الأطفال لطفاء، هذا أمر متفق عليه. وتكمن إحدى أبرز جاذبيات مشاهدة الأفلام التي تتناول الأطفال في المتعة التي نستمدها من هذه البراءة. لكن الأطفال يمتلكون أيضاً قدرة خاصة على إثارة أمزجة ومشاعر أخرى قد تفقد بريقها إن جُسدت عبر شخصيات بالغة. وقد استغل صناع السينما الإيرانيون، على وجه الخصوص، هذه السمة المعدية للطفولة ليبدعوا أفلاماً استثنائية بحق.
ليس سراً أن وضع هشاشة الأطفال أو حماسهم الساذج في قلب الفيلم يترك أثراً عميقاً. فالعالم العنيف يبدو دوماً أشد ترويعاً، ويتعاظم تعاطفنا مع الآخرين بشكل ملحوظ حين يكون الطفل طرفاً في المعادلة. وبالمثل، فإن القصة المروية من زاوية طفل تساعدنا على الإيمان بعمق أكبر، وتأسر نزعاتنا المثالية ببراعة، وتجذبنا طواعية نحو رؤية العالم بعين أقل تشاؤماً.
بالطبع، ليست السينما الإيرانية وحدها من استثمرت هذه الإمكانية. غير أن الميل في إيران نحو تركيز السرد على الأحداث اليومية الهادئة قد فتح آفاقاً لتلك الإمكانية نحو وجهات نظر فريدة للغاية.
تستخدم جميع الأفلام المذكورة أدناه، كل بطريقته الخاصة، التماهي المثالي والتعاطفي الذي يربط البالغين بالأطفال لتستحضر ببراعة طرقاً محددة لرؤية العالم. وبدلاً من مجرد رفع سقف المشاعر لتجربة التحولات الدرامية بعمق أكبر، عززت شخصيات الأطفال رؤى إدراكية حميمة حول تجربة العيش بين الناس.
وتتخلل هذه القائمة تجارب سينمائية أصيلة تؤكد السمعة المتنامية لإيران في صناعة السينما.
1. Bashu, the Little Stranger (Bahram Beizai, 1990)

في عام 1999، اختير فيلم باشو، الغريب الصغير كأفضل فيلم إيراني على الإطلاق في استطلاع شمل 150 خبيراً سينمائياً. وليس من الصعب إدراك السبب. فهو تعبير رائع عن التفاعل الإنساني، يمزج بين كونه فيلماً واقعياً يناقش التحيز، وقطعة من السرد تشبه الحكايات الخيالية التي تشعل تجربة عميقة حول معنى الانتماء.
في الواقع، يسري نقاء فطري في فيلم المخرج بهرام بيضائي، يبعث الحياة في تجارب أساسية مثل الحب والقبول والغرابة والعزلة في أصدق لحظات التواصل الغريزي، ليخلق رحلة سينمائية ساحرة تتفرد بقدر ما تلامس القلوب.
بشكل عام، يروي الفيلم قصة “باشو” الذي يُنتزع من موطنه في جنوب إيران، ليحظى بقبول تدريجي داخل قرية تقع في أقصى الشمال.
يصل “باشو” إلى المنطقة وحيداً وبمحض الصدفة بعد أن شهد مقتل والديه في مشهد مأساوي إبان احتدام المعارك في الحرب الإيرانية العراقية، ليغدو غريباً صغيراً مصدوماً بالعنف والفقد. فقد جُرد من كل ما يعرفه ويحبه، وبات لزاماً عليه أن يصنع وطناً جديداً في قرية تسخر من أبناء جلدته.
تنجح هذه الفرضية المتمثلة في طفل مصدوم في مكان غريب نجاحاً باهراً، إذ يتحول التعاطف الذي تثيره إلى إحساس عميق وملموس بتجارب “باشو”. وبالفعل، حين تلاحظه الشخصيات الرئيسية الأخرى في الفيلم لأول مرة، وهي “ناي” وطفلاها الصغيران، يطغى طابع مادي بدائي على هذا اللقاء.
