تخطى إلى المحتوى

إسكندرية ليه؟ حين يصبح السؤال عن المدينة سؤالاً عن الذات

إسكندرية ليه؟ حين يصبح السؤال عن المدينة سؤالاً عن الذات

إسكندرية ليه؟ حين يصبح السؤال عن المدينة سؤالاً عن الذات

ليست كل مدينة تستحق أن تُسأل عن سبب وجودها، غير أن الإسكندرية في فيلم Alexandria… Why? تفرض هذا السؤال على المشاهد منذ لحظاته الأولى. فالعنوان الذي اختاره المخرج يوسف شاهين يبدو في ظاهره استفهاماً عابراً، لكنه يتحول مع توالي المشاهد إلى مساءلة عميقة لعلاقة الإنسان بمكانه وبحلمه. الفيلم لا يقدم المدينة بوصفها خلفية جميلة للحكاية، بل يجعلها طرفاً أصيلاً فيها، وسؤالاً مفتوحاً يلاحق بطله حتى آخر الطريق. في هذه القراءة نتتبع الكيفية التي يحول بها الفيلم المكان إلى مرآة لأسئلة الهوية والاختيار والحرية، في مواجهة ضغوط اجتماعية وسياسية لا تلين بسهولة.

إسكندرية ليه؟ (1979)

إسكندرية ليه؟ (1979)

تتبدى المدينة في الفيلم مرآة تعكس قلق الفرد أكثر مما تعكس جمال شوارعها وبحرها. فالإسكندرية هنا فضاء متعدد الأصوات والطبقات، تتجاور فيه الأحلام الكبيرة مع ضيق الحال، وتتعايش فيه انتماءات مختلفة تحت سماء واحدة. ومن هذا التنوع يستمد الفيلم قدرته على طرح سؤال الهوية بوصفه سؤالاً يومياً لا يحتاج إلى إجابات نظرية. الكاميرا لا تتعامل مع المدينة كبطاقة بريدية تُعرض للتأمل، بل كمساحة يعيش فيها الناس ويتزاحمون ويتعثرون. يحيى، بطل الحكاية، ينظر إلى المدينة ويرى فيها ما لا يراه أهلها، وهذه النظرة هي التي تحول المكان إلى مادة للتأمل الفلسفي. تصبح المدينة وعاءً للتساؤل لأن بطلها يعيش فيها غريباً حتى وهو بين أهله.

يعيش يحيى في عالم داخلي تحكمه الأفلام الأمريكية وصور هوليوود المتلألئة. هذا العالم ليس هروباً بسيطاً من الواقع، بل محاولة لصياغة ذات أخرى تستطيع أن تتنفس بعيداً عن ضغط البيت والمدرسة والحرب. السينما تصبح في الفيلم أفقاً للحرية، وحلم الدراسة في أمريكا يتحول إلى وعد بالخروج من الحدود المرسومة. غير أن الفيلم يكشف هشاشة هذا الوعد، إذ يبقى الحلم معلقاً بين الرغبة والإمكان، ولا يملك البطل سوى أن يتخيله ويقترب منه خطوة بعد خطوة. ومن المفارقة أن الشاشة التي تمنحه الحلم هي نفسها التي تذكّره بالمسافة الفاصلة بينه وبين ما يتمناه. لا تصبح السينما ملاذاً مطمئناً، بل نافذة مضيئة تكشف الهوة بين المكان الذي يقف فيه والمكان الذي يحلم به.

يطرح الفيلم سؤال الاختيار بوضوح، إذ يضع بطله بين رغبته في الذهاب بعيداً وبين قيود الطبقة الوسطى التي يعيش في كنفها. الأسرة تنتظر منه مساراً محدداً، والمجتمع يقيس النجاح بمعايير ثابتة لا تعترف بالأحلام الفنية. هنا يتحول الاختيار من قرار شخصي إلى صراع مع منظومة كاملة من التوقعات. ويحسب الفيلم لصانعه أنه لا يقدم الحرية بوصفها نصراً سهلاً، بل ثمناً يدفعه الفرد من راحته واستقراره، وربما من علاقته بمن يحب. الاختيار في هذا السياق ليس لحظة بطولية واحدة، بل سلسلة من التنازلات الصغيرة والمواجهات المتكررة التي تستهلك صاحبها ببطء. لذلك يقترب الفيلم من مساءلة أخلاقية أكثر مما يقترب من حكاية نجاح تقليدية، فالبطل لا يعرف دائماً أي طريق هو الأصدق، ولا يملك ضماناً بأن الحلم سيكافئ صبره.

تحضر الحرب في الفيلم بوصفها ضغطاً خارجياً يحيط بالحياة اليومية ويعيد ترتيب أولوياتها. الفقر والموت والمعاناة لا تظهر كمشاهد صادمة تبرز القسوة لذاتها، بل كخلفية ثقيلة تضعف الأمل وتجعل الحلم الفردي يبدو ترفاً في نظر البعض. ومن هذه الزاوية يكشف الفيلم كيف تتشابك السياسة مع الحياة الشخصية، فتصبح الأسئلة الصغيرة عن الدراسة والسفر أسئلة عن البقاء والكرامة. الحرب هنا لا تفسر البطل ولا تبرر تمرده، لكنها تكشف الثمن الذي يدفعه كل من يحاول أن يعيش خارج الإطار المألوف. الفيلم يتعامل مع الحرب أفقاً يحاصر الشخصيات من الخارج، لا موضوعاً يُعرض لإثارة العواطف. هذا الاختيار يمنح الحكاية توازنها، لأن الخطر الحقيقي يبقى في داخل البطل، أي في سؤاله عن نفسه وعن مكانه.

