وسط موجة الإصدارات الجديدة العارمة التي تغزونا عبر كافة المنصات وشاشات السينما، لم نشهد في التاريخ فترة حظينا فيها بهذا القدر من الوصول إلى هذا العدد الهائل من الأفلام. وهذا يعني أنه عندما يتصفح الجمهور منصات البث المختلفة بحثاً عن فيلم لمشاهدته، فإن الخيارات تبدو هائلة ومربكة في آن واحد.
ولّت منذ زمن بعيد أيام التجول في متجر الفيديو المحلي لاستئجار نسخة مادية من فيلم لقضاء السهرة؛ إذ طُوي هذا الطقس للأسف في طيات النسيان. غير أننا نشهد اليوم ظهور عدة شركات متخصصة تُصدر نسخاً مادية لأفلام كان يصعب العثور عليها سابقاً. ونتيجة لذلك، أصبح بإمكاننا الوصول إلى مجموعة واسعة من الأفلام التي ظننا أنها نُسيت منذ زمن، ويُعد الكثير منها تحفاً سينمائية رائعة تستحق ما تبذله من وقت ومال لاكتشافها.
نستعرض في هذه القائمة عشرة أفلام إثارة وجريمة عالمية ربما غابت عن أنظارك. ورغم أن بعضها لم يُتح على نطاق واسع إلا مؤخراً، وبعضها الآخر حظي بعروض محدودة، إلا أنها جميعاً أفلام كانت تستحق إشادة أكبر عند طرحها للمرة الأولى.
1. Chnouf (1955)

أخرج هنري ديكوان هذا الفيلم المقتبس عن رواية للكاتب أوغست لو بريتون (المؤلف ذاته لفيلم Rififi)، ويؤدي جان غابين دور مجرم محترف يعود من الولايات المتحدة للسيطرة على عصابة مخدرات في باريس، متجاوزاً التجار الفاسدين وضغوط الشرطة وخيانات العالم السفلي. قد يبدو الفيلم على الورق مجرد فيلم إثارة وجريمة تقليدي.
لكن فيلم ديكوان يُمثل نموذجاً مبكراً لملاحم الجريمة، ويُعد بلا شك أحد أبرز أفلام النوار البوليسية الفرنسية في حقبة الخمسينيات. يُقدم غابين أداءً استثنائياً، ويشاركه لينو فنتورا بدور قاتل مأجور مرعب، مما يضفي ثقلاً حقيقياً على الأحداث. يُذكرنا الفيلم غالباً بفيلم Scarface للمخرج هوارد هوكس الصادر عام 1932، إذ يضفي عمقاً حقيقياً على عالمه وشخصياته. وفي حين يُعد الاقتباس السينمائي لفيلم Rififi (1955) الأب الروحي للنوع السينمائي الخاص بالسرقة عن جدارة واستحقاق، لم يحظَ هذا الفيلم بالتقدير ذاته في فئة أفلام الجريمة والإثارة، وهو أمر مؤسف حقاً.
يتفوق الفيلم على زمنه من الناحية الموضوعية، إذ يعرض هيكلية صارمة للجريمة المنظمة، ولا يزال تصويره للإدمان وأعراض الانسحاب صادقاً حتى اليوم، بل كان جريئاً جداً بمعايير عام 1955. يُعد الفيلم درساً احترافياً في الدقة والتنفيذ، ويقف اليوم كواحد من أروع أفلام الإثارة الفرنسية التي عُرضت على الشاشة.
2. Paris Pick-Up (1962)

يُعد هذا العمل بلا شك أحد أفلام عيد الميلاد البديلة الأقل شهرة، ولكنه يستحق الإضافة إلى قائمتك لهذا العام إن لم تشاهده بعد. يقضي السجين السابق روبرت (روبرت حسين) ليلة عيد الميلاد مع امرأة متزوجة، ولكن عندما يعودان إلى شقتها، يجدان زوجها ميتاً على الأريكة. تتوالى الأحداث طوال الليل، وتختفي الجثة؛ مما يوقع روبرت في ورطة حقيقية، ويجعله يتساءل عما يحدث بالضبط.
يحمل التأسيس والتنفيذ طابعاً هيتشكوكياً بلا أدنى شك، لكن فيلم مارسيل بلوال يحتفظ بهويته المستقلة تماماً. يستلهم المخرج بعض العناصر من هيتشكوك، غير أنه يبني تشويقه الخاص، تاركاً للجمهور مهمة اكتشاف حقيقة ما يجري بأنفسهم.
يضفي حصر الأحداث في ليلة واحدة شعوراً بالاحتجاز واليأس على مجريات القصة، مما يصعد من حدة التوتر، في حين تتحول الشقة ذاتها إلى شخصية مستقلة بحلول نهاية الفيلم. إنه عمل سينمائي ممتاز لم ينل حظه من المشاهدة، ويستحق أن ينضم إلى قائمة أفلامك في موسم الأعياد هذا العام.
3. Gang War in Milan (1973)

