تخطى إلى المحتوى
مذاق السينما

أكثر 10 أفلام غير مقدرة للنجم هامفري بوغارت

حجم الخط:
أكثر 10 أفلام غير مقدرة للنجم هامفري بوغارت

نشأ هامفري بوغارت، أحد ألمع نجوم العصر الذهبي لهوليوود والوجه الأبرز لسينما الفيلم نوار (إلى جانب إدوارد جي روبنسون بالطبع)، في حقبة مضطربة من التاريخ الأمريكي، ضمن عائلة من الطبقة المتوسطة العليا ذات تطلعات كبيرة. تنقل بوغارت بين مسارات مهنية متباينة، لعل أشهرها خدمته كبحار عسكري، وهي الفترة التي يُقال إنه أصيب فيها بنُدبته الشهيرة على وجهه، وإن كانت تفاصيل هذه الواقعة محل جدل حتى اليوم.

استقر به المطاف أخيرًا في مسارح نيويورك، حيث حقق نجاحًا لافتًا قاده إلى أدوار في السينما والإذاعة، رغم أن الاستوديوهات لم تكن تراه مؤهلاً لأدوار البطولة المطلقة. وطوال فترة تعاقده مع شركة “وارنر براذرز” في الثلاثينيات، انحصرت مشاركاته في أدوار رجال العصابات والمرضى النفسيين. غير أن تحولاً غريبًا قد طرأ؛ فبينما لم يكن مسؤولو الاستوديو يفضلونه، أغدق عليه النقاد والجمهور بالثناء. وفي تلك الأثناء، ساهم النجم الصاعد جورج رافت (بطل فيلم سكارفيس)، بدافع من غروره، في تغيير مسار مسيرة بوغارت المهنية دون قصد؛ إذ رفض رافت تجسيد الأدوار الرئيسية في فيلمي “High Sierra” (1941) و Maltese Falcon” (1941). سارع بوغارت باقتناص الفرصتين، ليتحول فورًا إلى أحد أكثر الممثلين إثارة وجذبًا للجمهور في قائمة نجوم وارنر براذرز.

قال الروائي الشهير ريموند تشاندلر عن هامفري بوغارت: “كل ما كان عليه فعله للسيطرة على أي مشهد هو مجرد الدخول إليه”. وهنا تكمن جاذبيته الخاصة؛ فقد كان رجلاً غريب الملامح، لكن الكاميرا عشقته، وعرف هو كيف يطوعها لصالحه. تدرج بوغارت من أدوار ثانوية يسرق فيها الأضواء في الثلاثينيات، إلى أدوار البطولة المطلقة التي تصدرت الأفيشات طوال الأربعينيات، وصولاً إلى حضور قوي وخاطف في الخمسينيات، قبل أن يغيبه الموت مبكرًا إثر إصابته بالسرطان عام 1957.

تمتع بوغارت بحضور طاغٍ مكنه من تملك أي شخصية يؤديها، وإن كانت الذاكرة السينمائية قد حفظت له شخصية الرجل الخشن والمهيمن في أفلام فارقة مثل “كازابلانكا” و “كنز السييرا مادري” و “كي لارجو” و “النوم الكبير” و “The African Queen” و “أن تملك وألا تملك”. ومع ذلك، امتلك هذا الممثل قدرة مذهلة على تقديم مختلف الألوان من الكوميديا إلى الرومانسية. ولأن محطاته الكبرى كانت شديدة التأثير، فقد حجبت الكثير من أعماله الأخرى؛ لذا نستعرض هنا بعض الجواهر الخفية التي قدمها خلال مسيرته الأسطورية القصيرة في القمة.

1. Dead End (1937)

بعد أن ترك أثرًا بالغًا لدى النقاد والجمهور في فيلم Petrified Forest” (1936)، بدأ نجم بوغارت في الصعود. كان هذا المشروع يهدف في الأصل إلى إطلاق مسيرة مجموعة الفتيان المعروفة بـ “أطفال الطريق المسدود”، إلى جانب الثنائي الرومانسي جويل مكري وسيلفيا سيدني، لكن لسوء حظهم (ولحسن حظنا بالطبع)، هيمن بوغارت تمامًا على العمل بأدائه لشخصية الخصم.

