لم تكن الفانتازيا في العقد الثاني من الألفية الثالثة مجرد قالب للتسلية أو مساحة للمؤثرات الرقمية. فقد وجد عدد من المخرجين في المكسيك وإيران وكوريا الجنوبية في الحكاية الخارقة وسيلة لاختبار اللغة البصرية والسردية نفسها. ومن هذا المنطلق تستعيد هذه القائمة عشرة أفلام لم تنل ما تستحقه من الانتشار، رغم جرأتها الشكلية وثراء أسئلتها.
تتنوع الأعمال بين الرعب والملحمة والرسوم المتحركة والدراما الرومانسية، لكنها تشترك في رغبة واضحة بتجاوز الحدود المألوفة للحكاية. فبعضها يحول البيت إلى كائن يتذكر الجريمة، وبعضها يستدعي الجن في طهران أثناء الحرب، وبعضها يعيد صياغة الأسطورة الإيطالية مرآةً لعالم الكبار. ولا يخضع الترتيب لتصنيف صارم، بل يتدرج وفق ما يطرحه كل فيلم من أسئلة حول الزمن والفقد والإيمان والسلطة.
1. Post Tenebras Lux (2012)

يضعنا الفيلم أمام عائلة حضرية تقيم في الريف المكسيكي، حيث يعيش خوان وأسرته عالمين متجاورين، يتمتعان بأحدهما ويعانيان من الآخر. لا يقدم السرد إجابة واضحة عن المصير، فيبقى المشاهد أمام احتمال أن يكون العالمان متكاملين، أو أن كلاً منهما يسعى إلى إلغاء الآخر.
إعلان
تعتمد السينماتوغرافيا على ظلال كثيفة تجعل الواقع يتسرب تدريجياً إلى الرؤيا، فلا يعرف المتفرج بدقة متى ينتقل من المشهد اليومي إلى الحلم. هنا يتحول الضوء نفسه إلى أداة سردية، يخفي أكثر مما يكشف، ويجعل الصورة أقرب إلى ذاكرة مرتبكة منها إلى تسجيل لحدث.
لماذا تشاهده: لأنه تجربة شكلية جريئة تعيد تعريف الحلم داخل السينما المكسيكية، ولمن يبحث عن فيلم يطالب بالصبر والتأمل أكثر مما يمنح إجابات جاهزة.
2. زیر سایه (2016)

بعد أن يُصاب مبنى تقطنه شيدة بصاروخ خلال الحرب العراقية الإيرانية، تقنعها جارة خرافية بأن الصاروخ ملعون ويحمل أرواحاً شريرة من الشرق الأوسط. تبدأ شيدة بالاعتقاد أن قوة خفية داخل البناء تحاول تملّك ابنتها دورسا، فتجد نفسها مضطرة إلى مواجهتها لإنقاذ ابنتها ونفسها.
إعلان
يستخدم الفيلم حكاية الجن بوصفها استعارة للرعب الاجتماعي الكامن خلف الجدران. فالخرافة هنا تكشف خوف النساء من الفقد والعزلة في زمن الحرب، والجن لا يأتي من خارج الواقع، بل يتسرب من صمت البيت وقلق سكانه.
تتوازن الدراما الواقعية مع عناصر الرعب بتوليفة لافتة، فيبقى الإيقاع متماسكاً حتى حين تتعدد الظواهر الغامضة. وهذا التوازن يمنح العمل قوته، إذ لا يكتفي بتخويف المشاهد، بل يطرح سؤالاً عن الثمن الذي تدفعه الأمهات في ظل الحصار والخوف.
لماذا تشاهده: لأنه يقدم رعباً نابعاً من التاريخ والجيرة والبيت، ويكشف كيف يمكن للخرافة أن تحمل وجعاً اجتماعياً وسياسياً دون أن تفقد خصوصيتها.
إعلان
3. 곡성 (2016)

يصل غريب إلى قرية صغيرة، ثم يبدأ مرض غامض بالانتشار بين سكانها. يجد شرطي نفسه منجراً إلى الحادثة، ويضطر إلى حل اللغز كي ينقذ ابنته، فتتحول التحقيقات البوليسية إلى رحلة في الشك والإيمان.
يمزج الفيلم الشعوذة بالريف الكوري، فتبدو القرية مكاناً تتراكب فيه الطقوس القديمة مع الحياة اليومية. يصعب على الشخصيات التمييز بين الحقيقة والوهم، وتتسع الحكاية الغامضة لتطرح أسئلة عن الإيمان ومدى الثقة بما نراه ونسمعه.
يعتمد المونتاج على إيقاع متوتر يقطع المشاهد عند لحظات الذروة، فيبقى المتفرج في حالة ترقب مستمرة. لا يعرف إن كان يتابع جريمة أم طقساً أم شيئاً أكبر من كليهما، وهذا الالتباس هو جوهر متعته.
لماذا تشاهده: لأنه تحقيق بوليسي يتحول إلى تأمل في الشك، ولمن يريد رعباً يتكئ على الريف والإيمان أكثر من الاعتماد على الصدمة السريعة.
4. Il racconto dei racconti (2015)