بينما يتسكع بحذر على حافة مزرعتهم، تطرده “ناي” في البداية ثم تستدرجه بالطعام. وتتضافر أفعال المشهد مع النبرة الخفيفة والفطرية للفيلم لتضفي نقاءً طبيعياً على شخصية “باشو”. وعلاوة على ذلك، يستمر هذا التأثير العام طوال الفيلم، لا سيما في التعبير الغني عن السحر الريفي الذي تقدمه “ناي”، والذي يلامس حدود العلاقة الخارقة مع الحياة البرية.
على أي حال، وبعد أن تبلورت شخصيته مبدئياً في هذا اللقاء الطبيعي الأول، يصبح “باشو” ببطء فرداً حميماً في عائلة “ناي”. ورغم أن المجتمع الأوسع ينبذه في البداية، تماماً كما تُضطهد “ناي” لإيوائها إياه، إلا أنه يكسب حبهم في النهاية. لكن الطريقة التي يحدث بها كل هذا هي ما يميز الفيلم.
يعيد فيلم باشو، الغريب الصغير اكتشاف كل حاجة وعاطفة إنسانية وكأنها تحدث للمرة الأولى، ليكشف عن طبيعة الانتماء بطريقة غالباً ما تحجبها ألفتنا المعتادة مع البشر بسهولة بالغة.
2. Mourning (Morteza Farshbaf, 2011)

ينتمي فيلم الحداد إلى فئة من السينما الإيرانية الحديثة التي أتقنت فن التعبيرات الصامتة. ويُعد العمل الإخراجي الأول للمخرج مرتضى فرش باف مثالاً بارعاً على قدرة شاعرية الصور البصرية والصوت والصمت على الارتقاء بأسلوب السرد برقة تتجاوز حدود الكلمات.
في الواقع، ينبع من هذه التقنية قدر هائل من المعاني المؤثرة والتعقيد النفسي، حتى أن الرحلة العاطفية للطفل في هذه القصة، “أريشا”، تُنقل ببراعة تامة، دون أن ينطق بكلمة واحدة تقريباً.
في جوهره، هو فيلم طريق يقود فيه زوجان أصمان، “كامران” و”شرارة”، ابن أخيهما “أريشا” عبر المناظر الجبلية في إيران. يتجهون نحو جثتي والدي “أريشا”، اللذين لقيا حتفهما في حادث سيارة بعد أن تركا الطفل مع عمته وعمه إثر شجار بينهما. غير أن نبرة الفيلم أخف بكثير مما توحي به هذه الحبكة.
وتتجلى عملية الحداد التي يحمل الفيلم اسمها بفروق دقيقة، إذ تعبر عن مسارها بتطوير الاستعارات البصرية، وتدور في خلفية تفاعلات “كامران” و”شرارة”.
عملياً، ما يتكشف أمامنا هو صورة رقيقة للطريقة التي يحدد بها التواصل مدى قابلية حياة الإنسان للعيش. ومع اتضاح أن الشجار المستمر لوالدي “أريشا” قد جعل حياته لا تُطاق، تتجلى مشاعره المتناقضة والمعقدة تجاه وفاتهما حين يبدأ عمه وعمته في الجدال حول إمكانية توليهما الوصاية عليه.
وهكذا، يتناقض حاجز التواصل المتمثل في صمم “كامران” و”شرارة” بجمال مع العجز الأعمق عن الاستماع الناجم عن الخلافات، مما يوحي ببارقة أمل لحياة “أريشا” في منزل يغمره الحب في جوهره.
ومع ذلك، فهي مجرد بارقة أمل تكتنفها المزيد من التناقضات. وبينما يستجيب “أريشا” بصمت لجدال عمه وعمته، تبرز في النهاية هشاشة الحياة القابلة للعيش والطفل المفجوع، لتثير المشاعر في اللحظات الأخيرة بنهاية مفتوحة أنيقة تدفع للتأمل.
3. Children of Heaven (Majid Majidi, 1998)

رُشح الفيلم العائلي الكلاسيكي للمخرج مجيد مجيدي لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية عند إصداره، وذلك لسبب وجيه. فليس من السهل إخراج فيلم يخلو تماماً من التشاؤم دون أن ينزلق إلى مثالية غير مقنعة. لكن فيلم أطفال السماء يتمتع بسحر طاغٍ يجعلك تنجذب رغماً عنك إلى العالم الدافئ والمفعم بالأمل الذي يبتكره.
