إن صناعة أفلام رياضية عظيمة ليست بالمهمة اليسيرة، وحين يتعلق الأمر باللعبة الأكثر شعبية على كوكبنا، فإن التجسيد السينمائي لم يكن منصفاً لها على الدوام. كرة القدم، تلك الرياضة التي تأسر الخيال وتوحد الشعوب، وتمنح الفرح والألم بمقادير متساوية؛ هل يمكننا قول الشيء ذاته عن تمثيلها على الشاشة الفضية؟
ومع اقتراب بطولة كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، يبدو هذا التوقيت مثالياً لاستعادة بعض من أفضل ما قدمته السينما عن اللعبة الجميلة، سواء كانت أفلاماً وثائقية مذهلة، أو محاكاة ساخرة مضحكة، أو أعمالاً درامية رفيعة المستوى. تقدم هذه الأفلام العشرة مقاربات متباينة للساحرة المستديرة، وتستحق جميعها المشاهدة.
1. Gregory’s Girl (1980)

يبرز بيل فورسيث كأحد ألمع المخرجين البريطانيين، إذ أخرج روائع كلاسيكية مثل Local Hero (1983) والتحفة الميلادية البديلة Comfort & Joy (1984). وقبل هذين العملين، قدم لنا Gregory’s Girl (1980)، وهو فيلم بديع ينتمي لسينما النضج والنشأة، ويتناول العلاقة الناشئة بين تلميذ اسكتلندي خجول يُدعى غريغوري (جون غوردون سينكلير) ودوروثي (دي هيبورن).
تلعب دوروثي دور المهاجمة الجديدة في فريق كرة القدم، لتنشأ سلسلة من المواقف المحرجة والساحرة والكوميدية في آن واحد، بينما يحاول غريغوري لفت انتباهها. لا تشكل كرة القدم المحرك الأساسي لبنية السرد، لكنها توفر خلفية مثالية لحكاية فورسيث عن الرومانسية المراهقة، وهي حكاية حافظت على جاذبيتها لعقود.
تبدو الكوميديا الجافة التي تميز بها فورسيث واضحة هنا، وهي السمة التي تطورت في أعماله اللاحقة. ومع أن هذا العمل قد لا يكون الخيار الأكثر تقليدية في قائمة الأفلام الرياضية، فإنه يجد مكانه الطبيعي تماماً كحال سينما فورسيث الفريدة.
2. Escape to Victory (1981)

لا يمكن لأي قائمة سينمائية عن كرة القدم أن تكتمل دون كلاسيكية المخرج جون هيوستن الصادرة عام 1981، على الرغم من عيوب الفيلم الواضحة. يؤدي بطولة العمل كل من سيلفستر ستالون، ومايكل كين، وبيليه، وبوبي مور، وأوزي أرديليس، ويروي قصة مجموعة من أسرى الحرب من قوات الحلفاء إبان الحرب العالمية الثانية، يُجبرون على خوض مباراة استعراضية ضد فريق ألماني لخدمة الدعاية النازية.
نعلم جميعاً كيف تسير الأحداث حين يخطط الأسرى لهروب جريء تحت غطاء المباراة، غير أن Escape to Victory (1981) يتجاوز مجرد كونه توليفة من العناصر المعتادة، ليظل عملاً حماسياً (وإن كان مبالغاً فيه بشدة) يجسد سينما الهروب من الواقع في زمن الحرب. قد تبدو مشاهد كرة القدم مضحكة وغير واقعية كما هو متوقع، كما أن جودة التنفيذ تثير التساؤلات أحياناً، لكن من الصعب على أي مشاهد ألا يرى في فيلم جون هيوستن مغامرة سينمائية ممتعة للغاية.
3. Mike Bassett: England Manager (2000)

