تخطى إلى المحتوى

صرخة مكبوتة: الفيلم الإيراني الاحتجاجي بين الستينيات والسبعينيات

صرخة مكبوتة: الفيلم الإيراني الاحتجاجي بين الستينيات والسبعينيات

يتتبع هذا الاستعراض مسيرة السينما الإيرانية الاحتجاجية خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، حين واجه المخرجون رقابة صارمة وقمعاً اجتماعياً متراكماً. لم يعلن أغلبهم موقفه صراحة، بل لجأوا إلى لغة بصرية مواربة تعيد قراءة الواقع من زوايا متعددة. من التوثيق الهادئ للهامش في The House is Black إلى الحكاية الريفية، ومن الجريمة الشعبية إلى تفكك الأرستقراطية، تتشكل صرخة مكبوتة لا تعلو فوق الشاشة، لكنها تتردد في التفاصيل. تتوزع الأفلام العشرة على العقدين، وتكشف كيف انتقل هذا الخطاب من الملاحظة الوثائقية إلى مواجهة أكثر حدة مع السلطة المحلية والعائلية. إنها أعمال لا ترفع الاحتجاج شعاراً، بل تبنيه من الصورة والإيقاع والصمت، وتترك للمشاهد مهمة قراءة ما وراء الكادر.

1. خانه سیاه است (1963)

خانه سیاه است (1963)

تأخذ فروغ فرخزاد كاميرتها إلى مستعمرة للجذاميين في شمال إيران في فيلمها The House is Black، حيث يعيش المرضى بعيداً عن المدن ونظرات الناس. يفتتح الفيلم بالتأكيد على أن القبح موجود في العالم بكثرة، ثم يضع هذه الحقيقة أمام الدين والامتنان. هذا الانتقال المفاجئ بين الخراب والإيمان يمنح العمل قوته الأولى.

يبتعد الفيلم عن استدرار الشفقة، ويطرح سؤالاً أخلاقياً ثقيلاً: كيف تتعامل الجماعة مع الجسد المنبوذ؟ وكيف يصبح الشكر ممكناً وسط هذا الألم؟ يترك الصوت الهادئ والصورة الثابتة المتفرج أمام هذه الأسئلة، دون أن يمسكا بيده.

العين الوثائقية هنا ليست محايدة تماماً، إذ تحوّل الهامش الإنساني إلى مرآة تكشف الفرز الاجتماعي الذي يقبله المجتمع في صمت. لهذا يبقى الفيلم من أكثر الوثائقيات الإيرانية إزعاجاً، لأنه يطلب من المشاهد أن يرى ما اعتاد أن يشيح عنه نظره.

لماذا تشاهده: لأنه درس في تحويل التوثيق إلى موقف أخلاقي، وفي قول الكثير بأقل قدر من التعليق.

2. خشت و آینه (1966)

خشت و آینه (1966)

يبدأ الفيلم بهاشم، سائق تاكسي يعثر ذات ليلة على رضيع في المقعد الخلفي لسيارته بعد أن أقلّ شابة. يحاول هاشم وحبيبته تاجي التعايش مع هذا الطفل غير المرغوب فيه، فيصرّ الأول على التخلص منه، وتتمسك الثانية بإبقائه. يتحول الخلاف الصغير إلى اختبار للعلاقة بين الرجل والمرأة.

يضع إبراهيم گلستان هذا المأزق الخاص في طهران المتبدلة بسرعة، حيث تتآكل القيم القديمة أمام إيقاع الحياة الحديثة. المدينة هنا ليست خلفية محايدة، بل شريك في الضغط الذي يواجهه الحبيبان، والقرار الصعب يعكس توتراً أوسع في المجتمع.

تتابع العين الهادئة للمخرج الشخصيات دون أن تدينها بسهولة، وهنا يكمن عمق الفيلم. فالطفل المهجور في سيارة أجرة يكشف ما يرفض الناس حمله، ويجعل التخلي فعلاً ذا وزن أخلاقي لا يمكن تجاهله.

لماذا تشاهده: لأنه يقدم نظرة متأنية إلى مدينة في طور التحول، ويختبر فيها ما تبقى من الروابط الإنسانية.

3. یک آتش (1961)

یک آتش (1961)

أُنتج الفيلم ضمن نشاط الشركة الوطنية الإيرانية للنفط، التي تأسست بعد تأميم شركة الأنغلو إيرانية البريطانية. استخدمت الشركة السينما بصورة منهجية لتوثيق صناعة النفط والبتروكيماويات، ولعرض تقدم البلاد وتحديثها مع إبراز دور الشاه. في هذا السياق أخرج إبراهيم گلستان الفيلم A Fire عن حريق بئر نفط استمر سبعين يوماً في خوزستان.

شاركت فروغ فرخزاد في مونتاج العمل، وهو ما يفسر إيقاعه البصري المتماسك الذي يتعامل مع النار بوصفها مادة للصورة لا مجرد حدث. نال الفيلم جائزتين في مهرجان البندقية السينمائي عام 1961، وهي حقيقة تؤكد قيمته الفنية بعيداً عن الغرض الرسمي لإنتاجه.