هذا العالم هو عالم لطيف، تسكنه شخصيات فقيرة ولكنها ودودة، تتدبر أمورها ببساطة عبر مساعدة بعضها البعض. إنه عالم مخفف حيث الأشرار ليسوا سوى معلمين غريبي الأطوار، وحيث الحوادث الصغيرة هي الخصم الحقيقي. وهو عالم يتمتع بحس راقٍ وجميل بآمال ودراما الحياة اليومية، حيث يصبح حذاء وردي اللون مركزاً للحب والاستياء والشك والشهامة.
يعود هذا الحذاء الوردي إلى “زهراء”، وتبدأ القصة حين يتسبب شقيقها الأكبر “علي” عن طريق الخطأ في رميه من قبل عامل النظافة. وخوفاً من إخبار والديهما بهذه الخسارة الفادحة لعائلة فقيرة، يتفقان سراً على تقاسم حذاء “علي”. ترتديه “زهراء” في الصباح عند ذهابها إلى المدرسة، ثم تعطيه لـ “علي” في فترة ما بعد الظهر حين تبدأ دروسه. غير أن الوقت لا يسعفهما تماماً، ورغم أن “علي” يركض عبر المدينة كل يوم للقاء شقيقته، إلا أنه يتأخر باستمرار.
إن الطريقة التي يجذب بها فيلم أطفال السماء الجمهور إلى هذه الدراما الصغيرة ساحرة بحق. ففي مشهد آسر تلو الآخر، تكتسب أهمية حذاء “زهراء” و”علي” منعطفاً جديداً. ولا يسعك إلا أن تتعاطف بشدة مع هذين الطفلين، بينما تتوالى عليهما الحوادث الصغيرة ويساندان بعضهما البعض لتجاوزها. وفي النهاية، يثبت الركض إلى المدرسة أنه مسار الحبكة الحيوي.
حين يكتشف “علي” وجود سباق ركض للأطفال جائزته الثالثة حذاء رياضي، يدرك أنه سريع بما يكفي ليفوز به من أجل “زهراء”، فيقرر المشاركة. لكن حادثاً أخيراً يقع: يندمج “علي” في السباق لدرجة أنه يحل في المركز الأول بدلاً من الثالث. ورغم خيبة أمله، لا يبدو الأمر مهماً كثيراً في النهاية. فبينما يغمس “علي” قدميه المتعبتين في بركة ماء، يظل هناك شعور راسخ بأنهما سيتجاوزان الصعاب، ببساطة عبر مساعدة بعضهما البعض.
4. The White Balloon (Jafar Panahi, 1995)

أكثر من أي فيلم آخر في هذه القائمة، يُعد فيلم البالون الأبيض تعبيراً خالصاً عن الطفولة. ببساطة، يجسد الفيلم حقيقة أن تكون طفلاً بحيوية آسرة، ليأخذنا في رحلة عبر الهوس المطلق الذي يتملك الأطفال تجاه الأشياء التي تفتنهم، والحدة العابسة لخيبة أملهم، والارتباك والهشاشة عند الاصطدام بعالم البالغين الذي لا يملكون السيطرة عليه، والقدرة على التحول في لمح البصر من المزاج السيئ إلى الجيد.
تتدفق كل هذه المشاعر عبر الحبكة البسيطة التي تدور حول الطفلة “راضية” ذات السبع سنوات، والتي ترغب في شراء سمكة لكنها تُمنع من ذلك. وبعد توسلات لا تلين وعبوس حزين محبب، تحصل أخيراً على ورقة نقدية بقيمة 500 تومان وتركض بعزم لشرائها. لكنها تفقد المال مرتين في طريقها، مما يوقعها في سلسلة من اللقاءات التي يكشف عنها المخرج جعفر بناهي بأسلوبه الآسر المعتاد.
تقدم المرة الأولى التي تفقد فيها “راضية” المال طعماً عميقاً لهشاشة الطفولة. فبينما يشتت انتباهها فضول حشد يحجب رؤيتها لشيء ما، تشق طريقها بين أقدام الجمهور لتجد نفسها في قلب عرض لساحر ثعابين.
