تخطى إلى المحتوى

الإيقاع المحموم للجسد والضوء: قراءة شكلية في «بيتي بلو»

الإيقاع المحموم للجسد والضوء: قراءة شكلية في «بيتي بلو»

الإيقاع المحموم للجسد والضوء: قراءة شكلية في بيتي بلو

ثمة أفلام تطلب من المُشاهد أن يصدّق الحرارة قبل أن يفهم الحكاية، فتبدو الصورة نفسها كأنها تنبض بالحمى. ينتمي الفيلم 37°2 le matin إلى هذه الفئة، إذ يحوّل الشغف إلى مادة بصرية خالصة، ولا يكتفي بروايته أو الإشارة إليه. قد يبدو هذا الخيار مغامرة محفوفة بالمخاطر، فالعاطفة المتقلبة تميل بطبيعتها إلى الفوضى والإفراط. غير أن المخرج جان جاك بينيكس يحوّل هذه الفوضى إلى نظام دقيق من الألوان والإيقاع، يعرف متى يشتد ومتى يتراجع.

يتتبع الفيلم رجلاً متراخياً يعمل في الإصلاحات المنزلية ويطمح إلى كتابة رواية، ويحاول أن يسند شريكته الأصغر سناً وهي تنزلق ببطء نحو الجنون. غير أن قيمة العمل لا تكمن في ما يحدث بقدر ما تكمن في طريقة عرضه. فالفيلم يتعامل مع الانهيار بوصفه حالة حسية تتسرب إلى الكادر، لا حدثاً يُروى بالتسلسل الزمني المألوف. ومن هذا المنطلق يصبح السؤال عن الشكل أهم من السؤال عن الحبكة، لأن الشكل هو ما يحمل الاضطراب إلى المتفرج. فالمشاهد يدخل إلى الحكاية عبر الإحساس قبل المعلومة، ويكتشف الخطوط العامة للعلاقة بعد أن تكون الصورة قد أثرت فيه.

37°2 le matin (1986)

تقوم اللغة اللونية في 37°2 le matin على تشبع حادّ يدفع الألوان إلى حافة الاحتمال. تبدو الجدران والأقمشة والإضاءة الداخلية مشبعة بدرجات تتجاوز الواقع المألوف، فتتحول الأمكنة اليومية إلى فضاءات تفيض بحرارة داخلية. ولا يستعمل بينيكس اللون زينةً بصرية، بل يجعله حاملاً للمزاج، إذ يتصاعد الإحساس بالاضطراب كلما اشتدت حرارة اللون وتضاعف توهجه في الكادر. وهذا يعني أن المتفرج لا يقرأ المكان بوصفه خلفية للحكاية، بل يعيشه بوصفه جزءاً من انفعالها.

ولا تبقى اللغة اللونية على حالها طوال المسار، بل تتبدل شدتها بحسب ما يمر به الثنائي من تقلبات. ويبدو أن الألوان المتوهجة في لحظات الشغف الأولى تفقد بعض نصاعتها كلما اقتربت العلاقة من الانهيار، فيشعر المتفرج بأن الحرارة نفسها تتحول من دفء إلى إنهاك. هذا التدرج يكشف أن بينيكس لا يعامل اللون بوصفه مادة ثابتة، بل بوصفه مؤشراً على حالة نفسية في تغير مستمر. ومن هنا يصبح الضوء ذاكرة للمشاعر، إذ يحمل آثارها حتى في المشاهد التي تخلو من الحوار المباشر.

أما المونتاج فهو الموضع الذي تتجلى فيه الحمى بأوضح صورها. تتقارب القطعات وتتسارع، فتتلاحق اللقطات دون أن تمنح العين فرصة للاستقرار، وكأن الفيلم يلاحق نبض الشخصيات لا زمن الحكاية. يبني المونتاج هنا توتره على التكرار والتسارع المتدرج، لا على الذروة الدرامية الواضحة. وتغدو اللقطة الواحدة في هذا النظام نبضةً قصيرة، لا وحدةً مكتملة تستقر فيها الدلالة. والنتيجة أن المشاهد لا يملك وقتاً كافياً ليحلل ما رآه قبل أن يأتي ما بعده، وهو ما يمنح الانفعال طابعاً جسدياً أكثر منه ذهنياً.

تعتمد الكاميرا المحمولة على قدر كبير من الحركة غير المستقرة، فتقترب من الجسد وتتنقل معه كأنها جزء من التجربة لا شاهد خارجي عليها. هذا الاختيار يلغي المسافة النقدية التي توفرها الكاميرا الثابتة، ويضع المتفرج في موقع المنغمس في الانفعال لا المراقب له. ولا تسعى الحركة إلى جمال منظم، بل إلى الإحساس بالاختلال، فتصبح أداة للتعبير عن الاضطراب النفسي أكثر مما هي أداة لوصف المكان. وتبدو الكاميرا في هذا السياق أقرب إلى نبض ثالث يضاف إلى نبض الشخصيات ونبض المونتاج، إذ تشتد اهتزازاتها في لحظات الاحتدام ثم تهدأ حين تنحسر العاصفة.