يحمل الفيلم تناقضاً واضحاً، فهو عمل مكلّف بالاحتفاء بالتحديث الوطني، لكنه يفتح في الوقت نفسه مساحة لقراءة الكلفة الإنسانية لهذا التقدم. يتحول الحريق والعمل الشاق إلى مدخل لسؤال الطبقة والاقتصاد، ويترك للمشاهد أن يحدد موقعه من الصورة.

لماذا تشاهده: لأنه يكشف كيف يمكن لفيلم دعائي أن يحمل قراءة نقدية لم يقصدها منتجه بالكامل.

4. گاو (1969)

گاو (1969)

يتعلق رجل عجوز من القرية ببقرته تعلقاً عميقاً، ثم يسافر إلى العاصمة لفترة. وأثناء غيابه تموت البقرة، ويبدأ القرويون بالخوف من رد فعله حين يعود. تنتقل الحكاية من حزن فردي إلى قلق جماعي يتشكل في صمت القرية.

يجسد داريوش مهرجوئي عزلة القرية وقسوة بيئتها، حيث تتحكم العادات الجامدة في سلوك الناس وتضيّق على مشاعرهم. الخوف هنا هو الموضوع الحقيقي، والموت ليس سوى الشرارة التي تكشف هشاشة الجماعة أمام أي خروج عن المألوف.

ينجح المخرج في تحويل حب الرجل لحيوانه إلى مأساة تكشف انهيار الإنسان أمام بيئة لا ترحم. وتكمن قوة الفيلم في صمت القرية ووقعه، إذ يشعر المشاهد بثقل الحياة المغلقة دون أن يحتاج إلى خطاب مباشر.

لماذا تشاهده: لأنه صورة مكثفة لريف مغلق، وقراءة مؤلمة لعلاقة الإنسان بالعادات التي تحكمه.

5. قیصر (1969)

قیصر (1969)

تدور الحكاية حول فتى يسعى للانتقام لأخته وأخيه. يبدو الدافع في ظاهره ثأراً خاصاً، لكن الفيلم يتجاوز هذا الإطار ليجعل من الثأر صرخة ضد ظلم قائم تجسده سلطة محلية لا تعرف الرحمة.

يقدم مسعود كيمياعي شخصية الفتى الثائر بوصفها رداً مباشراً على القهر الذي يعيشه المجتمع. الجريمة هنا ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لكشف علاقة الضعيف بالسلطة، وما يترتب عليها من تواطؤ وعنف متبادل.

يحمل النص نبرة احتجاج صريحة أكثر من أي عمل آخر في هذه القائمة، وهذا ما يمنحه حدّة واضحة. لكن هذا الوضوح لا يخلو من ثمن فني، إذ يتقدم الخطاب أحياناً على الإيقاع الداخلي، فيبدو الفيلم أقرب إلى بيان مشحون منه إلى تأمل بصري.

لماذا تشاهده: لأنه نموذج واضح لتوظيف الفيلم الجريمي في نقد السلطة المحلية وظلمها.

6. داش‌آکل (1971)

داش‌آکل (1971)

يحظى داش آكل باحترام واسع في شيراز بوصفه رجلاً شريفاً أضاع ثروة أسرته بمساعدته لأصدقائه. له عدو اسمه كاكا رستم، شرير وحقود. يقع داش آكل في حب مرجان، ابنة الحاج صمد الراحل الذي يتولى تنفيذ وصيته، لكنه يخفي حبه بصمت.

حين يتقدم خاطب لطلب يد مرجان، يرى داش آكل أن رفضه يتعارض مع شرف الرجولة الذي يؤمن به، فيقبل الأمر. في ليلة الزفاف يسلّم مسؤولية الأسرة إلى العريس، لكن كاكا رستم يترصد له عند الخروج، فيقع الشجار. يطعنه العدو في ظهره، غير أن داش آكل ينجح في قتله.

يعيد الفيلم صياغة الحكاية الشعبية بوصفها نقداً للتسلط والعنف داخل مجتمع مغلق، يصبح فيه الشرف قيداً يطوّق الفرد. وفي لحظته الأخيرة يرسل داش آكل ببغاءه إلى مرجان حاملاً الاعتراف بالحب الذي علّمه إياه، فتبدو هذه الخاتمة الصوت الوحيد الذي استطاع تجاوز الجدران.

لماذا تشاهده: لأنه يجمع بين شعرية الحكاية الشعبية وقسوة نقد الشرف الذكوري في مجتمع مغلق.

7. تنگسیر (1973)

تنگسیر (1973)

يستند الفيلم إلى رواية معروفة بالعنوان نفسه للكاتب صادق چوبك، ويدور حول رجل مظلوم يسعى إلى الثأر. استلهم أمير نادري الفيلم من أحد أبطال طفولته الأسطوريين، زار محمد، الذي خاض حرباً فردية ضد أربعة محتالين، فأثار مشاعر شعبية واسعة ضد الاستبداد.

