral (2012)، ويظهر كروننبرغ في حالة من السيطرة الكاملة، غير خائف من صدمة جمهوره بينما تتصاعد قصته المظلمة بزخم قطار شحن يصرخ عبر ساحة السكك الحديدية في وقت متأخر من الليل. أداء البطل كان متميزاً، بدءاً من رايزبورو، التي كانت ضعيفة وأثيرية في Mandy (2018)، حيث تقدم هنا شخصية نفسية مرعبة تُسحب إلى الهاوية. وكفريستها، يقدم كريستوفر أبوت (It Comes At Night) أداءً يتأرجح بين التعاطف التام والشر المطلق عندما يتم التلاعب بأفعاله لأغراض فوس الدموية.
باستخدام التصوير السينمائي الأنيق والصارم من كريم حسين، وتصميم إنتاج موهوب من روبرت لازاروس، إلى جانب مجموعة من المؤثرات العملية القاسية، يُعتبر Possessor تجربة متطرفة وغير مريحة ولكنها رائعة. تفوتك هذه التجربة على مسؤوليتك الخاصة.
تقييم موقع Taste of Cinema: 4.5 نجوم (من 5)





