تبدو السينما المعاصرة في كثير من الأحيان عاجزة عن ملامسة التساؤلات الوجودية الكبرى التي تؤرق الوعي الإنساني الحديث، غارقة في استعراضات بصرية جوفاء تفتقر إلى العمق الفكري. غير أن المخرج بول شريدر يكسر هذا الصمت المطبق في فيلمه الشهير First Reformed الصادر عام 2017، مفتتحاً فصلاً جديداً في دراسة النفس البشرية عندما تواجه جداراً مسدوداً من الصمت الإلهي والانهيار البيئي الوشيك. لا يقدم العمل مجرد حكاية تقليدية عن أزمة إيمان عابرة، بل يشرح بجرأة نادرة تداعيات التآكل الداخلي الذي يصيب الروح عندما تجد نفسها معزولة في عالم يتجه نحو الفناء بخطى متسارعة. يتخذ شريدر من شخصية القس تولر ركيزة لتشريح هذه الحالة النفسية المعقدة، حيث تتماهى المعاناة الجسدية مع العذاب الروحي في تلاحم تراجيدي يعيد إلى الأذهان كلاسيكيات السينما الروحانية الراقية. يضعنا هذا العمل أمام مرآة صقيلة تكشف زيف الطمأنينة المعاصرة، وتجبرنا على مواجهة مخاوفنا الدفينة تجاه المستقبل ومصير الكوكب الذي نعيش عليه. إن القلق الوجودي هنا ليس مجرد ترف فكري، بل هو مرض عضال ينهش جسد البطل وعقله، لتتحول تجربة المشاهدة إلى مواجهة قاسية مع الذات ومع أسئلة الخلاص والعدالة الغائبة. يمثل هذا الفيلم ذروة نضج شريدر الفكري، حيث يعود إلى تيماته المفضلة المتمثلة في العزلة الذاتية والرغبة في التطهير عبر الألم، وهي تيمات رافقته منذ كتابته لسيناريو فيلم سائق التاكسي، لكنه يعيد صياغتها هنا في قالب لاهوتي وبيئي معقد يتناسب مع قلق الألفية الجديدة وتحدياتها الوجودية الكبرى.
تتبدى براعة الإخراج في هذا العمل عبر الخيارات البصرية الصارمة التي تبناها شريدر بالتعاون مع مدير التصوير ألكسندر دينان، والتي تهدف إلى خلق تجربة بصرية تضع المشاهد في حالة من التوتر الدائم. يفرض الكادر الضيق بنسبة 4:3 حصاراً مرئياً على الشخصيات، إذ يشعر المشاهد بأن القس تولر مسجون داخل إطار الصورة تماماً كما هو محبوس داخل أفكاره وجسده المعتل الذي يخذله يوماً بعد يوم. تغيب الحركة الديناميكية للكاميرا لصالح لقطات ثابتة متقشفة تخلو من أي زينة بصرية زائدة، ليجبر العين على التركيز على التفاصيل الدقيقة لملامح إيثان هوك المنهكة وعلى الفراغ الموحش الذي يحيط به في كل مكان. تعكس هذه السينماتوغرافيا المتقشفة فلسفة الزهد الروحي التي تذكرنا بأعمال المخرج الفرنسي روبرت بريسون، حيث تصبح الغرفة الخالية والكنيسة الباردة امتداداً طبيعياً لقفار تولر الداخلي وعزلته الروحية. إن غياب الألوان الدافئة واعتماد لوحة ألوان رمادية وباردة يساهم في بناء مناخ خانق يمهد الطريق للتدهور النفسي اللاحق، لتتحول كل لقطة إلى بيان بصري عن العزلة والترقب المرير لحدث قد لا يأتي أبداً. يرفض شريدر استخدام القطع السريع أو الزوايا المبتكرة، مفضلاً الكاميرا التي تقف في مستوى العين كشاهد صامت ومحايد على مأساة إنسانية تتكشف فصولها ببطء شديد، وهذا يمنح اللقطات وزناً أخلاقياً وروحياً نادراً في السينما المعاصرة التي اعتادت على الإبهار البصري السريع والسطحي.