يستعيد الفيلم حكايات شعبية إيطالية، فنتابع ملكة تخاطر بكل شيء كي تصبح أماً، وملكاً يقع في حب صوت فتاة غامضة، وملكاً آخر تستحوذ عليه برغوثة فيهمل ابنته. تتقاطع هذه الحكايات بعناية، فتبدو الأسطورة عالماً واحداً تحكمه الرغبة والغفلة.
تبدو لغة الفيلم البصرية باذخة، إذ تمزج الأزياء والمناظر والإضاءة بين الواقعية الطبيعية والخيال الصارم. غير أن هذا الترف لا يقصد الزينة وحدها، بل يبني مسافة تسمح للمشاهد بالتأمل في معنى الرغبة والسلطة.
يبين العمل كيف يمكن للأسطورة أن تكون مادة للتأمل لا للتسلية وحدها. فالرعب هنا لا يأتي من الوحش فقط، بل من الانغماس في الرغبة حين تقطع صلة الإنسان بمن يحب.
لماذا تشاهده: لأنه يعيد الحكاية الشعبية إلى أصلها الغامض والقاسي، ويقدم تجربة بصرية تثير أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة جاهزة.
5. Okja (2017)

تخاطر فتاة صغيرة اسمها ميجا بكل ما تملك لمنع شركة متعددة الجنسيات قوية من اختطاف صديقها المقرب، وهو حيوان ضخم يحمل اسم أوكجا. تتحول العلاقة بين الفتاة وكائنها الخيالي إلى محور الحكاية، بينما تتسع الدائرة لتشمل الصراع مع قوى السوق.
يطرح الفيلم حكاية حيوان خيالي في مواجهة الشركات الكبرى، فيجمع بين الفانتازيا والنقد السياسي في بنية سردية متماسكة. فالحيوان ليس رمزاً مجانياً، بل مرآة تكشف كيف تتعامل الصناعة مع الكائنات بوصفها سلعاً قابلة للاستبدال.
يتنقل الإيقاع بين مشاهد المغامرة الخفيفة ولحظات القسوة الصادمة، فيبقى المشاهد بين الدفء والحذر. وفي ذلك اختبار لقدرة الفانتازيا على حمل خطاب أخلاقي دون أن تتحول إلى موعظة.
لماذا تشاهده: لأنه حكاية صداقة غير معتادة تضع الطفولة في قلب صراع اقتصادي، ولمن يبحث عن فانتازيا تجرؤ على طرح أسئلة سياسية صريحة.
6. Crimson Peak (2015)

بعد مأساة عائلية، تجد كاتبة طموحة نفسها ممزقة بين حبها لصديق طفولتها وإغراء رجل غريب غامض. تحاول الهروب من أشباح ماضيها، فتنجرف إلى بيت يتنفس وينزف ويتذكر.
يعيد الفيلم بناء القوطية الرومانسية بتفاصيل بصرية دقيقة، فتتحول الأثاث والجدران والأرضيات إلى عناصر تحمل ذاكرة الجريمة. لا يبدو البيت خلفية للأحداث، بل كائناً فانتازياً يشارك في السرد ويكشف ما تحاول الشخصيات إخفاءه.
يمزج العمل بين الرعب والرومانسية والغموض، فيبدو كل مشهد مشغولاً بعناية كأنه قطعة فنية في متحف مهجور. هذه الكثافة البصرية تمنح الحكاية طابعاً حلمياً يقترب من الكابوس دون أن يفقد تماسكه.
لماذا تشاهده: لأنه يعيد الحياة إلى القوطية بعين تعرف كيف تجعل البيت شخصية، ولمن يحب الرعب الذي يتكئ على الجمال والتفاصيل.

عيون الخمسينيات: حين تعلّم الأوروبيون أن يُربكوا المشاهد بالصمت
عيون الخمسينيات: حين تعلّم الأوروبيون أن يُربكوا المشاهد بالصمت لم تكن خمسينيات القرن الماضي عقداً هادئاً في السينما الأوروبية، رغم ما توحي...