والملفت أن الفيلم يبني توتره الحسي دون أن يغرق في التفاصيل الجسدية الصريحة. يترك الإيقاع البصري مهمة الإيحاء، فيشعر المشاهد بالرغبة والخطر والعطب عبر تتابع الصور وتبدّل الإضاءة، لا عبر ما تكشفه العدسة من أجساد. وهذا ما يمنح العمل قدراً من التحفظ الشكلي، إذ يقنع المتفرج بأن الشغف أعمق من أي تصوير مباشر له، وأن الإيحاء أصدق من الإفصاح. فالكادر هنا يختار ما يُعرض وما يُترك في الظل، والظل في هذا السياق أداة سردية بقدر ما هو أداة ضوئية. وهذا الاختيار لا يخلو من ذكاء، لأن الإغراء البصري يكون أقوى حين يبقى معلقاً بين الكشف والإخفاء.

يقيم الفيلم تبايناً لافتاً بين إيقاعين متعارضين. إيقاع الرجل المتراخي الذي يبدو غير مكترث بالعالم من حوله، وإيقاع المرأة المتسارع الذي يقترب من حافة الانفجار. ويجد المونتاج في هذا التباين مادة للسرد، إذ تتباطأ اللقطات حين يتأمل الرجل، ثم تتسارع حين تنفلت الشابة من محاولات الاحتواء. هنا تتضح قدرة الفيلم على تحويل التباين الشخصي إلى تباين شكلي يمكن قراءته بالعين قبل أن يُفهم بالعقل. وهكذا يصبح الاختلاف في الإيقاع سؤالاً عن الزمن نفسه، إذ يتمدد زمن الرجل بينما يضيق زمن الشابة حتى يكاد يختنق.

37°2 le matin (1986)

غير أن هذا الاعتماد المكثف على الشكل لا يخلو من كلفة. فحين تتقدم الصورة على الحكاية إلى هذا الحد، قد يشعر بعض المشاهدين بأن الشخصيات تتحول إلى حوامل للمزاج أكثر منها كائنات مكتملة الملامح. وقد يجد من يبحث عن سرد متماسك في هذا الأسلوب إرهاقاً متكرراً، لأن الانفعال يعود بوتيرة تفوق قدرة الحكاية على تطوير معناه. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا الإيقاع المحموم يخدم الفيلم دائماً أم يستنزفه في لحظات بعينها. ومع ذلك، فإن هذه الكلفة ليست نقصاً بالضرورة، بل هي الثمن الذي يدفعه أي عمل يختار أن يكون تجربة حسية قبل أن يكون حكاية.

ولا يكتمل فهم هذا الإيقاع دون النظر إلى موقع المتفرج نفسه. فالفيلم لا يطلب منه أن يفهم الشخصيات بقدر ما يطلب منه أن يتزامن معها، أن يلهث مع اللقطة ويتراجع مع الصمت البصري. هذا النوع من الاشتراك يحوّل المشاهدة إلى تجربة جسدية قريبة من التوتر الذي تعيشه الشخصيات، وهو ما يفسر لماذا تبدو بعض اللحظات أثقل من مجرد وصفها. وفي المقابل، يترك هذا الانغماس مساحة ضيقة للتأمل النقدي، فيصبح الحكم على الفيلم مرتبطاً بمدى قدرة المتفرج على احتمال هذا الإيقاع.

يترك الفيلم بعد انتهائه أثراً يشبه حمى تخفت ببطء، إذ تبقى الألوان أكثر حضوراً في الذاكرة من الأحداث نفسها. وهذه، في تقديري، أهم ما يميز الصياغة البصرية لبينيكس في هذا العمل، إذ يجعل المتفرج يحمل الإيقاع معه بعد الخروج من الصالة، ويستمر الاضطراب في الجسد أكثر مما يستمر في الحكاية. ويبدو أن الذاكرة هنا تحتفظ بالتوهج واللون أكثر من تسلسل الوقائع، وهو ما يعكس طبيعة الفيلم نفسها. وهو أثر لا يعتمد على الشرح، بل على تراكم الصور وتكرارها بإصرار.

37°2 le matin (1986)

يبقى 37°2 le matin اختباراً لقدرة الصورة على حمل ما تعجز الحكاية عن قوله، وإن كان هذا الحمل يثقل أحياناً على الحكاية نفسها. وفي هذا التوازن المضطرب تكمن قيمته الشكلية، إذ يستعير من السينما الصورة المشبعة والإيقاع المتوتر والكاميرا القلقة أدواتٍ لفهم الشغف بوصفه إيقاعاً يتجاوز الكلام. ويبقى هذا الشكل شاهداً على أن السينما قادرة على أن تقول الشغف بالعين قبل أن تقوله باللسان.

انتهى العرض

شكرًا لمتابعتك القراءة في مذاق سينما