يُقدم هذا الفيلم نموذجاً لمدى روعة النوع السينمائي الفرعي المعروف باسم “بوليزيوتيسكو”. يركز هذا الأسلوب البوليسي، الذي برز في إيطاليا خلال السبعينيات، على بائع خضار يُدعى سالفاتور “توتو” كانجيمي، والذي يعمل أيضاً قواداً. وعندما يصل تاجر مخدرات فرنسي لا يرحم يُعرف باسم “الكابتن” إلى المدينة ويحاول إجبار فتيات توتو على بيع الهيروين، يرفض توتو ذلك؛ وهو قرار يؤدي كما هو متوقع إلى حرب عصابات متصاعدة.
يتألق أنطونيو ساباتو بواقعية مذهلة في دور توتو، بينما يجسد فيليب ليروي شخصية “الكابتن” بخبث متقن، ليضفيا معاً طابعاً عنيفاً على فيلم الاستغلال الذي أخرجه أومبرتو لينزي والذي يميل إلى النوار الأمريكي. يوظف الفيلم السرد ليُظهر الثنائي الرئيسي كوجهين لعملة واحدة، وهي سمة ستبرز لاحقاً في أفلام مايكل مان، أحد أساتذة هذا النوع السينمائي في العصر الحديث.
لا يتسم الفيلم بالدقة المتناهية ولا يحاول التظاهر بذلك؛ بل هو فيلم إثارة “بوليزيوتيسكو” قذر ومباشر لا يرحم أحداً.
4. Killer Cop (1975)

ينتمي هذا العمل أيضاً إلى فئة “بوليزيوتيسكو”، وهو من إخراج لوتشيانو إركولي، ويستند إلى تفجير ساحة فونتانا الذي وقع في ميلانو عام 1969. يقع الانفجار في فندق أثناء مؤتمر دولي، وما يعقبه يتحول إلى معركة ضد البيروقراطية والسياسة، إذ يحاول محقق المخدرات ماتيو رولاندي (بأداء ممتاز من كلاوديو كاسينيلي) كشف الحقيقة في حين يسعى كل من حوله لطمسها.
قد يوحي عنوان الفيلم بأنه مجرد عمل عنيف ورخيص، ولا شك في الطبيعة المزعجة لبعض مشاهده، بما في ذلك استخدام لقطات حقيقية لجنازات من تلك الحقبة، لكن فيلم إركولي يُعد عملاً بوليسياً رائعاً يقدم رؤية مذهلة للمشاكل الداخلية التي تعرقل القضايا، في ظل الضغوط التي تفرضها سلسلة القيادة.
يبدو الفيلم أحياناً وكأنه استثناء في هذا النوع السينمائي الفرعي، إذ يتسم بضبط النفس والهدوء مقارنة بأقرانه. ولهذا السبب ولأسباب أخرى كثيرة، فإنه يستحق وقتك.
5. Like Rabid Dogs (1976)