تدور الأحداث على مدار يوم واحد في الأحياء الفقيرة المطلة على النهر في نيويورك، والتي بدأت تجتذب الأثرياء لإعادة إعمارها. نتتبع خطوط الحبكة المتداخلة التي تضم مجموعة من الفتيان المشردين، ومهندسًا معماريًا فاشلاً (مكري)، وقصة حب مع فتاة من الحي (سيدني). غير أن الجانب الأكثر إثارة في السرد يتمثل في قصة مجرم سيئ السمعة (بوغارت) يعود إلى حيه القديم.

ورغم أن بوغارت يمثل الحبكة الثانوية، على غرار ما حدث في “The Petrified Forest”، فإن حكاية هذا الشرير تنجح في اختطاف الأضواء؛ إذ يمر رجل العصابة بتحول درامي من الكبرياء الزائف إلى الخيبة المريرة. فبينما كان يتوقع استقبال الفاتحين عند عودته، يصطدم بأم تمقت ما صار إليه، ومحاولات لإحياء حب الطفولة لا تسفر إلا عن استغلال مادي من جانب حبيبته السابقة. يندفع بوغارت في مسار تدمير ذاتي يتوج بنهاية مصورة ببراعة بصرية لافتة.

تزداد جاذبية الفيلم بفضل إخراج ويليام وايلر (مخرج فيلمي “بن هور” و”الساعات اليائسة”) وتصوير غريغ تولاند (مصور فيلم “المواطن كين”)؛ إذ يتميز العمل بجماليات بصرية مذهلة، لا سيما عند غروب الشمس فوق المباني السكنية المتهالكة، حيث يرسم الاثنان ملامح المكان بالضوء والظلال. وتأتي مطاردة الأقدام وتبادل إطلاق النار بين بوغارت ومكري في النهاية مبتكرة ومثيرة بفضل الإبداع المشترك بين صناع العمل.

ورغم أن الفيلم نال ترشيحًا لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم في وقته، إلا أنه سقط من الذاكرة بمرور الزمن، ربما لأن بوغارت لم يكن البطل الرئيسي فيه. ومع ذلك، يظل هذا العمل أحد أفضل أفلامه في أواخر الثلاثينيات، وهي الفترة التي كان يبني فيها سمعته كممثل غامض ومقنع على الشاشة، إلى جانب أعمال أكثر شهرة مثل “العشرينيات الصاخبة” و Petrified Forest” (1936).

2. Black Legion (1937)

Black Legion (1937)

في العام نفسه الذي شهد صدور فيلم Dead End (1937)، قدم بوغارت دور بطولة متميزًا في هذا الفيلم الذي تناول قضية شائكة ومثيرة للجدل في ذلك الوقت، مستندًا إلى أحداث حقيقية. ويعد هذا العمل محطة أساسية لمشاهدة بوغارت في مرحلة ما قبل النجومية المطلقة.

يجسد بوغارت شخصية عامل مصنع شريف ورب أسرة في بلدة أمريكية صغيرة، يتملكه الإحباط والغل بعد تجاوزه في الترقية لصالح مهاجر بولندي. يقع العامل في براثن جماعة “الفيلق الأسود”، وهي حركة منشقة عن منظمة “كوكلوكس كلان”، ليسلك مسارًا مأساويًا تحت تأثير تلاعبهم به بشتى الطرق.

بعد سنوات من تقديم الأدوار المساعدة غير المتوقعة، كان هذا الفيلم أول دور بطولة حقيقي يحصل عليه بوغارت، ولم يكن مستغربًا أن يقدم أداءً يأسر الألباب. نتتبع هذا الرجل المخلص وهو يتحول إلى شخص ناقم وعنيف، يدير ظهره لعائلته وأصدقائه، ومع ذلك نجد أنفسنا نتعاطف معه ونفهم كل خطوة مظلمة يخطوها نحو الهاوية. تظهر قوة بوغارت كممثل هنا بكل جلاء؛ فبينما اعتمد معظم أقرانه المشاهير على الأداء المسرحي والاستعراضي، نجح هو في تقديم أداء واقعي يلمس الوجدان، دون أن يخشى إظهار الجوانب القبيحة للشخصية، وصولاً إلى الخاتمة المأساوية المؤثرة في المشهد الأخير للفيلم. ومن المثير للدهشة أنه لم يتلق عروضًا تنهال عليه من كل حدب وصوب بعد هذا العمل، لكنه كان ممثلاً يسبق عصره، وكان على السينما أن تلحق به أولاً.