يبدو شعورها بالارتباك أمام المشهد لافتاً منذ البداية، ولكن حين يستولي ساحر الثعابين على مالها، المحفوظ ببراءة في جرة مفتوحة، ويستخدمه في العرض، يصبح يأس “زهراء” المكتوم ملموساً. إنها لحظة سامية تستحضر إحساساً حميماً بحالتها المزاجية.
أخيراً، تستعيد “راضية” المال، وتطوي صفحة هذا الموقف في لحظة، وتركض مسرعة نحو سمكتها، لتسقط المال في شبكة صرف عند مدخل أحد المتاجر.
يصبح المال بعيد المنال حقاً هذه المرة، وتتمحور بقية الفيلم حول محاولة استعادته. وتتوالى هنا المزيد من تعابير الوجه المحببة، حيث تذهب “راضية” لتحدق في السمكة بشوق وتناقش مآسيها مع غرباء مختلفين. لكن في النهاية، يستعين شقيقها “علي” بطفل آخر، وهو بائع بالونات، ليعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.
ملوحين بعصا رُبط بها بالون أبيض وحيد، ينجحون في الوصول إلى الأسفل وسحب المال باستخدام علكة ملتصقة بطرفها. يُنسى كل شيء مجدداً، وتهرول “زهراء” مبتعدة برضا تام.
5. Abidanis (Kianoush Ayari, 1994)

استلهم الكاتب والمخرج كيانوش عياري هذه القطعة الصادقة من النقد الاجتماعي من الفيلم الإيطالي سارقو الدراجات الصادر عام 1948. وعلى غرار تحفة فيتوريو دي سيكا، يروي الفيلم قصة أب يبحث في مدينة مزقتها الحرب بصحبة ابنه، في محاولة يائسة للعثور على مركبة مسروقة يحتاجها لكسب قوت يومهما.
غير أن المركبة هنا سيارة وليست دراجة، والمدينة هي طهران وليست روما، والزمن هو أعقاب الحرب الإيرانية العراقية وليس الحرب العالمية الثانية.
من منظور صبي صغير، يتتبع الفيلم “بورنا” ووالده “درويش” عبر طهران بينما يبحثان في ساحات الخردة أملاً في استعادة سيارتهما. إنها قصة بسيطة ولكنها قوية، تكشف شيئاً من الدمار الاجتماعي الذي عانت منه إيران في أعقاب الحرب، ويمثل حضور “بورنا” في رحلة البحث مرآة يافعة تعكس ذلك الواقع القاسي.
في الواقع، يحمل “بورنا” معه قطعة مرآة مكسورة طوال الفيلم، يلهو بها بفضول لينظر حوله من زوايا مختلفة. ونظراته هذه هي ما يضفي إحساساً بالحميمية على عالم فيلم العبادانيون البصري، وهو عالم من المعادن الملتوية والجدران الخرسانية والأنقاض، صُور ببراعة بالأبيض والأسود ليضفي خلفية قاتمة وملموسة على تفاعل الشخصيات.
ولكن أكثر من ذلك، تضفي مساعدة “بورنا” الساذجة وشجاعته إحساساً بالترقب الصبور على بانوراما اليأس والجرائم الصغيرة والصفقات المشبوهة التي يكشف عنها فيلم العبادانيون.
إذ لا يزال هناك شعور بالمجتمع ينبض بالحياة تحت ركام الفوضى. إنها روح التصميم في مواجهة الشدائد التي تحدد مسار بحث “درويش” و”بورنا”، فرغم الخدوش والتعثر، تماماً كالسيارة التي يعثران عليها في النهاية، يواصلان المضي قدماً.
6. The Colour of Paradise (Majid Majidi, 1999)

بعد نجاحه في فيلم أطفال السماء، تمسك المخرج مجيد مجيدي بتيمة الأطفال المنتمين لعائلات فقيرة في فيلمه التالي. غير أنه في فيلم لون الفردوس، يبني بيئة عاطفية أشد قسوة لشخصياته، وتتسم النبرة بكونها تفطر القلب بأسلوب آسر بدلاً من السحر اللطيف.