يركز فيلم ماريو إمبيرولي على توني، الشاب الذي يقضي وقت فراغه في ملاحقة وقتل بائعات الهوى بمساعدة صديقين. سبق هذا العمل فيلم Vittorio Salerno’s Savage Three (1975)، والذي تناول أيضاً أعمال عنف وحشية عشوائية يرتكبها شباب مضطربون نفسياً ومحبطون. ويختار إمبيرولي التوسع في الطبيعة الصادمة لأفلام الدرجة الثانية، بما في ذلك مشهد وحشي يُجبر فيه الجناة زوجين مرعوبين على ممارسة الجنس تحت تهديد السلاح، مما يمنحه طابعاً يشبه فيلم Kubrick’s A Clockwork Orange (1971) ولكن بأسلوب أفلام العنف الرخيصة.
غير أن الفيلم يُعد عملاً خاماً وجريئاً، ورغم قسوة مشاهدته، يبرز فيلم إمبيرولي كعمل فني شجاع ومتهور. قسا النقاد في البداية على الفيلم، زاعمين أن إيحاءاته الفاشية تثير المشاكل؛ إلا أن جمهور السينما شعر عموماً بارتباط كئيب بتصوير الفيلم للمخاوف الاجتماعية في تلك الحقبة.
6. Night of the Juggler (1980)

يمارس الشرطي السابق شون بويد (جيمس برولين) حياته اليومية في نيويورك عندما تُختطف ابنته من الشارع على يد مختطف مضطرب نفسياً يُدعى غاس (كليف جورمان). تكمن المشكلة في أن غاس اختطف الطفلة الخطأ، إذ كان من المفترض أن يستهدف ابنة مطور عقاري ثري، وليس ابنة شرطي.
ينفجر الفيلم، الذي أخرجه روبرت باتلر، بالإثارة والحركة، ليتحول إلى مطاردة لا هوادة فيها عبر شوارع نيويورك، حيث يحاول بويد استعادة ابنته بينما يواجه في الوقت ذاته قوات شرطة تشكل عائقاً أكثر من كونها عوناً. صُوّر الفيلم بأكمله في مواقع حقيقية في نيويورك أواخر السبعينيات، ويقدم نظرة بائسة وقذرة للشوارع الخلفية والأزقة، مجسداً المدينة بأسلوب قاسٍ وأصيل. يتألق برولين في دور البطولة وهو يطارد المختطف، ويُعد الفيلم في جوهره فيلم مطاردة طويلاً ورائعاً بامتياز.
لم يُتح فيلم باتلر على نطاق واسع إلا مؤخراً، وهو عمل يغوص في جنون الارتياب الحضري لتلك الحقبة بنتائج مبهرة في كثير من الأحيان.
7. The Man from Majorca (1984)

أثبت بو فيديربيرغ براعته الإخراجية قبل هذا الفيلم، وتحديداً في رائعته The Man on the Roof عام 1976. وفي هذا الفيلم المقتبس عن رواية The Pig Party للكاتب ليف جي. دبليو. بيرسون، يوسع المخرج الفرضية البسيطة لعمله السابق ليصنع فيلم إثارة ومؤامرة يغمره جنون الارتياب، ويرسم صورة كئيبة للفساد الممنهج.
يستجيب محققان لعملية سطو نهاري على مكتب بريد في يوم القديسة لوسي، ولكن بعد السرقة، يُقتل شاهدان، مما يدفع ضابطي الشرطة يارنيبرينغ ويوهانسون للتحقيق. ومع تعمقهما في القضية، يكتشفان شبكة من الفساد وفضيحة سياسية تهدد بهز أركان الحكومة السويدية. ورغم أن القصة قد تبدو مشابهة للعديد من أفلام الإثارة والمؤامرة التي سبقتها في السبعينيات، إلا أن فيديربيرغ يقدم للجمهور ما يفوق ذلك بكثير.
لا يقتصر تميز الفيلم على كونه مشوقاً بحق، بل إن ديناميكية الشرطيين الزميلين التي يوظفها تعمل بشكل جيد للغاية، إلى جانب عناصر النوار الأكثر جدية. قد لا يكون فيديربيرغ اسماً مألوفاً للجميع، لكن هذا العمل يمثل صناعة سينمائية ممتازة، وتستحق أعماله اكتشافاً أوسع.
8. Yakuza Graveyard (1976)