تولى المخرج آرشي مايو (مخرج فيلم “The Petrified Forest”) إخراج العمل، ورغم أنه كان الأقل تميزًا من الناحية البصرية بين المخرجين الذين تكرر تعاون بوغارت معهم، إلا أنه عرف كيف يوجه الكاميرا ببساطة نحو الممثل دون تشتيت، مما جعل الفيلم بمثابة منصة استعراضية لقدرات بوغارت التمثيلية المبكرة.

ومن المثير للاهتمام أن المخرج مايكل كورتيز (مخرج فيلمي “كازابلانكا” و”لسنا ملائكة”) شارك في بعض الأعمال الثانوية بالفيلم، ليكون هذا التعاون الأول غير الرسمي، من أصل ثمانية تعاونات جمعته بالممثل الشهير.

3. All Through the Night (1942)

All Through the Night (1942)

بحلول عام 1941، حقق بوغارت نجاحًا ملحوظًا لدى النقاد وفي شباك التذاكر، ومع ذلك كانت شركة وارنر لا تزال تبحث عن الصيغة المناسبة لتوظيف موهبته. أدى ذلك إلى اختياره لبطولة هذا الفيلم الكوميدي التشويقي الغريب والممتع للغاية، والذي ظهر فيه الممثل بأداء مختلف تمامًا عما اعتاده الجمهور (ومن الملاحظات المثيرة للاهتمام أن هذا الدور كان شخصية أخرى رفضها جورج رافت).

يؤدي بوغارت دور زعيم عصابة ومبتز محبوب، تنقلب حياته المستقرة رأسًا على عقب إثر مقتل خباز مفضل لديه، ويرفض ترك تحقيق العدالة لرجال الشرطة. وعلى مدار ليلة واحدة مجنونة، يجد نفسه متورطًا في حبكة متصاعدة تضم جواسيس، ونساء فاتنات، وأرستقراطيين أجانب، بل وحتى النازيين أنفسهم.

أخرج الفيلم فينسنت شيرمان، ورغم التجربة غير السارة التي جمعته ببوغارت سابقًا في فيلم “Return of Doctor X” (1939) (الفيلم الوحيد الذي جسد فيه بوغارت دور وحش في فيلم رعب)، فإن هذا التعاون كان تجربة ممتعة للطرفين، وانعكس هذا المرح على الشاشة بوضوح منذ البداية. ورغم الطابع الكوميدي، يصور شيرمان الفيلم بأسلوب الغموض الرفيع، مستعينًا بإضاءة حادة ومشاهد حركة متقنة التنفيذ. وينبع المرح هنا من ثنايا النص، وإلقاء الحوار السريع كطلقات الرصاص، والحبكة الهزلية، وطاقم التمثيل الذي يدرك تمامًا طبيعة العمل الساخرة.

لم يكن اختيار الممثلين لبوغارت هنا بمثابة تحول جذري كامل، فهو يؤدي شخصية المحتال المحبوب التي اشتهر بها، ولكن في قالب سينمائي مغاير تمامًا. وعندما يتطلب المشهد حسًا فكاهيًا، يبرع فيه بوغارت بامتياز (ولعل أبرز المشاهد هو تظاهره بالتحدث باللكنة الألمانية في اجتماع سري للنازيين). كما يضم العمل طاقمًا رائعًا من الممثلين، من بينهم بيتر لوري، شريكه في فيلم Maltese Falcon” (1941)، وجاكي غليسون في بداياته، إلى جانب آخرين.

أثار الفيلم حيرة الجمهور عند عرضه الأول ثم طواه النسيان وسط الأعمال الأخرى، وهو أمر غير مستغرب نظرًا لتأرجحه بين الغموض والكوميديا وأفلام الجاسوسية، ومع ذلك ينجح العمل في تقديم توليفة متماسكة تصمد أمام معايير النقد الحديث، مما يجعله التوصية الأبرز في هذه القائمة.

