يُعد يورغوس لانثيموس لغزاً في عالم السينما المعاصرة. باتت أفلامه تُصنف كأحداث سينمائية كبرى، ولا شك أن أسلوبه في صناعة الأفلام يُعد من بين الأكثر جرأة وإثارة للجدل حالياً. مع كل إصدار جديد، يطرح لانثيموس رؤية مغايرة، مما يجعله مؤلفاً سينمائياً يثير انقساماً حاداً في الآراء.
لعل أكثر ما يثير الاهتمام في مسيرته هو تباين الآراء حول أعماله. رُشح لانثيموس خمس مرات لجوائز الأوسكار، ورغم أنه لم يحصد أياً منها بعد، إلا أن فيلمه الأخير Poor Things (2023) منح إيما ستون جائزة أفضل ممثلة، وحظي بترشيحات عديدة. ومع صدور فيلمه الجديد Bugonia، يبدو الوقت مناسباً لاستعراض مسيرته وتصنيف أفلامه الروائية.
Kinetta (2005)

لم يحظَ فيلم لانثيموس الأول بإصدار أمريكي إلا في عام 2019، أي بعد أربعة عشر عاماً من إطلاقه. إن وصول الفيلم إلى الجمهور الأمريكي متأخراً دليل على المكانة التي اكتسبها المخرج لاحقاً.
قد يبدو Kinetta خفيفاً مقارنة بأعماله اللاحقة، لكنه يضع اللبنات الأولى لأسلوبه؛ حيث يمزج بين الأفكار الفلسفية والقسوة الإنسانية المزعجة. يتبع الفيلم ثلاثة هواة يصنعون فيلماً في منتجع ساحلي، وهو دراما بسيطة تكشف اهتمام لانثيموس المبكر بالأداء البشري، وإن كان بأسلوب أكثر تحفظاً مما اعتدنا عليه لاحقاً.
Alps (2011)

صُنع فيلم Alps في الفترة الفاصلة بين جنون Dogtooth والمرح الأسود في The Lobster. يركز الفيلم على خدمة غريبة تقدم العزاء لأقارب المتوفين عبر تقمص شخصيات أحبائهم الراحلين. يحمل الفيلم فرضية مثيرة ترتبط بوضوح ببصمة لانثيموس، ويعتمد على الغموض السردي، كما يشترك في الكثير من السمات الساخرة مع فيلم The Lobster (2015).
يعد Alps بطاقة تعريف ممتازة لأعمال لانثيموس، حيث يطور وعود Kinetta ويقدم فرضية أكثر تركيزاً وغرابة، مما يجعله تجربة سينمائية متماسكة.
Kinds of Kindness (2024)

مع صدور Kinds of Kindness بعد فترة وجيزة من النجاح النقدي لفيلم Poor Things، لم يكن مفاجئاً أن يتلقى الفيلم ردود فعل متباينة. يتكون الفيلم من أنثولوجيا تضم ثلاث قصص مترابطة، تتناول مواضيع القوة والطاعة والخضوع بأسلوب قاسٍ ومختلف عن أعماله السابقة.
يضم الفيلم طاقم تمثيل متميزاً بقيادة إيما ستون وجيسي بليمونز وويليم دافو. ورغم أن مدة الفيلم التي تقترب من ثلاث ساعات قد تختبر صبر المشاهد، إلا أن العمل يظل تجربة غنية بالدلالات وسط فوضى عالم لانثيموس المجنون.
Bugonia (2025)

يعود لانثيموس مجدداً للتعاون مع إيما ستون في دور رئيسة تنفيذية لشركة أدوية، يشتبه بكونها جاسوسة فضائية. يشاركها البطولة جيسي بليمونز في دور مهووس بنظريات المؤامرة، يختطفها مع ابن عمه لتعذيبها.
يعد الفيلم اقتباساً جديداً للفيلم الكوري Save the Green Planet! (2003)، وقد نجح لانثيموس في تطويع القصة لتناسب أسلوبه السردي. الفيلم كوميديا سوداء قاسية تتناول التطرف الرقمي والفجوات الاقتصادية، ويُعد دليلاً على ثقة المخرج في تقديم قصص غريبة بأسلوب سينمائي متقن.
Poor Things (2023)