يصور نادري صحراء الجنوب القاسية بعين تمنح الأرض ثقلاً يوازي الحكاية. الخصومة الدموية هنا لا تبدو مجرد تسوية حساب بين أفراد، بل إطاراً يكشف حدود الحرية والكرامة في مجتمع يحكمه القانون الذي يفرضه الأقوى.

يتقن الفيلم الجمع بين الملحمة والواقع، فيتحول البطل إلى رمز لاحتجاج شعبي دون أن يفقد لحمه الإنساني. ومع ذلك يبقى السؤال الأهم حاضراً: هل يصنع الفرد العدالة حين تغيب مؤسساتها، أم يصبح الثأر حلقة أخرى في سلسلة القهر؟

لماذا تشاهده: لأنه ملحمة جنوبية تطرح سؤال العدالة الفردية في غياب الدولة والقانون.

8. مسافر (1974)

مسافر (1974)

يرسم الفيلم صورة حسن دارابي، الطفل ذي العشر سنوات في بلدة إيرانية صغيرة، المشاكس الذي لا يتورع عن الكذب. يحلم حسن بمشاهدة المنتخب الوطني وهو يلعب مباراة مهمة في طهران، ولتحقيق ذلك يحتال على أصدقائه وجيرانه.

يرصد نادري تمرد هذا الفتى الجنوبي على واقعه، حيث تضيق الفرص وتتراجع الأحلام أمام قسوة الحياة اليومية. تتحول الحيلة الصغيرة إلى رحلة عن الرغبة في الخروج من المكان، وعن الثمن الذي يدفعه من يحاول تجاوز حدوده.

يمزج الفيلم الحلم بالخيبة الاجتماعية بخفة لا تخفي مرارتها. فالطفل الذي يبدو مشاغباً يحمل في داخله شيئاً من الصدق الإنساني، ويكشف في الوقت نفسه أن البراءة قد تصبح سلاحاً في مجتمع لا يمنح أبناءه الكثير.

لماذا تشاهده: لأنه قصة طفل يلاحق حلماً صغيراً، ومرآة لتضييق الفرص في الهامش الإيراني.

9. شازده احتجاب (1975)

شازده احتجاب (1975)

يعاني الأمير احتجاب، أحد آخر أبناء الأسرة القاجارية، من مرض السل الذي يعرف أنه قاتل. يقضي أيامه الأخيرة وحيداً في غرف قصره الشاسع في فصل الشتاء، يستعيد فيها أمجاد أجداده وأيام انحطاطهم.

من بين هذه الذكريات مشهد قتل الجد القاسي لأم الأمير وأخيه بطريقة مروعة، ومشهد الأمير نفسه وهو يتسبب في موت زوجته. هنا يتحول القصر من رمز للسلطة إلى فضاء يحاصر ساكنيه بالذنب والخوف، وتبدو العائلة مسرحاً لعنف متوارث.

يفكك بهرام بيضائي تفسخ الطبقة الأرستقراطية، ويكشف علاقتها المعقدة بالسلطة والدم. يبدو الفيلم بطيئاً في ظاهره، لكن هذا البطء يعكس ثقل الماضي على الحاضر، فالأمير لا يحتضر وحده، بل يحتضر معه عالم كامل.

لماذا تشاهده: لأنه تأمل بصري في انهيار طبقة كاملة، وفي الدم العالق بجدران القصور.

10. گزارش‎‎ (1977)

گزارش‎‎ (1977)

يُتهم جابي ضرائب بتلقي الرشاوى، وفي الوقت نفسه يواجه مشكلات متراكمة داخل بيته. يضع الفيلم الفرد الموظف في مواجهة مؤسسة تبدو متواطئة، فيجد نفسه محاصراً بين واجبه المهني وضغوط حياته الخاصة.

يتناول عباس كيارستمي أزمة هذا الفرد بنبرة هادئة تتجنب الصراخ، وتعتمد على التفاصيل الصغيرة في العمل والبيت. ولا يعني هذا الهدوء الحياد، إذ يكشف كيف تتآكل النزاهة الفردية حين تتواطأ المنظومة من حولها.

يبقى الفيلم من أكثر الأعمال الإيرانية في هذه الفترة قدرة على نقد السلطة دون أن يسمّي خصومه بوضوح. فالنقد يتسرب عبر الشخصيات وعلاقاتها وصمتها، ويترك للمشاهد أن يتساءل عن موقع الفرد في آلة لا ترحم من يحاول أن يبقى نظيفاً.

لماذا تشاهده: لأنه نموذج لنقد مؤسسي هادئ يكشف الضغط الذي يعيشه الموظف حين يرفض المشاركة في الفساد.

انتهى العرض

شكرًا لمتابعتك القراءة في مذاق سينما