4. Sahara (1943)

Sahara (1943)

في ذلك الوقت، كانت الحرب العالمية الثانية في أوجها، وتبذل هوليوود قصارى جهدها لإنتاج أفلام ترفع الروح المعنوية مستعينة بنجومها الكبار مثل غاري كوبر وجون واين. لم يكن بوغارت يناسب هذا القالب تمامًا، لكنه رغب في تغيير نمط أدواره، فقبل هذا التحدي، وجاء أداؤه ملائمًا للشخصية تمامًا على نحو مفاجئ.

تدور أحداث الفيلم في صحراء شمال إفريقيا، حيث يقود بوغارت فرقة دبابات تتراجع بعد هزيمة قاسية، وتجمع في طريقها ناجين مشتتين. وسرعان ما تتحول الرحلة إلى مهمة مصيرية للوصول إلى بر الأمان أثناء ملاحقتهم من كتيبة ألمانية لا ترحم، ناهيك عن الحرارة الحارقة، وتناقص الإمدادات، وشح المياه.

صوره ببراعة زولتان كوردا (مخرج فيلم “الريشات الأربع”)، ليقدم فيلم حرب واقعيًا وخشنًا يتفاعل فيه طاقم التمثيل المتميز بقوة بينما تتضافر كل الظروف ضدهم. يتميز الفيلم بالتوتر والإثارة، ويحمل في طياته لحظات عاطفية مؤثرة للغاية (مثل اللحظات الأخيرة لشخصية أنجيلو دي أنجيلو التي تفطر القلوب).

يرتكز العمل بأكمله على حضور بوغارت، الذي يؤدي دور القائد الصارم والمنهك، وهو رجل يحمل مسؤولية فصيلته بأكملها على عاتقيه. ينساب الممثل في هذا الدور بسلاسة؛ إذ تضفي شخصيته الجافة وأسلوبه الحازم مصداقية تامة على شخصية صاحب السلطة الذي يخفي صراعًا داخليًا مريرًا. ورغم تقديمه لبعض الأفلام الحربية الأخرى (مثل “عبر المحيط الهادئ” و”العبور إلى مرسيليا”)، يظل هذا العمل هو الأفضل والأجدر بالمشاهدة، لما يحتويه من مشاهد حركة قوية، وتصوير سينمائي رائع بالأبيض والأسود، ومشاعر إنسانية عميقة ومؤثرة.

5. Conflict (1945)

Conflict (1945)

بحلول أوائل الأربعينيات، أصبح بوغارت ممثلاً مطلوبًا بشدة لأدوار البطولة. وتعاقد مع شركة وارنر لتقديم هذا الفيلم الأنيق من نوع الفيلم نوار، والذي صُوّر عام 1943 بالتزامن مع إطلاق فيلم “كازابلانكا”. كره بوغارت تجربة التصوير شخصيًا، ربما بسبب أزمات شخصية مر بها آنذاك، وكاد الاستوديو أن يطوي صفحة الفيلم دون عرضه. لحسن الحظ، لم يحدث ذلك، لأن النتيجة كانت حكاية أخلاقية سوداوية ومثيرة للغاية.

يؤدي بوغارت دور زوج منهك في علاقة زوجية سامة؛ ترفض زوجته (تؤدي دورها روز هوبارت) منحه الطلاق، فيقرر تولي الأمر بنفسه وينهي حياتها، مخفيًا معالم الجريمة لتبدو كاملة الأركان. ومع ذلك، بمرور الوقت, تبدأ الهواجس في ملاحقته بشأن احتمال بقائها على قيد الحياة، ناهيك عن الملاحقة المستمرة من المحقق الذكي الذي يجسد دوره سيدني غرينستريت.