صرخة مكبوتة: الفيلم الإيراني الاحتجاجي بين الستينيات والسبعينيات
يتتبع هذا الاستعراض مسيرة السينما الإيرانية الاحتجاجية خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، حين واجه المخرجون رقابة صارمة وقمعاً اجتماعياً متراكماً. لم يعلن أغلبهم...
7. The Shape of Water (2017)

في أمريكا نحو عام 1962، خلال الحرب الباردة، تعمل عاملة نظافة صامتة في مختبر، فتقع في حب رجل برمائي محتجز هناك، وتضع خطة لمساعدته على الهرب. حكاية تنتمي إلى عالم آخر، لكنها تتحدث عن الإنسان بوضوح مؤلم.
يبرع الفيلم في الإضاءة والألوان، إذ تبدو الغرف والممرات مغمورة بضوء يجعل الصورة تنبض بالحنين والعزلة. ويقدم المخرج عالماً بعيداً عن الواقع دون أن يفقد إحكامه في تفاصيل الديكور والتكوين.
تكمن قوة العمل في الطريقة التي تجعل بها الغربة والصمت لغة مشتركة بين البطلة والكائن، فلا يحتاجان إلى كلام كي يفهم كل منهما الآخر. ويتجاوز الفيلم حكايته الخيالية ليطرح سؤالاً عن الاختلاف والخوف مما لا نفهمه.
لماذا تشاهده: لأنه حكاية حب تُروى بالصمت والضوء، ولمن يريد فانتازيا تعرف كيف تصغي إلى المهمّشين وتحوّل الغرابة إلى تعاطف.
8. Kubo and the Two Strings (2016)

يبهر كوبو أهل قريته بموهبته السحرية في سرد الحكايات عبر الأوريغامي، لكنه يستدعي روحاً شريرة تسعى للانتقام دون قصد منه. يخرج في رحلة يبحث فيها عن سر أبيه الساموراي الذي سقط، وعن أسلحته الغامضة، وعن قوته السحرية الخاصة.
يستلهم الفيلم الأساطير اليابانية بتقنية الحركة المتوقفة، فتبدو الشخصيات والمناظر مصنوعة بيد تعرف تفاصيل الملمس والوزن. ويكشف العمل قدرة الرسوم المجسمة على ابتكار عالم فانتازي دقيق، تتحول فيه كل حركة صغيرة إلى قيمة جمالية.
يتقاطع الماضي مع الحاضر بإيقاع متصاعد، إذ تنتقل الحكاية بين الرواية المصورة والرحلة الحاضرة. هذه البنية تجعل الفيلم يبدو عملاً عائلياً في ظاهره، لكنه يتعامل مع الفقد والذاكرة بجدية لافتة.
لماذا تشاهده: لأنه يقدم مغامرة بصرية مذهلة، ويثبت أن الحركة المتوقفة تصلح لبناء أساطير ناضجة بقدر ما تصلح لحكايات الأطفال.
9. 신과함께-죄와 벌 (2017)

يموت جا هونغ، رجل إطفاء، فجأة، فتنقله ثلاثة حراس إلى العالم الآخر. لا يعود إلى الحياة إلا إن اجتاز سبع محاكمات خلال تسعة وأربعين يوماً، وأثبت أنه كان بريئاً في حياته الإنسانية، وتقف الحراس الثلاثة إلى جانبه للدفاع عنه.
يبني الفيلم ملحمة عن العالم الآخر وأحكام الروح بإيقاع سردي متصاعد، فتتحول كل محاكمة إلى حكاية مستقلة تكشف جانباً من أخلاق البطل. ويعكس العمل اهتمام السينما الكورية بالميثولوجيا المحلية، فيستعيد تصورات الموت والمساءلة بلغة معاصرة.
لا يكتفي العمل بالإثارة الخيالية، بل يطرح سؤالاً أخلاقياً عن معنى البراءة حين يتكشف الماضي أمام الروح. وتتوازن مشاهد الحركة مع لحظات درامية هادئة، فيبقى النص متماسكاً رغم تعدد المحاكمات.
لماذا تشاهده: لأنه فانتازيا أخلاقية تستلهم الموروث الكوري بجرأة، ولمن يرغب في رؤية العالم الآخر مرسوماً بإيقاع ملحمي لا بخوف الرعب.
10. A Ghost Story (2017)

يعود شبح يرتدي شرشفاً أبيض إلى بيته في الضواحي بعد وفاة حديثة، ليواسي زوجته الحزينة. لكنه يكتشف أنه عالق في الزمن، ومضطر إلى مشاهدة الحياة التي عرفها والمرأة التي يحبها وهما يتلاشيان ببطء.
يتناول الفيلم الزمن والفقد عبر تجربة شكلية تقشفية، تقلل من الحوار وتعتمد على إيقاع بطيء يجعل الصمت جزءاً من المعنى. وفي هذا الإيقاع تتحول الكاميرا إلى شاهد صبور لا يملك أن يتدخل.
يعيد الفيلم تعريف الحضور والغياب عبر شبح لا يملك سوى المشاهدة. فالحضور هنا لا يعني القدرة على التأثير، بل القدرة على البقاء قريباً مما فقده المرء.
لماذا تشاهده: لأنه تأمل هادئ في الفقد وامتداد الذاكرة، ولمن يريد فيلماً شبحياً يُنصت إلى الحزن أكثر مما يُخيف المشاهد.