“ستلعب إنجلترا بخطة 4-4-2 اللعينة!”؛ هذه الصرخة الأيقونية لمايك باسيت ليست بالعبارة التي قد نسمعها من توماس توخيل، أو من أي مدرب آخر في بطولة كأس العالم المقبلة. لقد اندثر هذا الأسلوب الكروي تماماً مع بزوغ فلسفة بيب غوارديولا القائمة على الاستحواذ وبناء اللعب من الخلف.
لكن في تسعينيات القرن الماضي، كان هذا الأسلوب مرادفاً للدوري الإنجليزي الممتاز والكرة الإنجليزية عموماً. يقدم المخرج ستيف بارون محاكاة ساخرة ومضحكة لـ «المهمة المستحيلة» -أي تدريب المنتخب الإنجليزي- في عمل يتسم بالعبثية والكوميديا، ويطرح هجاءً دقيقاً على نحو مفاجئ لثقافة المشجعين الإنجليز والحملات الإعلامية. ويتألق ريكي توملينسون في دور مايك باسيت، الرجل الذي عُيّن مدرباً للمنتخب بعد سلسلة من المصادفات الغريبة، ليتولى مهمة قيادة الفريق الوطني إلى كأس العالم.
إنه عرض فوضوي ومبالغ فيه يتعمد السخافة، ومع ذلك فإنه يلامس الواقعية والدقة عند تناول الضغوط والهالة الأسطورية المحيطة بمنصب مدرب إنجلترا، وهو ما يجعله جديراً بالمشاهدة مع اقتراب كل بطولة كبرى. لا يوجد بلد آخر في العالم يواجه فيه قطاع كرة القدم رقابة إعلامية صارمة مثل إنجلترا، ويأتي فيلم بارون ليقدم تجسيداً فعالاً ومدهشاً لهذا واقع.
4. Shaolin Soccer (2001)

يجمع راهب شاولين سابق شمل إخوته المتباعدين من ممارسي الفنون القتالية لتشكيل فريق كرة قدم يدمج تقنيات الكونغ فو القديمة باللعبة الحديثة، ليخوضوا بطولة عالية المخاطر يواجهون فيها خصوماً غريبي الأطوار وقدرات كروية خارقة للطبيعة، في هذا الفيلم الممتع للغاية للمخرج ستيفن تشو.
يمثل هذا العمل أحد أكثر الأفلام الكوميدية الرياضية ابتكاراً في تاريخ السينما، إذ يمزج بين كوميديا الحركة وفانتازيا الفنون القتالية واستعراض كرة القدم، لينتج عملاً فريداً من نوعه. يبدو الفيلم في كثير من الأحيان أشبه بلعبة رياضية من ألعاب «سوبر ماريو»، حيث تتصاعد المباريات لتتحول إلى معارك شبه ملحمية، بينما تظل كرة القدم كرياضة حاضرة في الخلفية.
نال Shaolin Soccer (2001) إشادة مستحقة عند عرضه، وتميز بنقطة جذب فريدة تكمن في عدم حاجة المشاهد للاهتمام بكرة القدم ليستمتع بالفيلم. كما جذب عشاق الفنون القتالية بفضل الإبهار البصري الذي نال إعجاب الجماهير حول العالم.
5. Bend It Like Beckham (2002)

يظل Bend It Like Beckham (2002) واحداً من أفضل الأفلام الكوميدية البريطانية في القرن الحادي والعشرين. يروي فيلم المخرجة غوريندر شادها الرائع قصة فتاة بريطانية من أصول هندية تُدعى جيس بهامرا، تنضم سراً إلى فريق محلي لكرة القدم النسائية متجاوزةً توقعات عائلتها المحافظة. وتتشارك بطولة الفيلم بارميندر ناغرا في دور جيس وكيرا نايتلي في دور صديقتها جولز، في دورين شكلا انطلاقتهما الفنية الكبرى. يوازن هذا العمل المؤثر بين الكوميديا والدراما الرياضية واستكشاف الهوية الثقافية، وهو موضوع نادراً ما طُرح على الشاشة قبل فيلم شادها.
مر قرابة عقد من الزمن قبل تأسيس الدوري الممتاز للسيدات في إنجلترا، ومع أنه لا يمكن الجزم بأن الفيلم ترك أثراً مباشراً في ذلك، فإنه قدّم فكرة الدوريات النسائية المنظمة لجمهور لم يسبق له أن شاهد ترويجاً لها في المجال العام.
حظيت كيرا نايتلي بعقد حافل تالياً شاركت خلاله في بطولة العديد من الأفلام الضخمة، ومع ذلك قد يظل دورها في Bend It Like Beckham (2002) الأهم والأفضل في مسيرتها حتى الآن، في حين انتقلت ناغرا لتلعب دور البطولة في عدة مواسم من المسلسل الشهير إي آر (ER).
6. Zidane: A 21st Century Portrait (2006)