يتناول الفيلم قصة صبي كفيف يُدعى “محمد”، ويتتبعه في رحلة عاطفية مكثفة وهو يتواصل مع العالم بشكل عام، ومع والده الأرمل “هاشم” بشكل خاص. وبفضل الأداء البارع للممثل الكفيف غير المحترف محسن رمضاني، تتجلى رسالة مهمة في قصة “محمد” مفادها أن روعة الحياة متاحة لكل من يفتح قلبه لها. ولكن في الوقت ذاته، يعمل عجز والده عن تقبل إعاقته على تمزيق تلك الروعة.
عملياً، يتكشف هذا المسار الرئيسي للقصة لأن “هاشم” يقلل تماماً من قدرة “محمد” العامة على التفاعل مع العالم من حوله، إذ لا يرى فيه سوى العبء الذي يمثله، مما يُشعر “محمد” بأنه غير محبوب. وأكثر من ذلك، تؤثر أفعال “هاشم” على الصبي الصغير بشدة لدرجة أنه يسقط هذا النقص في الحب على كل شيء، مما يجعله يشعر بالوحدة التامة في هذا العالم.
تتخلل هذا الانحدار من الدهشة إلى اليأس لحظات مؤثرة بقوة، وهناك خلاص في النهاية لا يقل تأثيراً. ومع ذلك، كخبرة سينمائية، ما يبرز كعنصر استثنائي هو الطريقة التي تتضافر بها حركة الكاميرا والصوت والإخراج المشهدي لاستحضار العجائب الروحية لعالم “محمد” الحسي.
تستحضر بعض المشاهد في الجزء الأول من الفيلم، حين يعيد طائراً حديث الفقس إلى عشه ويشعر بالهواء يلامس يده وهو في سيارة متحركة، إحساساً حياً بحق حول كيفية تجربة العالم عبر اللمس والصوت. إنها لحظات ملهمة لا تؤسس لاكتفاء “محمد” الذاتي وشخصيته الممتنة فحسب، بل تمنح الجمهور رؤية تعاطفية فريدة.
7. Granaz (Abbas Rafei 2009)

قلما تتكرر تيمات في الأفلام التي تتناول الأطفال أكثر من تيمة الصبي المشاغب طيب القلب. غير أننا ربما اعتدنا على وضع هؤلاء الصبية في مواقف خيالية، في مواجهة شرير خبيث يبرهنون به على طيبتهم في نهاية درامية.
ما يفعله فيلم جراناز، ويُحسب له بشدة، هو رسم صورة واقعية لصبي طيب ولكنه مشاغب، تجاوزاته بسيطة وطيبته المطلقة تكتنفها غشاوة غامضة من سوء الفهم.
يلعب “ميلاد”، الصبي المشاغب المعني، ألعاباً في أوقات غير مناسبة، ويتأخر باستمرار عن المدرسة، ويجد نفسه عموماً غير منسجم مع كل ما يُتوقع منه.
ليس الأمر خبيثاً، ولا حتى متعمداً. لكنه مستمر. لذا، تظهره المشاهد الأولى من الفيلم على شفا تداعيات خطيرة بسبب هفواته. ورغم تصميمه على التحسن، إلا أنه لا يستطيع تمالك نفسه، فيتأخر عن المدرسة في اليوم التالي مباشرة.
لكن هذه المرة يحدث شيء مختلف. فبعد فشله في ركوب الحافلة، يلتقي “ميلاد” بامرأة باكستانية مسنة تُدعى “جراناز”، تزور إيران لرؤية ابنها وأحفادها لكنها تخلفت عن موعد لقائها بهم.
ولعجزها عن التواصل التام مع أي شخص، تجد نفسها تائهة في أرض غريبة. وبمزيج من الصدفة والطيبة، يصبح “ميلاد” مسؤولاً عنها. يجمع خيوط قصتها، ويخاطر بوقوع نفسه في المتاعب ليرشدها عبر المدينة.
تُعد مشاهدة “ميلاد” وهو يقود “جراناز” المرتبكة من يدها في المراحل الأولى من هذه المهمة الصغيرة من أرق المشاهد في السينما، ويستحق الفيلم المشاهدة من أجل هذه اللحظات فقط. لكن فيلم المخرج عباس رافعي يحمل في طياته ما هو أعمق من مجرد لقطات محببة لعمل صالح.