يتألق تيتسويا واتاري في دور المحقق المتمرد كورويوا في فيلم العصابات للمخرج كينجي فوكاساكو؛ وهو شرطي فاسد أخلاقياً يُنقل إلى أوساكا في خضم حرب دموية بين فصيلين من الياكوزا. يدعم رؤساؤه جانباً معيناً، فيفعل هو العكس، ويتقرب من زعيم الفصيل الآخر، ويقع في حب أرملة رجل قتله، وينشر الفوضى أينما حل.
ليس من المستغرب القول إن أحداً لا يخرج من هذه المعركة بصورة مشرفة؛ فالياكوزا والشرطة فاسدون على حد سواء، وهذا هو الجوهر الحقيقي لفيلم فوكاساكو المثير. يُثبت فوكاساكو، المعروف بسلسلة أفلامه Battles Without Honour and Humanity، أن نجاحه لم يكن وليد الصدفة؛ إذ يقف هذا الفيلم بثبات إلى جانب تلك السلسلة ضمن مسيرته الفنية المبهرة. يضعك التصوير السينمائي بالكاميرا المحمولة باليد في قلب الفوضى، وبمدة لا تتجاوز 90 دقيقة، يتسم الفيلم بالقصر والسرعة والإلحاح.
9. The Nile Hilton Incident (2017)

حصد هذا الفيلم جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان صندانس، ويسهل إدراك السبب. يستلهم فيلم الإثارة الرائع للمخرج طارق صالح أحداثه من جريمة قتل حقيقية، ويستحق المقارنة بأفلام مثل Chinatown و L.A Confidential، إذ يناقش الفساد في مصر قبل ثورة 2011.
بعد العثور على مغنية مذبوحة في فندق النيل هيلتون بالقاهرة، يُكلف الشرطي نور الدين (فارس فارس) بطمس معالم القضية، لكن الخيوط تقوده إلى رجل أعمال نافذ مرتبط بالنظام ويتمتع بحصانة برلمانية. تجري هذه الأحداث قبيل انتفاضة ميدان التحرير عام 2011، حيث تتصاعد الاحتجاجات في الخلفية بينما يجد نور الدين نفسه عاجزاً عن إغلاق الملف بالسهولة المتوقعة.
يبدع فارس في دور البطولة؛ فالقضية أبعد ما تكون عن صراع أخلاقي بسيط بين الخير والشر، وينجح ببراعة في إقناع الجمهور بحجم الضغوط التي يواجهها. تضفي الثورة التي تتبلور في الخلفية بُعداً أصيلاً آخر على الأحداث، ليظل فيلم صالح واحداً من أروع أفلام الإثارة في هذا العقد، رغم أنه لم يحظَ للأسف بمشاهدة واسعة حتى الآن.
10. Red Rooms (2023)

يضفي المخرج الكندي باسكال بلانت لمسة متجددة على النوع السينمائي الخاص بالقتلة المتسلسلين في هذا الفيلم المحكم والمكتوب ببراعة، والذي يرتكز على أداء ممتاز من جولييت غاريبي. تجسد جولييت شخصية كيلي آن، عارضة الأزياء التي تبدو مهووسة بالمحاكمة الجارية للقاتل المتسلسل لودوفيك شوفالييه (ماكسويل مكابي لوكاس). يُتهم شوفالييه باختطاف وتعذيب ثلاث مراهقات في “غرفة حمراء” – وهو موقع إلكتروني تُبث فيه مقاطع القتل والتعذيب مباشرة لمن يدفعون العملات المشفرة مقابل هذا “الامتياز”.
يظل سبب هوس كيلي آن بهذه القضية غامضاً طوال معظم أحداث الفيلم، وتلك إحدى أبرز نقاط قوة الفيلم. تلتقي بكليمنتين (لوري بابين)، وهي مهووسة بالقتلة المتسلسلين، ولا تتردد في التعبير بصوت عالٍ عن قناعتها ببراءة شوفالييه أمام الصحفيين المنتظرين خارج قاعة المحكمة. تنشأ بينهما صداقة غريبة؛ إذ تتسم كيلي آن بالغرابة حتى عندما تكون بمفردها، وهو حالها في أغلب الأوقات. تعيش وحيدة، وتقضي وقتها تقريباً أمام نظام حاسوبها المتطور والمحمي بشدة؛ ولكن حتى اللحظات الأخيرة من الفيلم، تظل دوافعها غامضة ومبهمة.
يُعد الفيلم عملاً مبهراً للغاية، ويحافظ على جاذبيته المستمرة، مما يدفعك للتساؤل دائماً عن مساره وأهدافه. يكشف بلانت عن القصة بأسلوب أصيل تماماً، وإذا فاتتك مشاهدته حتى الآن، فقد حان الوقت لتدارك ذلك.