يؤدي إيثان هوك في هذا الفيلم دوراً استثنائياً يعد الأبرز في مسيرته الفنية الطويلة، حيث يجسد شخصية القس إرنست تولر بأداء يتسم بالهدوء الخارجي والبركان الداخلي الثائر الذي يهدد بالانفجار في أي لحظة. يعيش تولر في حالة حداد دائم على ابنه الذي قضى في حرب العراق بطلب وتشجيع منه، وهو ذنب يثقل كاهله ويدفعه نحو تدمير ذاتي بطيء عبر إهمال صحته وتناول الكحول بكثرة للتغطية على آلامه النفسية. يكشف أداء هوك عن هذا التمزق ببراعة فائقة، إذ نرى في عينيه مزيجاً من الرغبة في التكفير عن الذنب واليأس المطلق من إمكانية الحصول على الغفران الإلهي أو السلام الداخلي. يتجلى مرضه الجسدي، الذي يرجح أنه سرطان المعدة، كترجمة مادية لمرضه الروحي، فالجسد يرفض الطعام والشراب تماماً كما ترفض الروح تقبل العزاء التقليدي الذي تقدمه الكنيسة المؤسساتية المعاصرة. ينجح هوك في جعل صمت تولر مسموعاً ومؤثراً، وحركاته البطيئة والمترددة تكشف عن ثقل الوجود الذي ينوء تحت حمله، لتغدو رحلته الفردية مرثية حزينة للضمير الإنساني المعذب في عالم فقد بوصلته الأخلاقية. إن هذا الأداء لا يعتمد على الانفعالات الصارخة أو الصراخ الدرامي، بل على كبت المشاعر وتكثيفها في نظرات شاردة وإيماءات طفيفة تعبر عن عمق الهوة التي تفصل بين البطل والعالم الخارجي، وهذا يجعل الشخصية قريبة من المشاهد ومثيرة للتعاطف والألم في آن واحد.
تتخذ العلاقة بين القس تولر وماري، التي تؤدي دورها أماندا سيفريد، مساراً نفسياً دقيقاً يتأرجح بين الرغبة في الحماية والبحث المشترك عن الخلاص في عالم ينهار. تمثل ماري، باسمها ذي الدلالات الدينية الواضحة وحملها الذي يرمز للمستقبل والأمل، النقيض التام لليأس والخراب الروحي الذي يلتهم تولر من الداخل. إن لجوءها إليه لمساعدة زوجها مايكل يضع القس في مواجهة مباشرة مع عجزه الخاص عن تقديم العزاء الروحي الحقيقي، لكنه في الوقت ذاته يوقظ فيه غريزة أبوية مكبوتة تضررت بشدة بعد فقدان ابنه في الحرب. لا تنزلق هذه العلاقة إلى كليشيهات الرومانسية التقليدية أو الابتذال العاطفي، بل تظل محاطة بهالة من القداسة والوقار الصارم، حيث يرى فيها تولر فرصة أخيرة لإنقاذ روح بشرية بريئة، وربما إنقاذ روحه هو في المقام الأول من السقوط في الهاوية. يتجلى هذا التناغم الروحي في مشهد الرحلة الروحية الشهير، حيث يستلقي الاثنان فوق بعضهما البعض في طقس تأملي تتلاشى فيه حدود الجسد لتطوف روحهما فوق مشاهد الدمار البيئي والجمال الطبيعي المهدد، في لقطة سريالية فريدة تكسر واقعية الفيلم الجافة وتكشف عن رغبة دفينة في الانعتاق من أسر الواقع المادي الأليم والتحليق نحو آفاق أرحب من السلام والوئام.
يأخذ المنعطف النفسي في الفيلم مساراً حاداً عقب اللقاء المصيري بين تولر والناشط البيئي الشاب مايكل، الذي يعاني من اكتئاب حاد ناجم عن يقينه بخراب الكوكب الوشيك وعجز البشرية عن إنقاذ نفسها. يطرح مايكل سؤالاً عميقاً يزلزل كيان القس ويهدم ما تبقى من يقينه الهش: هل يمكن لله أن يغفر لنا ما نفعله بخلقه؟ هذا السؤال لا يمر عابراً في ذهن تولر، بل يستقر في وعيه كبذرة سامة تنمو بسرعة لتغذي شكوكه القديمة وتمنحها بعداً كونياً جديداً. يجد القس في يأس مايكل صدى ليأسه الخاص، لكنه يكتشف فيه أيضاً قضية ملموسة يمكنه توجيه غضبه المكبوت نحوها بدلاً من الاستمرار في تدمير ذاته بصمت. إن القلق البيئي هنا يتجاوز كونه مجرد قضية سياسية أو علمية، ليصبح أزمة لاهوتية كبرى تتعلق بمسؤولية الإنسان الأخلاقية تجاه الأرض التي استُخلف عليها. بعد انتحار مايكل المفاجئ في الغابة، يرث تولر هذا العبء الثقيل، وتتحول وصية الشاب الراحل إلى هوس مسيطر يدفع القس نحو مسار راديكالي يمزج بين الرغبة في الشهادة والنزوع نحو الفناء الشامل. يتضح هنا كيف يتحول الاكتئاب الفردي إلى قضية كونية، حيث يرى تولر في تدمير البيئة دليلاً ملموساً على غياب العدالة الإلهية وتواطؤ البشرية في عملية انتحار جماعي منظم يباركها الصمت العام.
