تخطى إلى المحتوى

الشكل بوصفه سلاحاً: قراءة سياسية في معركة الجزائر لجيلو بونتيكورفو

الشكل بوصفه سلاحاً: قراءة سياسية في معركة الجزائر لجيلو بونتيكورفو

الشكل بوصفه سلاحاً: قراءة سياسية في معركة الجزائر لجيلو بونتيكورفو

هل يستطيع الشكل وحده أن يحمل موقفاً سياسياً؟ يطرح فيلم La battaglia di Algeri هذا السؤال منذ لقطاته الأولى، إذ لا يكتفي بتصوير لحظة من تاريخ الجزائر، بل يجعل طريقة التصوير نفسها حجة تخاطب المشاهد قبل أن تخاطب عقله. المخرج جيلو بونتيكورفو لم يسعَ إلى حياد بارد، لكنه أدرك أن الانحياز يصبح أكثر إقناعاً حين يبدو نتيجة طبيعية للمشهد، لا شعاراً يُفرض على المتفرج. ومن هنا تبدأ قراءة الفيلم بوصفه بنية سياسية تتشكل عبر الإطار والقطع والإيقاع، قبل أن تتشكل عبر الحوار أو الحكاية.

تقوم سينماتوغرافيا الفيلم على وهم الشهادة. الكاميرا تقترب من الأجساد والأزقة والوجوه كأنها تسجل ما يجري أمامها، فلا تبدو الصورة مصنوعة لتمنح الحدث جلالاً إضافياً. هذا الاختيار يجرد المعركة من الأسطورة التي تحيط عادة بحروب التحرر في السينما، ويحولها إلى وقائع يومية تتكرر بإيقاع ثقيل ومرهق. وحين تغيب الموسيقى التصويرية في لحظات كثيرة، يبقى صوت الخطى وصوت الحواجز والأبواب ليؤكد أن الحدث لا يحتاج إلى زخرفة. المتفرج لا يُدعى إلى الإعجاب بالبطولة، بل يُدعى إلى الإصغاء للتفاصيل التي تصنع الحياة اليومية تحت الاحتلال، وهذا فرق جوهري بين فيلم يمجد الثورة وفيلم يشرح كيف تولد.

La battaglia di Algeri (1966)

أما المونتاج فهو الحجة الأعمق في الفيلم. تتجاور المدينة القديمة بأزقتها الضيقة مع الأحياء الأوروبية المنظمة، ويقطع المونتاج بين الفضاءين بإيقاع متصاعد يجعل المتفرج يشعر بالمسافة الجغرافية والاجتماعية في آن واحد. القطع هنا لا يربط الأحداث فحسب، بل يكشف التراتب الاستعماري نفسه، إذ يعرف المشاهد من أين يأتي كل تهديد، ومن أين يتسرب الخوف إلى الجانبين. تبدو المدينة كأنها مقسومة إلى طبقتين تتبادلان الشك والرعب، وكل انتقال بين الطبقتين يحمل معه سؤالاً عن السلطة ومن يملك حق الدخول والخروج. بهذا المعنى يصبح الانتقال بين الأمكنة شكلاً من أشكال التحليل السياسي، لا مجرد وسيلة لتسلسل الحكاية، ويترك للمشاهد مهمة استخلاص النتيجة بنفسه.

يمنح الفيلم علي لابوانت مساراً يبدو فردياً في ظاهره، فهو لص صغير تحول إلى قائد في جبهة التحرير الوطني. غير أن الفيلم يرفض أن يجعل هذا الصعود قصة بطولة معزولة. فالقائد عقدة في شبكة من المقاتلين والمدنيين والخلايا السرية، ويظهر جسده دائماً مرتبطاً بجماعة تتحرك معه وتتنفس بإيقاعه. الكاميرا لا تفصله عن محيطه كما تفعل أفلام البطولة التقليدية، بل تضعه داخل الزحام والممرات والبيوت المغلقة، فتتحول سيرته إلى سيرة جماعة كاملة. بهذا تنتقل صورة البطل من فرد يُمجَّد إلى تعبير عن إرادة جمعية، وهو اختيار يخدم الموقف السياسي للفيلم أكثر من أي خطاب مباشر يمكن أن يُلقى في الحوار.

في المقابل يقدم الفيلم الكولونيل فيليب ماتيو رجلاً خبر الحرب العالمية الثانية وحرب الهند الصينية الأولى، وجاء إلى الجزائر لقمع الانتفاضات. لا يرسمه الفيلم شريراً كاريكاتورياً، بل يمنحه كلاماً هادئاً ومنطقاً متماسكاً وإحساساً بالواجب يجعله أقرب إلى مهندس منه إلى جلاد. هنا تكمن قوة الفيلم السياسية، إذ يضع المتفرج أمام آلية الاستعمار المضادة للتمرد في صورتها الأكثر عقلانية. يشعر المشاهد بالقلق لأن الحجة تبدو متماسكة من الداخل، ولأن الخطر لا يأتي من رجل يكره الجزائريين بقدر ما يأتي من نظام يعرف كيف يبرر كل إجراء. وعند هذه النقطة يدرك المتفرج أن المعركة لا تُحسم بالتبرير الأخلاقي وحده، بل بقدرة كل طرف على تحويل قناعاته إلى أدوات عملية.