كان بوغارت يمر بطلاق عاصف ومرير أثناء التصوير، وبصراحة، لامس هذا الفيلم واقع حياته الشخصية بشكل وثيق. ومع ذلك، فإن هذا التداخل هو ما يجعل العمل رائعًا؛ إذ يعد أحد أكثر أفلامه ذات الطابع الشخصي، حيث يتيح لنا الصراع المرير بين الزوجين في الفصل الأول إلقاء نظرة على تجربته الخاصة. يظهر الزوج كجسد بلا روح، مريرًا ومكتئبًا، ومع ذلك ينجح بوغارت كالعادة في جعل الشخصية جذابة للمشاهدة بينما ينهار عالمه، وتأتي مشاهد القط والفأر مع شريكه المعتاد غرينستريت مشحونة بالتوتر والإثارة.

تولى كورتيس برنهاردت (مخرج فيلم “الممسوسة”) إخراج الفيلم، وخلافًا لعدد من أبناء وطنه من صناع الأفلام مثل فريتز لانغ وروبرت سيودماك الذين فروا من ألمانيا إلى هوليوود قبل الحرب العالمية الثانية، لم يحقق برنهاردت نفس المستوى من النجاح في الولايات المتحدة. وهو أمر مؤسف للغاية لأنه يبدع خلف الكاميرا؛ إذ يتدفق الفيلم بالتوتر والوجل منذ اللحظة الأولى، بحركات كاميرا مذهلة وإضاءة تعبيرية تضفي ألقًا على الشاشة، مما يثمر عن فيلم تشويق متميز من نوع الفيلم نوار يستحق تقديرًا أكبر، حتى وإن لم يشاركه بطل الفيلم هذا التقدير.

6. Dark Passage (1947)

Dark Passage (1947)

بحلول أواخر الأربعينيات، تربع بوغارت بجدارة على عرش النجومية في وارنر براذرز. كما تجاوز زواجه الصعب ليقع في حب شريكته في البطولة لورين باكال (التي كانت تصغره بكثير)، في قصة حب صاخبة تداولتها الصحف. شكل الثنائي حضورًا مذهلاً على الشاشة وتشاركا البطولة في أربعة أفلام؛ وتعد أعمال مثل “أن تملك وألا تملك” و”كي لارجو” و”النوم الكبير” من الكلاسيكيات وأفضل ما قدمه الاثنان، غير أن فيلمهما الأخير، وهو فيلم التشويق الغريب الذي أخرجه دلمر ديفز (مخرج فيلم “3:10 إلى يوما”)، لا يحظى بنفس التقدير رغم أنه يمثل تحفة حقيقية في سينما الفيلم نوار.

يهرب سجين فار، يؤدي دوره بوغارت، ويسعى جاهدًا لتبرئة ساحته من جريمة لم يرتكبها. وتساعده في ذلك فتاة يتعرف عليها بالصدفة (باكال) وسائق سيارة أجرة ودود (توم داندريا)، حيث يخضع لعملية جراحية سرية لتغيير ملامح وجهه لبدء حياة جديدة، لكن الأمور تتعقد عندما يكشف الجاني الحقيقي وراء مأساته عن نفسه قريبًا.

بالنظر إلى أن الفيلم صُنع في ذروة نجومية بوغارت، فإن هذا العمل التشويقي يعتمد على حيلة غريبة؛ إذ يظل النجم متواريًا بسبب حبكة تغيير الملامح، واضطر صناع الفيلم إلى تجنب إظهار وجه البطل حتى الفصل الثالث، حيث يُروى معظم الفصل الأول من منظور الممثل الشخصي، بينما يظهر في الفصل الثاني مغطى بالضمادات وصامتًا. ورغم أن هذا الأمر يحد قليلاً من جاذبية بوغارت الطاغية، إلا أن المخرج ديفز أثبت براعة فائقة خلف الكاميرا، وصور الفيلم بنكهة مميزة تنتمي إلى هذا النوع السينمائي ليمهد السرد دون أي خلل في الإيقاع. كما أثبتت باكال قدرتها على الهيمنة على الشاشة، وحملت عبء الجزء الأول من الفيلم باقتدار، بنظراتها الساحرة الموجهة مباشرة نحو الجمهور من منظور بوغارت.

وعلى مستوى الحبكة، ورغم الفكرة المبتكرة، تسير الأمور بسهولة مفرطة لصالح البطل دون تصاعد كافٍ للضغوط عليه، ومع ذلك، يظل الفيلم عمل تشويق ممتعًا من الفئة الثانية وبطاقم تمثيل من الصف الأول، ويحتوي على ما يكفي من المنعطفات المسلية. ورغم أنه لا يصنف ضمن الأعمال الكبرى لهؤلاء النجوم، إلا أنه يمثل وجبة سينمائية ممتعة لعشاق الفيلم نوار.