يكشف الفيلم بوضوح عن الهوة السحيقة بين الإيمان الحقيقي والتدين المؤسساتي النفعي، وذلك عبر المقارنة البصرية والموضوعية بين كنيسة تولر التاريخية الصغيرة وكنيسة أحضان الحياة الكبرى التي ترعاها شركات ملوثة للبيئة. تظهر الكنيسة التاريخية كمعلم سياحي بارد وخالٍ من المصلين، أشبه بمتحف يشهد على موت الإيمان التقليدي وتحوله إلى مجرد ذكرى تاريخية، في حين تبدو الكنيسة الكبرى كشركة تجارية ضخمة تقدم خدمات روحية مغلفة بالرفاهية والوعود الزائفة لجذب الجماهير. يقف القس جويل جيفريز، الذي يؤدي دوره سيدريك ذا إنترتينر، كرمز لهذا التدين المساوم الذي يتجنب مواجهة القضايا الحقيقية حفاظاً على التمويل ورضا المانحين الأثرياء الذين يلوثون الأرض بأموالهم. يجد تولر نفسه غريباً في هذا الوسط الذي يقدس النجاح المادي ويتجاهل صرخة الأرض المعذبة، وهو ما يعمق شعوره بالاغتراب ويدفعه إلى البحث عن خلاص فردي خارج حدود هذه المؤسسة المنافقة التي تخلت عن جوهر رسالتها الأخلاقية. إن هذا النقد الاجتماعي اللاذع يوضح كيف تحولت المؤسسات الدينية إلى أدوات لتبرير الجشع الرأسمالي وتخدير الضمائر، بدلاً من أن تكون صوتاً للحق والعدالة في عالم ينهار أخلاقياً وبيئياً تحت وطأة الاستهلاك غير المسؤول.

يزخر الفيلم برمزية بصرية مكثفة تعبر عن التآكل الداخلي للشخصية الرئيسية، ولعل أبرز هذه الرموز هو المزيج المقزز الذي يتناوله تولر من دواء المعدة الوردي والكحول الداكن. يمثل هذا السائل اللزج محاولة يائسة لتسكين آلام جسدية ناتجة في الأصل عن عذاب نفسي لا يهدأ، حيث يختلط الشفاء المزعوم بالسم البطيء الذي يسرع من تدهوره الصحي ويقربه من الموت الذي يشتهيه بالخفاء. يراقب المشاهد هذا الطقس اليومي المتكرر بكثير من الانزعاج والشفقة، إذ يصبح الكوب الزجاجي مرآة لروح تولر التي ترفض التطهير وتصر على معاقبة الذات كنوع من التكفير غير المجدي عن ذنوب الماضي. يمتد هذا التعبير الرمزي إلى الفضاء المكاني للكنيسة التاريخية الصغيرة، التي تبدو في لقطات شريدر الثابتة أشبه بتابوت خشبي بارد يفتقر إلى الدفء الإنساني والحياة الروحية الحقيقية. إن غياب المصلين والبرد القارس الذي يشتكي منه تولر باستمرار يعكسان برودة الإيمان في قلبه وفي قلوب معاصريه، لتتحول جدران الكنيسة البيضاء الناصعة إلى كفن يحيط برجل يحتضر ببطء في صمت مطبق، بعيداً عن صخب العالم الخارجي الذي تخلت عنه العناية الإلهية كما يعتقد في لحظات يأسه المظلمة.