حين يعود “ميلاد” إلى المدرسة في اليوم التالي، لا يصدق أحد قصته، ويتعرض للتوبيخ بدلاً من الثناء. ومع ذلك، لا يمثل هذا نظرة متشائمة حول عدم جدوى اللطف، بل هو مقدمة لشعور أنبل يحدد مسار قصته: “ما أجمل وأغلى أولئك الذين يضحون بأنفسهم ليجلبوا السلام للآخرين”.
8. Don (Abolfazl Jalili 1997)

تُعد الدراما الواقعية للمخرج أبو الفضل جليلي في جوهرها كشفاً لقسوة الفقر وتأثير إدمان الوالدين للمخدرات على الأطفال. يتتبع الفيلم حياة “فرهاد”، وهو صبي في التاسعة من عمره ينتمي لعائلة مكونة من خمسة أطفال، يعاني والده من إدمان المخدرات منذ فترة طويلة. ومع ذلك، لا تقل أهمية الوضع العام للأطفال الفقراء في إيران عن أهمية مسار الحبكة المحدد هذا.
غالباً ما يُجبر هؤلاء الأطفال على العمل للمساعدة في إعالة أسرهم، مما يؤثر سلباً على تعليمهم. وعبر قصة “فرهاد”، يسلط الفيلم ضوءاً متعاطفاً على هذا الموضوع المعقد.
عند إصداره، عُرض فيلم دان في عدد هائل من المهرجانات السينمائية الدولية لدرجة أن سردها سيستغرق هذه الفقرة بأكملها، وربما يعود السبب في ذلك إلى النهج المتواضع الذي يتبعه “فرهاد” في حياته العملية.
تضفي تضحية الصبي الصغير غير المشروطة لمسة دافئة على الواقع الكئيب لحياته، وعلى الأسلوب الوثائقي الخالي من التكلف الذي صُور به الفيلم. وهكذا، تمنح شخصيته الرقيقة، التي تتجلى بوضوح في لحظات الدعم المتبادل المؤثرة التي يشاركها مع صديقته “فرزانة” أثناء محاولتهما العثور على عمل، طابعاً محبباً لقصة المعاناة.
غير أن لحظات الدفء الحميمة هذه ليست سوى استراحة قصيرة من التركيز القاسي على القضايا الاجتماعية الأوسع لوضع “فرهاد”. وبشكل أكثر بروزاً، تمتلئ حياته بلحظات مزعجة من التفاعل المتوتر حين يستجوبه أصحاب العمل المحتملون حول الأكاذيب التي يضطر لقولها للحصول على عمل. وفي النهاية، ينتهي المطاف بـ “فرهاد” إلى التحسر على أميته وجهله بالحساب، متوقاً إلى تعليم لم يعد يملك سبيلاً لتحقيقه.
وهكذا ينتهي الفيلم بانكسار القلب، ولكنه ليس بلا جدوى. فإطلالته المحفزة للتفكير على عالم الفقر غير العادل تمثل رسالة قوية ترفع مستوى الوعي بدرجة نادرة ومقنعة من الحميمية.
9. Persepolis (Vincent Paronnaud, 2007)

من الناحية الفنية، يُعد فيلم برسيبوليس فيلماً فرنسي الصنع، ولكن نظراً لكونه سرداً لطفولة الكاتبة الفرنسية ذات الأصول الإيرانية مرجان ساترابي، يمكن إدراجه في هذه القائمة.
الفيلم مقتبس من روايتها المصورة التي تحمل الاسم نفسه بالتعاون مع المخرج فينسنت بارونو، ويقدم رؤية سياسية لإيران خلال أواخر السبعينيات والثمانينيات. ومع ذلك، بدءاً من الاضطرابات والآمال التي سبقت الثورة الإسلامية عام 1979، قبل التركيز على معاملة الأصوليين الإسلاميين للنساء بعد الانتفاضة، ورعب الحرب الإيرانية العراقية، ثم حياة ساترابي كبالغة خارج إيران، يُعد الفيلم أيضاً سرداً شخصياً عميقاً لكيفية تشكيل السياسة لعقول الشباب.