صُوّر الفيلم الوثائقي التجريبي للمخرجين دوغلاس غوردون وفيليب بارينو خلال مباراة واحدة في الدوري الإسباني بين ريال مدريد وفياريال، حيث ركزت كاميرات متعددة عدساتها حصرياً على الأسطورة الفرنسي. يحول الفيلم مباراة كرة قدم اعتيادية إلى لوحة فنية، ورغم أن بعض النقاد (وكثير منهم لم يكونوا من عشاق اللعبة) عارضوا الفكرة، فإن آخرين رأوا فيه وثيقة سينمائية هامة ومبتكرة تخلد أحد أعظم لاعبي كرة القدم عبر التاريخ.
كان زيدان قد توج بكأس العالم مع فرنسا عام 1998 ثم ببطولة أمم أوروبا عام 2000، وهي البطولة التي هيمن عليها تماماً أثناء مسيرته المحلية في إيطاليا مع يوفنتوس. وفي عام 2001، انتقل إلى العملاق الإسباني ريال مدريد، معلناً بداية الحقبة الشهيرة بـ «الغالكتيكوس»، حيث انضم ديفيد بيكهام ولويس فيغو ورونالدو وغيرهم إلى الفريق.
يمثل فيلم Zidane: A 21st Century Portrait (2006) تجربة بصرية تستحق التأمل، لا سيما لمن يدرك عبقرية زيدان. ووضعت فرقة البوست روك «موغواي» الموسيقى التصويرية للفيلم، وهو خيار تناغم تماماً مع الأجواء العامة للعمل. ولعل المفارقة الساخرة تكمن في طرد زيدان إثر مشاجرة في أواخر المباراة، قبل أن يُطرد مجدداً في صيف العام ذاته في نهائي كأس العالم بسبب نطحته الشهيرة لماركو ماتيراتزي، لتخسر فرنسا أمام إيطاليا بركلات الترجيح.
7. Looking for Eric (2009)

يؤدي لاعب كرة قدم عبقري آخر، ذو تاريخ حافل بالمشاغبات، دوراً كبيراً في فيلم المخرج كين لوتش الرائع Looking for Eric (2009). يجد ساعي بريد متعثر في مانشستر يُدعى ستيف حياته تخرج عن السيطرة مع تفاقم المشاكل العائلية والديون وأزمة الثقة التي تكاد تعصف به، وفي أحلك لحظاته، يبدأ في تلقي نصائح من ملهمه الكروي إريك كانتونا، الذي يظهر بشخصيته الحقيقية ليرشد ستيف ويتجاوز معه محنته.
يستثمر لوتش المكانة الأسطورية لكانتونا كرمز لمدينة مانشستر ليستكشف حياة الطبقة العاملة وقوة الترابط المجتمعي. لا تُعد هذه الثيمات غريبة على سينما لوتش، لكن توظيفه للاعب السابق بهذه الطريقة مكنه من تقديم عمل أصيل يلامس فكرة جوهرية مفادها أن الأثر الأكبر لكرة القدم غالباً ما يتجلى خارج المستطيل الأخضر.
ومما ساعد في نجاح العمل قدرة كانتونا على التمثيل وتقديمه أداءً رائعاً يجسد فيه نسخة مشاكسة من نفسه، حيث يلقي نصائح فلسفية تذكرنا بمؤتمره الصحفي الشهير عام 1995 حين قال عبارته المأثورة: «طيور النورس تتبع سفن الصيد»، وإن بدت نصائحه هنا أكثر سوداوية وشجناً.
8. The Damned United (2009)