La battaglia di Algeri (1966)

لا يتجنب الفيلم مشاهد العنف الأكثر قسوة، بل يقدمها بعين باردة لا تستعجل التعاطف ولا تخفي الدم. تتوزع الإصابات بين الطرفين، ويرى المشاهد الخوف يتسلل إلى المدنيين من الجهتين، فلا يتحول الصراع إلى ثنائية أخلاقية سهلة. الرصاصة والانفجار لا يُقدمان بوصفهما ذروة درامية تستدعي التصفيق، بل كحلقة في سلسلة طويلة من الفقد اليومي. ومع ذلك لا يساوي الفيلم بين الاحتلال والمقاومة في الميزان الأخلاقي، إذ تبقى بنية الظلم واضحة في تفاصيل السيطرة والتفتيش والحواجز. الجندي الذي يقلب بيتاً رأساً على عقب يمثل القوة بوضوح، والمرأة التي تخفي متفجرة في سلتها تمثل الضعف الذي يتحول إلى مقاومة، والفرق بين الاثنين لا يحتاج إلى تعليق صوتي. هذا التوازن بين الرصانة والانحياز هو ما يجعل الفيلم شهادة سياسية لا دعاية.

تتعامل الكاميرا مع الجموع بوصفها كياناً سياسياً قائماً بذاته. تتحرك الحشود في الأزقة والساحات بكثافة تشبه التنفس الجماعي، ولا تظهر خلفيةً لأبطال يتقدمون في المقدمة. في هذه اللقطات تتضح فكرة الفيلم الأساسية، أن التحرر لا يصنعه فرد يقود الآخرين، بل إحساس مشترك يتراكم في الأجساد والأصوات والصمت. ولهذا يبدو الحضور البشري في الفيلم أكثر كثافة من الحوار، فيكفي أن تتقدم الجموع داخل الإطار لتتضح الرسالة دون شرح إضافي. المخرج يستعمل غير الممثلين ووجوههم الخشنة لتأكيد هذا الإحساس بالواقعية، فتتحول الأجساد إلى أرشيف حي لمعاناة لم تكتب بعد في الكتب الرسمية.

La battaglia di Algeri (1966)

لا يخلو الفيلم من مآخذ. فالحرص على بناء حجة شاملة يحد أحياناً من تطور الشخصيات الثانوية، إذ تبدو بعض الوجوه أدوات لتوضيح الفكرة أكثر من كونها أفراداً يحملون تناقضاتهم الخاصة. الأم والأخ والمقاتل الشاب يظهرون في الغالب بوصفهم حاملين لمعنى محدد، ونادراً ما يتاح لهم أن يتراجعوا أو يخطئوا بطريقة تكشف عمقهم. كما أن الصرامة الشكلية تفرض على المتفرج قراءة شبه واحدة للحدث، فيجد نفسه مدفوعاً نحو الفهم الذي يريده المخرج حتى حين يحاول أن يتمهل ويتأمل. هذه الملاحظات لا تنتقص من قوة الفيلم، لكنها تكشف حدود الشكل حين يسعى إلى الإقناع بكل وسائله، فيترك أقل مساحة للمفاجأة والاختلاف.

يتجنب الفيلم أن يتحول إلى بيان سياسي مغلق، فهو لا يختم بخطاب يوجه المتفرج إلى نتيجة محددة، بل يترك له أثر المشاهد وتبعاتها. هذه النهاية المفتوحة تمنح العمل قدرة على تجاوز لحظته التاريخية، لأن السؤال الذي يطرحه عن علاقة القوة بالمقاومة لا يرتبط بالجزائر وحدها. أي مدينة تعيش تحت سلطة أجنبية أو محلية تتحول فيها الحواجز إلى وسيلة للسيطرة قد تجد نفسها في الفيلم. كما أن المخرج يعامل المتفرج بوصفه شريكاً في التفكير، لا متلقياً لشعار جاهز، وهو ما يميز الأعمال السياسية الكبرى عن الأعمال التي تكتفي بالتصفيق لقضيتها.

يبقى La battaglia di Algeri درساً في كيفية تحويل التوثيق إلى حجة سياسية. القوة هنا لا تأتي من الحوار الصريح أو من الموسيقى المؤثرة، بل من الإطار واختيار اللقطة وإيقاع القطع. ومن يعود إلى الفيلم اليوم يكتشف أن الشكل عمل بصمت، وأن المونتاج قال ما لم تقله الكلمات. هذا هو المعنى الحقيقي للشكل بوصفه سلاحاً، إذ يصيب المتفرج قبل أن يقنعه، ويبقى أثره بعد انتهاء العرض.

انتهى العرض

شكرًا لمتابعتك القراءة في مذاق سينما