7. The Enforcer (1951)

The Enforcer (1951)

بحلول أوائل الخمسينيات، قدم بوغارت سلسلة من الأفلام الناجحة مع وارنر براذرز، وشكل هذا الفيلم التشويقي ذو الطابع الوثائقي تعاونه الأخير معهم. ورغم أنه لا يُصنف ضمن أعمالهم الكلاسيكية الكبرى، إلا أن الطرفين نجحا في إنهاء الشراكة بنجاح باهر.

يستلهم الفيلم أحداثه من القضية الحقيقية لعصابة الاغتيالات الشهيرة “ميردر إنك”، وتركز القصة على مدعي عام مكافح يجسده بوغارت، يصمم على الإطاحة بمنظمة إجرامية خبيثة بعد مقتل شاهد رئيسي كان قد وعد بكشف كل المستور.

يُروى الفيلم بنبرة واقعية قاتمة تخلو من البريق المعتاد في أفلام العصابات ذات الميزانيات الضخمة في ذلك الوقت؛ إذ تبدو مشاهد العنف قبيحة ومزعجة على نحو مفاجئ، بينما يكشف بوغارت خيوط الحبكة الرئيسية (والتي يُروى معظمها عبر تقنية الاسترجاع المشوقة على لسان شهود عيان).

يثمر هذا الأسلوب عن حكاية مثيرة للاهتمام، حيث تكشف الأحداث الستار عن نقابة إجرامية تجند الرجال اليائسين للعمل كقتلة مأجورين، وينتهي كل ذلك بنهاية مشحونة بالتوتر البالغ، حيث يسابق بوغارت الزمن للوصول إلى الشاهدة الأخيرة قبل أن يغتالها قاتلان مأجوران.

يظهر بوغارت هنا في ثوب البطل المطلق؛ وعلى الورق، تبدو الشخصية أحادية البعد وتفتقر إلى المساحات الرمادية الأخلاقية، لكنه يضفي عليها صلابة مثيرة للإعجاب، فهو من نوعية الرجال الذين يصفعون الوشاة المترددين لانتزاع الحقيقة. يمثل بوغارت قوة طبيعية لا تلين، ويمنح الشخصية عمقًا مميزًا لم يكن موجودًا في النص الأصلي.

نُسب إخراج الفيلم إلى بريتين ويندوست، لكنه أصيب بالمرض في المراحل الأولى من التصوير، فاستُعين بالمخرج الخبير في أفلام التشويق راؤول والش (مخرج فيلمي “العشرينيات الصاخبة” و“High Sierra” (1941)) لاستكمال العمل. وقد أضفى تعامله الاحترافي مع مشاهد التشويق العالي وتبادل إطلاق النار المفاجئ إثارة حقيقية على الفيلم حتى لحظاته الأخيرة.

ورغم أن الفيلم لم يكن يطمح لأكثر من تقديم قصة تشويق متماسكة مستوحاة من أحداث حقيقية، إلا أنه نجح في تحقيق هذا الهدف بامتياز.

8. Deadline USA (1952)

Deadline USA (1952)

بحلول أوائل الخمسينيات، تربع بوغارت على قمة نجوم هوليوود، ورغم أنه وجد نفسه محصورًا في أدوار المحققين أو رجال العصابات (باستثناء فيلم “كنز السييرا مادري”)، إلا أنه تطلع إلى توسيع آفاقه التمثيلية، وهو المسار الذي قاده في النهاية للفوز بجائزة الأوسكار عن فيلم African Queen” (1951). وتحفل هذه الفترة بالعديد من الجواهر السينمائية الخفية، ويعد هذا العمل المنسي أحد أفضلها.

يؤدي الممثل دور رئيس تحرير صحيفة يقرر مالكوها إغلاقها، مع توجيهات بإنهاء العمل بهدوء ودون إثارة للمشاكل. ومع ذلك، تقع جريمة قتل وتستر عليها، مما يدفع بطلنا إلى خوض معركة أخيرة دفاعًا عن مهنته، حتى لو تطلب الأمر مواجهة مباشرة مع زعيم عصابة (مارتن غابل) يهدد مصدر رزقه.

