تخطى إلى المحتوى
مذاق السينما

مراجعة فيلم Backrooms: رعب المتاهات اللامتناهية وتشويه الذاكرة

حجم الخط:
مراجعة فيلم Backrooms: رعب المتاهات اللامتناهية وتشويه الذاكرة

بالنسبة لمن يجهلون أصول Backrooms، فإن مشاهدته دون معرفة مسبقة تقدم تجربة سينمائية فريدة. إذ تعود جذور الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج كين بارسونز إلى موقع الصور الشهير 4chan، حيث تُصوَّر هذه الغرف الخلفية كمجمع هائل لا متناهٍ من الغرف الفارغة خارج الأبعاد. وقد بدأت الفكرة بصورة واحدة لغرفة فارغة واسعة التُقطت في موقع سابق لمتجر أثاث بولاية ويسكونسن قبل أكثر من عقدين، لتتحول منذ ذلك الحين إلى ظاهرة رقمية قائمة بذاتها.

وقد طوّر المعجبون هذه الأفكار الأولية إلى ألعاب فيديو مستقلة وأفلام قصيرة، وفي عام 2022، بدأ بارسونز، صانع المحتوى على يوتيوب، نشر سلسلته الخاصة على المنصة، لتتوج هذه المسيرة اليوم بطرح فيلم سينمائي طويل.

ويبدو أن الفيلم يزخر بالإشارات الخفية الموجهة لعشاق السلسلة، والذين استقبلوه بترحيب واسع؛ غير أن خوض هذه التجربة دون خلفية مسبقة يكشف عن حكاية غامضة ومقلقة أحياناً عن الذاكرة والواقع والخوف، تنجح في إثارة تساؤلات تفوق الإجابات التي تقدمها مع نهايتها.

يجسد تشيواتال إيجيوفور شخصية “كلارك”، وهو رجل وحيد في منتصف العمر يواجه انهيار متجره للأثاث لأسباب تتجاوز مجرد غياب الزبائن. يعيش كلارك حالياً داخل المتجر بعدما طردته شريكته، ويعاني كل ليلة من مشكلات كهربائية غامضة، حيث تومض الأضواء وتستمر الطاقة في العمل دون تفسير، وتكلفه مبالغ باهظة يعجز فني الكهرباء عن تفسيرها. يتابع كلارك أيضاً جلسات علاجية مع الطبيبة النفسية “ماري”، التي تجسدها رينيت رينسيف، والتي تبدو هي الأخرى مثقلة بصراعاتها الخاصة بينما تحاول مساعدته على استعادة توازن حياته.

وفي إحدى الليالي، يكتشف كلارك جزءاً مسامياً في جدار قبو المتجر الفسيح، يبدو كأنه بوابة تفضي إلى امتداد لا نهائي للمتجر نفسه، لكنه امتداد صُمم بعقلية ملتوية وغريبة الأطوار. ويمكن القول إن ما يعثر عليه داخل هذه الغرف الخلفية يظل خاضعاً لتأويل المشاهد نفسه؛ إذ ينتمي العمل إلى سينما الرعب، وهو نوع سينمائي تبدو فيه الهندسة المعمارية وقطع الأثاث أكثر إثارة للقلق والوجوم من أي وحش أو شبح يتربص في الزوايا المظلمة.

تستحضر هذه الأجواء عتمة الغرف المعهودة في سينما ديفيد لينش؛ إذ يستلهم بارسونز بوضوح فيلم Inland Empire (2006)، وهو خيار جريء لا يُنصح به عادة، لكنه يبدو منطقياً تماماً هنا. يقدم كل من إيجيوفور ورينسيف أداءً رائعاً، حيث يعبر كلاهما ببراعة عن حيرة مبررة ورعب حقيقي تجاه ما يواجهانه في هذه المتاهة الجحيمية المقلقة، بشخصياتها المريبة وتفاصيلها المربكة. وعند عبور الجدار للمرة الأولى، تذكرنا كومة الأثاث فوراً بفيلم Tobe Hooper’s Poltergeist (1982)، ومع أن Backrooms يتلاعب بالعناصر الخارقة للطبيعة، فإن الجانب الأكثر رعباً يكمن في فكرة أن هذه المعضلات الملتوية قد تكون من صنع أيدينا، وأن ذاكرتنا هشة ومسامية كالجدار الذي عبره كلارك في البداية.

يمكن القول إن الفيلم يناقش تشويه الذاكرة المرتبط بالصدمات، ومحاولات البشر المستميتة لاستعادة ذكرياتهم، رغم إدراكنا كمشاهدين أن إحياء ما سعى العقل جاهداً لنسيانه لا يجلب سوى الألم والمعاناة. ويكتسب هذا الطرح عمقاً إضافياً بفضل الإخراج الفني المؤثر الذي صممه داني فيرميت، إذ يضع المشاهد أمام ألغاز بصرية متتالية، لتبدو المساحة الممتدة لمتجر كلارك كأنها شخصية قائمة بذاتها في العمل.

يمثل Backrooms تجربة أولى مبهرة للغاية في عالم الأفلام الطويلة، ورغم أنني شعرت بضعف الانغماس في السرد عندما تنتقل الأحداث خارج هذه المتاهة المعمارية، فإنه يظل عملاً سينمائياً آسراً في كثير من جوانبه، وسيكون من المثير للاهتمام مراقبة التطور الإخراجي لبارسونز في أعماله المقبلة.

انتهى العرض

شكرًا لمتابعتك القراءة في مذاق سينما