فازت إيما ستون بجائزة الأوسكار عن دورها كـ “بيلا باكستر”، وهي شابة أعيد إحياؤها بواسطة عالم غير تقليدي (ويليم دافو) بعد زرع دماغ جنين في جسدها. تنطلق بيلا في رحلة لاكتشاف الذات والتحرر حول العالم.
تُقدم ستون أداءً مذهلاً يجسد براءة العقل في جسد بالغ، مما يضفي طابعاً كوميدياً صاخباً على الفيلم. يبرع لانثيموس في نسج السخرية حول مواضيع السيطرة الأبوية والهوية، مما يجعل Poor Things أحد أكثر أفلامه وصولاً للجمهور وأكثرها أهمية في سياق الثقافة الاجتماعية المعاصرة.
The Killing of a Sacred Deer (2017)

يُعد هذا الفيلم الأقرب إلى سينما الرعب الخالص في مسيرة لانثيموس. يقدم باري كيوغان أداءً مرعباً في دور مراهق يتقرب من جراح قلب (كولين فاريل)، ليحول حياته الأسرية إلى كابوس من الانتقام المشوه.
يظهر لانثيموس في هذا العمل بكامل قوته الإخراجية، حيث يمزج بين التوتر النفسي والكوميديا السوداء. الفيلم يثير عدم الارتياح بفضل طبيعته الواقعية المرعبة، ويذكرنا بأسلوب مايكل هانيكه في فيلم Funny Games (1997)، مع الحفاظ على بصمة لانثيموس الفريدة.
The Favourite (2018)

يؤكد هذا الفيلم قدرة لانثيموس على استخراج أفضل أداءات من ممثليه. حصدت أوليفيا كولمان جائزة الأوسكار عن تجسيدها للملكة آن، التي تتورط في صراع قوى مع سارة (راشيل وايز) وأبيجيل (إيما ستون).
يعد الفيلم مزيجاً مثالياً بين الدراما والكوميديا السوداء، حيث يكشف لانثيموس عن دوافع الشخصيات الطفولية والعبثية. يظل The Favourite من أبرز لحظات مسيرته، وأكثرها إضحاكاً بأسلوبه الساخر المعهود.
The Lobster (2015)

يُعد The Lobster أول إنتاج بلغة إنجليزية للمخرج، وهو قصة حب مغلفة بسخرية لاذعة حول الحالة الإنسانية. يجسد كولين فاريل دور رجل يعيش في عالم يُجبر فيه العزاب على إيجاد شريك خلال 45 يوماً، وإلا تحولوا إلى حيوانات.
يستخدم الفيلم فرضية خيالية لتقديم نقد اجتماعي حقيقي لضغوط العلاقات. إنه عمل مذهل يجمع بين الجمال البصري والسخرية المريرة، مع أداءات استثنائية من فاريل ووايز.
Dogtooth (2009)

لولا Dogtooth، لما رأينا بقية أعمال لانثيموس. قد لا يختاره الجميع كأفضل أفلامه، لكنه بلا شك الأكثر أهمية في مسيرته.
يصور الفيلم زوجين يربيان أطفالهما في عزلة تامة عن العالم الخارجي كنوع من التجربة الرهيبة. يمزج الفيلم بين الرعب والكوميديا السوداء بأسلوب يجعلك ترغب في إغلاق عينيك، لكنك لا تستطيع التوقف عن المشاهدة. إن عبقرية Dogtooth تكمن في قدرته على تحويل الكابوس إلى تجربة سينمائية أصيلة ومضحكة في آن واحد.