يمثل هذا العمل التعاون الوحيد لبوغارت مع المخرج ريتشارد بروكس (مخرج فيلمي “غابة السبورة” و”قطة على صفيح ساخن”)، وهو صانع أفلام تخصص في معالجة القضايا الشائكة واستخراج أقصى طاقات الممثلين الذين عملوا معه. ورغم أن الفيلم يعد من أعماله المبكرة، إلا أن النتيجة جاءت مبهرة ومقنعة تمامًا.

يظهر بوغارت بشخصية عنيدة وسريعة الكلام، لكنه ليس المجرم سريع الغضب الذي اعتدناه؛ بل هو رجل منهك يحارب من أجل الحق رغم تفوق خصومه عليه، وتتصاعد المخاطر مع تحالف كل الظروف ضده لمجرد تقديم الحقيقة للجمهور. يبدو عالم الصحافة الصفراء واقعيًا للغاية في تلك الحقبة؛ فقد كان بروكس صحفيًا سابقًا، وتنعكس معرفته العميقة بهذا العالم على الشاشة بوضوح في مشاهد صالة التحرير المتسارعة، حيث تتدفق المصطلحات المهنية بسرعة فائقة كطلقات الرصاص.

إنه فيلم استثنائي يُروى بحماس وواقعية وصدق كبير، ومثل فرصة مثالية لاستعراض نوعية الأدوار التي يمكن لبوغارت أن يبدع فيها ببراعة، رغم أنه نادرًا ما حظي بفرصة لتجسيدها.

9. Beat the Devil (1953)

من بين جميع المخرجين الذين تكرر تعاون بوغارت معهم، حظي جون هيوستون بالشراكة الأكثر تميزًا، ناهيك عن الصداقة العميقة التي جمعته بالممثل. كتب هيوستون سيناريو الفيلم الذي مثل انطلاقة بوغارت الحقيقية في وارنر براذرز، وهو فيلم “High Sierra” (1941) الرائع، وعندما انتقل إلى الإخراج في فيلم Maltese Falcon” (1941)، صعد الاثنان معًا إلى مصاف النجومية الكبرى في هوليوود. وتوالت أعمالهما الكلاسيكية على مر السنين، غير أن فيلمهما الأخير معًا لا يزال متجاهلاً إلى حد كبير، وهو مغامرة غريبة وممتعة وفريدة من نوعها.

يؤدي بوغارت دور أمريكي منتهي الصلاحية يقضي أيامه الأخيرة على سواحل إيطاليا الهادئة مع زوجته الحسناء (جينا لولوبريجيدا). يجد نفسه متورطًا في مؤامرة حول أرض غنية باليورانيوم مع عصابة من المحتالين غير الأكفاء الذين يتظاهرون بأنهم رجال أعمال (بيتر لوري، وجينيفر جونز، وآخرون)، لتتوالى بعد ذلك سلسلة من الأحداث العبثية.

يثير الفيلم الفضول منذ البداية؛ إذ تميزت الأعمال السابقة للمخرج والممثل ببريق هوليوود الكلاسيكي مع مسحة من الجرأة والتهكم. لكن هذا العمل يبدو مختلفًا تمامًا؛ إذ صُوّر بأسلوب شبه وثائقي خشن، وبنية سردية مفككة وبناء حبكة عشوائي.

يبدو بوغارت، تمامًا مثل شخصيته، متعبًا ولكنه مسترخٍ ويفيض بالجاذبية، لا يحتاج إلى فرض سيطرته على المشاهد، بل يكتفي بالنجاة منها. ولا عجب في ذلك، فقد تعاون هيوستون مع ترومان كابوتي (مؤلف “بدم بارد”) ككاتب سيناريو، وكانا يكتبان صفحات النص يوميًا أثناء التصوير، ويجربان الأفكار في موقع العمل، بهدف تقديم محاكاة ساخرة لأفلام هيوستون الأخلاقية السابقة.