قد يظل فيلم المخرج توم هوبر الدرامي الرائع عن فترة تدريب برايان كلوف العصيبة لنادي ليدز يونايتد، والتي استمرت 44 يوماً فقط، أفضل أعماله السينمائية. ويعود جزء كبير من نجاح الفيلم إلى الأداء المذهل الذي قدمه مايكل شين في دور كلوف، حيث جسد شخصية المدرب البريطاني الشهير ببراعة متناهية وتفاصيل دقيقة.
يروي فيلم The Damned United (2009)، المقتبس عن كتاب ديفيد بيرس الرائع، المهمة المستحيلة التي واجهها كلوف لترويض لاعبي ليدز يونايتد بعد انتقاده المتكرر لأسلوب لعبهم ولمدربهم السابق دون ريفي، قبل أن يتولى تدريب النادي عقب انتقال ريفي لتدريب المنتخب الإنجليزي. ورغم أن الكثيرين اعتبروا كلوف أفضل مدرب لم يحظَ بفرصة تدريب منتخب إنجلترا، فإنه رفض التراجع أو تغيير أساليبه، مصراً على جعل ليدز يلعب كرة القدم بالطريقة التي يراها مناسبة.
ويقدم تيموثي سبال أداءً ممتازاً في دور بيتر تايلور، مساعد كلوف في نوتينغهام فورست، وينضم إليهما كولم ميني، وجيم برودبنت، وستيفن غراهام، ليكتمل طاقم التمثيل الرائع الذي يجعل من The Damned United (2009) متعة بصرية خالصة وأحد أفضل الأفلام الكروية في تاريخ السينما.
9. The Class of ‘92 (2013)

يتتبع هذا الفيلم الوثائقي صعود واحد من أنجح الفرق الرياضية في التاريخ؛ إذ يرصد مسيرة ستة خريجين شباب من أكاديمية مانشستر يونايتد: رايان غيغز، وديفيد بيكهام، وغاري وفيل نيفيل، وبول سكولز، ونيكي بات، مقتفياً رحلتهم من مراهقين موهوبين إلى رموز رياضية عالمية.
وفي ظل التغيرات الاجتماعية والثقافية الهائلة التي شهدتها بريطانيا خلال تسعينيات القرن الماضي، يستكشف الوثائقي كيف نجح هذا الجيل الاستثنائي في إحداث تحول جذري في مسار النادي -تحت قيادة المدرب الأسطوري السير أليكس فيرغسون- وفي واقع كرة القدم الإنجليزية ككل.
ورغم النجاحات الهائلة التي حققها الفريق، يركز الفيلم على روابط الصداقة بين اللاعبين بقدر تركيزه على الألقاب، مما يثمر عملاً مشوقاً وعميقاً. وحتى لو كنت على دراية بتفاصيل هذه الحكاية، فإن The Class of ‘92 (2013) يحمل في طياته الكثير من التفاصيل والمعلومات الجديدة.
وحتى بالنسبة لمن لا يشجعون مانشستر يونايتد، يظل الفيلم دراسة سينمائية ممتعة للموهبة والفرص والصداقة التي لا تنمحي.
10. Diego Maradona (2019)

كان المخرج آصف كاباديا قد قدم لنا بالفعل إبداعاً رياضياً على الشاشة عبر فيلمه الوثائقي المذهل Senna (2010)، لذا لم يكن مستغرباً أن يأتي فيلمه الوثائقي الصادر عام 2019 عن الأسطورة دييغو مارادونا بذات القدر من الروعة والإتقان.
وباعتماد الفيلم على مئات الساعات من لقطات الأرشيف، والتي لم يُعرض الكثير منها من قبل، يؤرخ الوثائقي لسنوات مارادونا الاستثنائية في نادي نابولي، حيث أحدث ثورة في الفريق والمدينة بأكملها. إذ حظي بمكانة تقارب القداسة عند وصوله إلى نابولي، وقاد الفريق للفوز بلقب الدوري الأول له منذ عقود، قبل أن ينغمس في دوامة الملاحقات الإعلامية، والجريمة المنظمة، وصراعاته الشخصية التي بدأت تهدد مسيرته وحياته على حد سواء.
تبدو المادة الأرشيفية التي نجح كاباديا في الحصول عليها مذهلة، وتثير عملية ترميمها الإعجاب بشكل أكبر، حيث تشعر مع كل ركلة للكرة وكأنها تداعب حواسك مباشرة. إذا كنت لا تعرف شيئاً عن حقبة مارادونا في نابولي، فإن مشاهدة هذا العمل تصبح ضرورة ملحة، وحتى إن لم تكن من محبي الرياضة، فإنه يستحق وقتك بلا شك.