وبفضل كونه من أفلام الرسوم المتحركة، يمكنه الانطلاق عبر كل هذه الأحداث، دامجاً الفكاهة اللاذعة والبراءة الغريبة مع اللحظات الصادمة بطريقة يعجز عنها فيلم التصوير الحي. ويأتي التأثير حماسياً وآسراً بشكل مثير للإعجاب، ليروي قصة فتاة صغيرة في لحظة تاريخية مضطربة، وشابة تأثرت بذلك التاريخ.
في سن مبكرة، ترغب “مارجي” السابقة لسنها في أن تصبح نبية، كما ترغب في أن تكون بروس لي. وبينما تستجيب بتأثر لنظرة عائلتها من الطبقة المتوسطة المفعمة بالأمل تجاه الثورة وخيبة أملهم بعدها، تضفي هذه الأهداف الطفولية طابعاً متأملاً ومندفعاً على شخصيتها، يخترق تفاهة وعنف السياسة المتشددة ببديهة سريعة.
لاحقاً، في أوائل مراهقتها، تتحول “مارجي” إلى متمردة، تستمع إلى موسيقى الميتال الصاخبة المشتراة من السوق السوداء وتتحدث بجرأة ضد القمع، حتى يخشى عليها والداها ويرسلانها للعيش في الخارج. وتتتبع بقية القصة حياتها خارج إيران حتى عودتها في النهاية.
في النهاية، يُعد فيلم برسيبوليس قصة طفولة ونضوج مزعجة أحياناً ومعبرة بروعة دائماً، وقد حصدت جوائز في مهرجانات سينمائية دولية متعددة بفضل صراحتها وذكائها ورؤيتها الثاقبة.
10. Birth of a Butterfly (Mojtaba Raei 1997)

يمثل فيلم ميلاد فراشة مجموعة من ثلاث حكايات تشبه الأمثلة، ويستحق الذكر هنا بفضل التوازن المُرضي الذي يخلقه بين السرد البسيط والتعقيد العاطفي الدقيق.
في جوهرها، ترتبط الحكايات ببعضها البعض عبر تيمات العزلة والتحول الروحي، وبالطبع الأطفال. ومع ذلك، وبشكل فريد لمجموعة من الخرافات من هذا النوع، لا يمكن اختزال أي منها بسهولة في درس روحي أحادي البعد. بل يتردد صدى فيلم المخرج مجتبى راعي بعمق واتساع من المعاني الإيحائية التي تذكرنا بذروة الأدب الحداثي أكثر من كونها مجرد قصة رمزية بسيطة.
ينطبق هذا بشكل خاص على القصة الأولى، وهي لوحة مصغرة مصاغة بجمال ومعقدة عاطفياً عن صبي يعيش مع زوج أم قاسٍ، ويغمره الحزن عند وفاة والدته. أما القصة الثانية فهي أبسط بكثير، لكنها لا تقل إثارة للاهتمام، إذ تتتبع صبياً في رحلة حج يلتقي برجل غامض يمنحه ماءً بخصائص علاجية.
في الحكاية الأخيرة، يُنسب لمعلم مدرسة امتلاك قوى نبوية بعد أن يطلق بضع تنبؤات عابرة تتحقق بالفعل. في البداية، يُبجل رغماً عنه لجلبه الحظ السعيد، ثم يصبح منبوذاً حين يتنبأ بحدوث فيضان. لكن القصة تنتهي بحدث أكثر روعة. فبعد أن يخبر تلميذاً صغيراً، يعشق الفراشات ولكنه عالق بعيداً عن منزله بسبب الفيضان، مازحاً أن “يطير فوق الماء” كالفراشة، يشهد المعلم الصبي وهو يفعل ذلك تماماً.
هناك تطور واضح في هذه القصص، يلمح إلى فكرة أن الإيمان الروحي ينبثق من رحم المعاناة. غير أن تعقيد القصص هو ما يجعل هذه الفكرة مُرضية. فهي لا تكتفي بكشف المعنى، بل تحفز على التأمل.