يمثل قرار تولر بكتابة يومياته لمدة عام كامل، ثم التخلص منها، محاولة يائسة لفرض النظام على الفوضى العارمة التي تجتاح عقله وتفكيك الشكوك التي تحاصره. يكشف لنا هذا التعليق الصوتي المصاحب للأحداث عن أغوار تفكيره، حيث نكتشف الفجوة الكبيرة بين ما يظهره للآخرين من وقار وهدوء وما يكتبه في خلوته من أفكار سوداوية مدمرة تعبر عن رغبة عارمة في الفناء. تصبح الكتابة هنا بمثابة اعتراف علماني بديل، وسيلة لمراقبة الذات وهي تتفكك ببطء تحت وطأة الألم والشك والبحث عن معنى مفقود. يدرك تولر أن هذه اليوميات قد تكون دليلاً على جنونه وتدهوره العقلي، لكنه يواصل الكتابة كمن يمسك بخيط رفيع يربطه بالواقع قبل السقوط في الهاوية السحيقة لليأس المطلق. يعكس هذا الأسلوب السردي تأثر شريدر الواضح بسينما بريسون، وتحديداً فيلم مذكرات كاهن ريف، حيث يتحول القلم إلى أداة للتشريح الذاتي وسلاح لمواجهة الصمت الإلهي الذي يلف العالم من حوله. إن الكلمات المكتوبة بخط اليد على الورق الأبيض تمثل المحاولة الأخيرة لتأكيد الوجود الفردي في مواجهة العدم، وهي صرخة صامتة تبحث عن مستمع غائب في فضاء كوني شاسع وبارد لا يكترث لمعاناة البشر.
يتتبع الفيلم بدقة متناهية مسار التحول النفسي للقس تولر من المعاناة السلبية الصامتة إلى الرغبة النشطة في التدمير والعنف كوسيلة للتعبير عن الاحتجاج الأخلاقي. لا يعود تولر قادراً على احتمال دور الضحية العاجزة التي تراقب خراب العالم بصمت، بل يقرر اتخاذ موقف حاسم يعيد له الشعور بالسيطرة والأهمية الوجودية في عالم يبدو أنه نسيه. يمتزج قلقه البيئي برغبته الدفينة في الانتحار والتكفير عن ذنوبه القديمة، ليدفعه ذلك إلى التخطيط لعملية تفجيرية تستهدف الكنيسة الكبرى أثناء الاحتفال بذكرى تأسيس كنيسته التاريخية وبحضور كبار الملوثين للبيئة. يرى تولر في هذا العمل العنيف قرباناً أخيراً وخلاصاً من عذابه الشخصي، حيث يتحول جسده المعتل إلى قنبلة موقوتة تعبر عن غضب الطبيعة وغضب الخالق معاً في وجه الجشع البشري. إن هذا التحول من الكآبة إلى الراديكالية يعكس فهماً عميقاً من شريدر لسيكولوجية التطرف، وكيف يمكن لليأس المطلق أن يتحول إلى قوة تدميرية تسعى لتطهير العالم بالدم والنار عندما تغلق كل أبواب التغيير السلمي. يصبح العنف هنا البديل الوحيد المتاح للتعبير عن الإيمان في عالم فقد قدرته على الإصلاح، وتتحول سترة المتفجرات إلى رداء كهنوتي جديد يعلن نهاية زمن التسامح وبداية زمن الغضب المقدس الذي لا يرحم أحداً.
لا يمكن قراءة فيلم First Reformed بمعزل عن الخلفية النقدية والنظرية للمخرج بول شريدر، الذي كتب سابقاً دراسته الشهيرة عن الأسلوب المتسامي في السينما العالمية. يطبق شريدر في هذا العمل نظرياته الخاصة ببراعة فائقة، مستلهماً أساليب ياسوغيرو أوزو وكارل دراير وروبرت بريسون لخلق تجربة بصرية تحث على التأمل والتدبر الروحي العميق. يعتمد الفيلم على إبطاء الإيقاع وتقليل المثيرات البصرية والسمعية إلى الحد الأدنى، ليخلق حالة من التوتر المتراكم لدى المشاهد الذي ينتظر بفارغ الصبر لحظة الانفجار أو التجلي الروحي. إن هذا التقشف المتعمد ليس مجرد خيار جمالي خارجي، بل هو وسيلة لتهيئة المتلقي لاستقبال البعد الميتافيزيقي للقصة، حيث تصبح التفاصيل اليومية البسيطة مشحونة بدلالات روحية عميقة تتجاوز ظاهر الأشياء. ينجح شريدر في تحويل السينما من أداة للترفيه الاستهلاكي إلى وسيلة للتأمل الفلسفي والوجودي، معيداً إحياء سينما التسامي في عصر يتسم بالسرعة والسطحية البصرية المفرطة. يتجلى هذا الأسلوب في كيفية تعامل المخرج مع الزمن، حيث يترك اللقطات تستمر لفترة أطول من المعتاد، مما يجبر المشاهد على تجاوز السطح السردي والغوص في الأعماق النفسية والروحية للشخصية المعذبة التي تبحث عن مخرج من سجنها الذاتي.