وهنا تكمن الخاتمة؛ إذ يُترك بوغارت في النهاية بعد أن جرفته عاصفة من الهراء أثارتها مجموعة من الشخصيات الخرقاء، ليخرج خالي الوفاض تقريبًا، ومضطرًا للضحك على ما حدث، على غرار كلاسيكيات هيوستون الأخرى ولكن دون الحاجة إلى نهاية درامية صاخبة.

في هذه المرحلة العمرية، كان النجمان المخضرمان يظهران أن كل هذا الصخب لا يستحق العناء، وأن الأهم هو الاستمتاع بصناعة السينما. إنه فيلم كوميدي لا يثير الضحك الهستيري، لكنه بالتأكيد غير متوقع وغير ممل على الإطلاق، ولا يشبه أي شيء عُرض في ذلك الوقت.

10. The Harder They Fall (1956)

كان هذا العمل اللاذع الذي يتناول الفساد في عالم الملاكمة، للأسف، بمثابة أغنية البجعة لبوغارت وعمله الأخير. ورغم أن إرثه لا يزال يترك بصمة واضحة على السينما، فإن فيلمه الأخير لا يحظى بالتقدير الذي يستحقه حقًا.

يؤدي بوغارت دور كاتب رياضي ساخر ومرير، يستدرجه مروج الملاكمة الفاسد الذي يجسده رود ستايغر للمشاركة في مؤامرة كبرى؛ وهي أخذ ملاكم وافد حديثًا (مايك لين)، يمتلك بنية جسدية هائلة لكنه يفتقر تمامًا للمهارة، والترويج له ليكون الملاكم الأبرز. ويتولى فريق مساعد من المحتالين فبركة صعوده إلى النجومية، مع قدرتهم على جعله يفوز أو يخسر أي نزال وفقًا لرغبتهم. تسير الأمور على ما يرام حتى يبدأ ضمير بوغارت في الاستيقاظ.

ورغم أن بطلنا بدا ضعيفًا وواهناً من الناحية الجسدية (إذ توفي في العام التالي وكان مريضًا بشدة أثناء التصوير)، إلا أنه لم يفقد أيًا من حدته وقدرته على الهيمنة على الشاشة كما في سنوات شبابه. يجذبك بوغارت بأدائه لشخصية رجل سئم اللعب وفق القواعد وقرر جني المال السريع، لينتهي به المطاف بالانقلاب على نظام فاسد يسحق الضعفاء، مما يخلق مسارًا دراميًا رائعًا للشخصية. ومن المثير للاهتمام أن هذا العمل أتاح للنجم المخضرم فرصة مواجهة ستايغر القدير الذي أدى دور الشرير ببراعة فائقة. يسرق هذا الممثل الأسطوري الأضواء في كل مشهد يظهر فيه، أولاً كشيطان عذب اللسان يفيض بالجاذبية، قبل أن يتواجه الممثلان في سلسلة من المشادات الكلامية الحادة التي تمثل ذروة الإثارة في الفيلم. كما كان لين مثاليًا في دوره كعملاق ضخم؛ فهو طيب دون مبالغة، وساذج دون أن يثير الضيق.

يحمل الفيلم نقدًا لاذعًا لعالم الملاكمة، وهو مقتبس عن كتاب لباد شولبرغ، وهو كاتب رياضي سابق، ويصوره المخرج مارك روبسون (مخرج فيلمي “بيتون بليس” و”البطل”) بواقعية قاسية؛ فالنزالات تبدو قبيحة ووحشية، والنظام المحيط بها أكثر إزعاجًا. وتتلخص أفكار الفيلم بأفضل طريقة عندما يقاتل بوغارت بكل قوته لتحصيل مستحقات لين الأخيرة، ليتلقى في النهاية مبلغ 49.07 دولارًا فقط.

إن فيلم بوغارت الأخير لا يحظى بالتقدير الذي يستحقه حقًا. وبالتأكيد، لم يكن هنا ذلك الرجل القوي والساخر الذي رأيناه في أوج عطائه، لكن هذه الحكاية الأخلاقية المؤثرة تقدم له خاتمة سينمائية قوية تليق بمسيرته الحافلة.

انتهى العرض

شكرًا لمتابعتك القراءة في مذاق سينما