إسكندرية ليه؟ (1979)

يعتمد الفيلم على إيقاع يتنقل بين الواقع وعالم الخيال بسلاسة تكشف رغبة البطل في الانفصال عن محيطه. الانتقال من الشارع إلى الداخل، ومن الضوء الطبيعي إلى أجواء أقرب إلى الحلم، يجعل المشاهد يعيش الانقسام ذاته الذي يعيشه يحيى. وفي هذه الحركة بين الفضاءين تبرز اللقطة القريبة قيمتها، إذ تكشف تردد الوجه وانكسار النظرة أكثر مما تقوله الحوارات. الكاميرا هنا لا تكتفي بتسجيل الحدث، بل تراقب ما يدور داخل الشخصية وتحاول أن تلتقط أثره. العين السينمائية تقترب من البطل حتى تصبح قريبة من ارتباكه، ثم تتراجع لتذكّرنا بأن العالم أوسع من أحلامه الضيقة. هذه المسافة المتغيرة بين الكاميرا والشخصية هي ما يصنع التوتر، دون أن يعلن الفيلم ذلك صراحة.

يتعامل المخرج مع الزمن بوصفه عنصراً نفسياً لا خطياً. فالمشاهد لا تنتظم دائماً وفق منطق سببي واضح، وبعض اللحظات تبدو معلقة بين الذكرى والتمني. هذا الأسلوب يمنح الفيلم كثافة عاطفية ويجعله أقرب إلى تأمل شخصي منه إلى سرد تقليدي. المونتاج يخدم هذه الفكرة، إذ يقطع المشهد في لحظة ذروة ليترك أثره في الذهن، ويعيد الربط بين الماضي والحاضر كما تفعل الذاكرة حين تستعيد ما لم يُقل. وبهذا يصبح الزمن نفسه جزءاً من الصراع، فلا يتقدم البطل في خط مستقيم نحو هدفه، بل يدور حول أسئلته القديمة ويعود إليها كلما ظن أنه تجاوزها. الماضي هنا ليس خلفية للحكاية، بل قوة حاضرة تشكل الاختيار وتعيد طرحه.

تتشكل السلطة في الفيلم عبر مستويات متعددة، فهي حاضرة في الأسرة كما هي حاضرة في الفضاء العام. الأب والأم والمدرسة والمجتمع الأوسع يشتركون في تحديد الصواب والخطأ، ويتعاملون مع الحرية الفردية بوصفها خروجاً عن المألوف. وفي المقابل يكشف الفيلم أن هذه السلطة لا تملك سوى نفوذ محدود أمام إصرار الفرد على تخيل مستقبله. فالقمع هنا لا يحسم المعركة، بل يحولها إلى صراع داخلي طويل يترك أثره في كل قرار يتخذه البطل. ويلفت النظر أن الفيلم لا يرسم الأسرة ولا المجتمع بوصفهما شريرين خالصين، بل يتعامل معهما امتداداً لخوف حقيقي من المستقبل ومن الفقد. هذه النظرة المتوازنة تجعل الصراع أكثر إنسانية، إذ تنتقل الحدة من تصنيف الأشخاص إلى التساؤل عن الثمن الذي يدفعه الجميع.

إسكندرية ليه؟ (1979)

لا يمكن قراءة الفيلم بمعزل عن سيرته الذاتية، فهو يستعيد جانباً من تجربة المخرج الشاب الذي حلم بالسينما قبل أن يصبح أحد أهم وجوهها. هذا البعد الشخصي يمنح الأسئلة طابعاً صادقاً، ويحول الحكاية إلى مساءلة يوجهها المخرج إلى نفسه قبل أن يوجهها إلى المشاهد. وفي هذه المساءلة يظهر الفن وسيلة للفهم، وأداة لمواجهة الماضي دون أن يدعي تقديم إجابات نهائية. الفيلم يعترف بأن الانتماء ليس معطى ثابتاً، بل قرار يتجدد مع كل خطوة. ومن هنا تأتي قيمته، إذ يطرح سؤال الهوية من داخل تجربة فردية، لا من موقع الحكم على الآخرين.

يثير الفيلم مشاعر متناقضة، إذ يترك المشاهد أمام حزن عميق وأمل متردد في الوقت نفسه. وقد يجد بعض المشاهدين أن تشابك الخطوط السردية وكثافة الأسئلة يتطلبان صبراً وتركيزاً، فالفيلم لا يمنح الراحة السهلة ولا يقدم حلولاً جاهزة. غير أن هذه الصعوبة تبدو جزءاً من تصوره، لأن الحياة التي يصورها لا تحتمل الوضوح الكامل. ويمكن القول إن الفيلم يثقل على المتلقي أحياناً بتكرار الأسئلة، لكن هذا الثقل يبدو مقصوداً، لأنه يحاكي تردد البطل نفسه. والمشاهد الذي يقبل هذا الإيقاع يخرج بإحساس بأن السؤال الذي طرحه الفيلم في عنوانه ما زال مفتوحاً.

يبقى فيلم Alexandria… Why? عملاً يستخدم المدينة لتأمل معنى الحلم والاختيار والانتماء دون أن يتحول إلى خطاب مباشر. فالإسكندرية فيه ليست مجرد عنوان، بل سؤال يعود كلما اقترب البطل من قرار مصيري، ويكشف كيف تتشابك الذات مع المكان والزمن. وعند نهاية المشاهدة، يبقى أثر الفيلم في السؤال نفسه لا في الإجابة التي يقدمها، وهذا ما يمنحه قيمته الدائمة في تاريخ السينما العربية.

انتهى العرض

شكرًا لمتابعتك القراءة في مذاق سينما