تصل ذروة الفيلم في المشهد الختامي المثير للجدل، والذي يمثل قفزة أسلوبية وموضوعية تفاجئ المشاهد وتضعه أمام تساؤلات مفتوحة حول طبيعة الخلاص والنعمة الروحية في لحظات اليأس الأخير. عندما تتدخل ماري، أرملة مايكل الحامل التي تمثل الأمل والحياة المستمرة، وتمنع تولر من تنفيذ مخطططه الانتحاري العنيف، يتخلى القس عن حزامه الناسف ويلجأ إلى طقس تطهيري قارس بشرب سائل التنظيف السام كبديل للموت السريع. يتبع ذلك عناق جسدي وروحي عنيف ومفاجئ بين تولر وماري، مصحوباً بحركة كاميرا دائرية سريعة تكسر جمود الفيلم البصري بالكامل وتعلن نهاية زمن الركود والتقشف البصري. يتركنا شريدر هنا في حيرة من أمرنا: هل هذا العناق حقيقة واقعية حدثت بالفعل أم هو رؤية احتضار يمر بها تولر في لحظاته الأخيرة نتيجة السم الذي يسري في عروقه؟ إن هذا الغموض المتعمد يرفض تقديم إجابات سهلة أو مريحة، بل يطرح فكرة أن النعمة الإلهية قد تأتي في أكثر الأشكال غرابة وصدمة، وأن الخلاص قد لا يكون في الموت البطولي أو التدمير الذاتي بل في قبول الحب والضعف الإنساني المشترك. إن الانتقال المفاجئ من الواقعية الصارمة إلى السريالية الروحية يمثل لحظة التسامي الكبرى التي طالما بحث عنها شريدر في نظرياته السينمائية، حيث يتحول الألم الجسدي إلى نشوة صوفية تتجاوز حدود العقل والمنطق البشري الضيق.
يقف فيلم First Reformed كعلامة فارقة في مسيرة بول شريدر المهنية الطويلة، وكواحد من أهم الأعمال السينمائية التي ناقشت أزمة الإيمان والوجود في القرن الحادي والعشرين بكل تعقيداته وتحدياته. ينجح الفيلم في دمج القلق البيئي المعاصر مع الأسئلة اللاهوتية الكلاسيكية حول العدالة الإلهية والمسؤولية الأخلاقية، مقدماً دراسة نفسية معقدة ومؤثرة عن رجل يحاول العثور على معنى في عالم يبدو أنه فقد كل معانيه وقيمه الروحية. وبفضل الأداء الاستثنائي لإيثان هوك والإخراج البصري الصارم الذي يرفض المساومة، يتحول العمل إلى تجربة روحية وفكرية تلازم المشاهد طويلاً بعد نهاية العرض وتدفعه لإعادة التفكير في علاقته بالعالم من حوله. إنه فيلم يرفض تقديم العزاء الزائف أو الحلول السهلة، بل يجبرنا على النظر في أعماق عتمتنا الخاصة ومواجهة مخاوفنا الدفينة، متسائلاً عما إذا كان بإمكاننا العثور على النعمة والخلاص وسط هذا الخراب المحيط بنا، ليظل تحفة سينمائية خالدة تخاطب جوهر الوجود الإنساني المعاصر. يعيد هذا العمل صياغة علاقتنا بالسينما الجادة، مبيناً أن الفن السابع لا يزال قادراً على طرح الأسئلة الكبرى ومواجهة القضايا المصيرية بجرأة وصدق فني لا يلين، وهذا يجعله وثيقة سينمائية وفلسفية بالغة الأهمية لأجيال قادمة تبحث عن الضوء في عتمة هذا العصر المضطرب.

