تخطى إلى المحتوى
مذاق السينما
مراجعات أفلام

مراجعة فيلم الهوس: حينما يتحول الحب إلى كابوس سينمائي

20 أيار 2026

آخر تحديث: 20 أيار 2026

4 دقائق
حجم الخط:

يغوص فيلم “الهوس”، وهو أول فيلم رعب طويل للمخرج كاري باركر، في مناطق مألوفة ليخرج لنا بحكاية لا تزال تنبض بالحداثة والخبث الممتع. وتبدو الفرضية مألوفة لكل من يمتلك معرفة عابرة بكليشيهات الرعب أو المفارقات الساخرة. يُمثل هذا العمل الأول الواثق الإضافة الحديثة الأكثر اكتمالاً لمدرسة “مخلب القرد” السردية التي تتناول تحقيق الأمنيات، بل وتتحول هذه الألفة ذاتها إلى نقطة قوة تُحسب للفيلم.

يُعد باركر ممثلاً كوميدياً وصانع محتوى على يوتيوب، وقد انتقل إلى السينما التجارية والشاشة الكبيرة بسلاسة لافتة. وعلى غرار زملائه من ممثلي الكوميديا الارتجالية الذين تحولوا إلى مخرجين مثل جوردان بيل وزاك كريجر، يترجم باركر توقيته الكوميدي إلى إيقاع قوي واقتصاد في السرد، إذ يوازن الفكاهة مع لحظات الرعب ويزيد من حدتها في آن واحد.

يُعد فيلم “الهوس” أيضاً أحدث إنتاجات مسار الانتقال من منصات البث إلى هوليوود، وهو توجه يُشكل جزءاً كبيراً من المشهد السينمائي لعام 2026. ففي وقت سابق من هذا العام، موّل صانع المحتوى ماركيبلاير فيلم الرعب الناجح “الرئة الحديدية” بجهود ذاتية. كما أشعل المؤثر جوردان فيرستمان مؤخراً حرب مزايدات في مهرجان كان بفيلمه الأول “كلوب كيد”، بينما يصل فيلم “الغرف الخلفية”، المقتبس من سلسلة رعب يوتيوب، إلى دور العرض في وقت لاحق من هذا الشهر. وعلى خطى رواد البث الأوائل مثل راكا راكا الذين قدموا فيلم “تحدث إليها” ببراعة وإزعاج مقصود، يعكس “الهوس” براعة السرد التي صُقلت عبر التعامل مع الانتشار السريع وتخريب التوقعات. ربما يدرك الجمهور كيف ستنتهي هذه القصة، لكن مسار الوصول إلى النهاية وتفاصيل الرعب المرافقة نُفذت ببراعة فائقة، مما يجعل عشاق هذا النوع السينمائي ينغمسون في رحلة آسرة بقدر ما هي مألوفة.

تدور أحداث “الهوس” حول بير (مايكل جونستون، الذي يتأرجح أداؤه بين الأبله المتعثر والرجل الطفولي المثير للمشاكل) المتيم بحب صديقته القديمة نيكي (إندي نافاريت)، وهي أيضاً زميلته في متجر موسيقى محلي يعمل فيه بقية أصدقائهما إيان (كوبر توملينسون) وسارة (ميغان لوليس). يتشارك بير ونيكي ماضياً كمنبوذين في المدرسة الثانوية، لكن إعجاب بير الصادق والمفرط يعميه عن مدى عدم اهتمام نيكي بنوع الحب الذي يقدمه.

تقوده محاولته للتقرب منها بهدية إلى متجر غامض، حيث يلمح الشيء العجيب الذي يُحرك الحبكة. ومن هنا، يتحول “الهوس” إلى تمرين عملي ودليل قاطع على أنه ربما لا توجد قصص جديدة بقدر ما توجد طرق مثيرة للاهتمام لسردها. وينبع جزء كبير من جاذبية الفيلم من طريقة تعامله مع فرضية مألوفة، وبراعته في توظيف مفارقة تعويذة الحب الفاشلة لمناقشة العلاقات والاعتمادية العاطفية والمرض النفسي، دون تحويل تيماته إلى وحش صريح على غرار مبالغات حقبة الرعب الراقي.

يُقدم جونستون أداءً مقتدراً في دور بير، إذ يتخلى عن فتوره وتذمره بين الحين والآخر ليتحول إلى شخصية أكثر دهاءً وأنانية عندما تواجهه حقائق خياراته. لكن الفيلم ينتمي حقاً إلى نافاريت؛ ففي دور نيكي، تتحمل العبء الأكبر، وتُقنعنا ببراعة بانتقالها من شخصية ساخرة وحادة الطباع إلى حبيبة متيمة ومفرطة العاطفة، ثم إلى امرأة مسيطرة ومبتهجة لا ترحم من نوع مختلف. يستثمر باركر كليشيهات وتيمات العنف المنزلي والصحة النفسية، ليضع بير في مواقف فوضوية متصاعدة حيث يمكن لأي تصرف أن يثير رد فعل مبالغاً فيه وغير عقلاني ومخيف. وتتألق نافاريت بشكل خاص في مشهد الحفلة الذي يُبرز مدى انسلاخها عن طبيعتها، إذ تؤدي محاولاتها للمشاركة في لعبة شرب إلى سرد قصة محرجة تُربك الضيوف الآخرين، بينما تلتوي ملامح وجهها استمتاعاً بلذة حكايتها الخاصة.

توظف نافاريت ابتسامتها ببراعة فائقة. فنيكي قبل الأمنية تبدو غير مكترثة بوضوح، سواء بحياتها أو بحيل بير المكشوفة لادعاء اللطف. أما نيكي بعد الأمنية، فتجرب ابتسامات متنوعة وترتديها كأقنعة، حتى تدفعها استفزازات بير البسيطة – كالابتعاد عن عناق أو محاولة الذهاب إلى حفلة بمفرده – إلى نوبات غضب عارمة. وهناك أيضاً تلك الابتسامات التي يغمرها باركر عمداً بالظلال والوهج ليضفي على الفيلم بريقاً إضافياً من الرعب. وفي هذه اللحظات تحديداً، يُرعبنا فيلم باركر بترك الكاميرا تتأمل في تباينات ضوئية متقنة البناء، تُشوه وجه نافاريت لتمنح الجمهور لمحات عن الحقيقة القابعة خلف قناع نيكي.

وتكمن قوة “الهوس” الأساسية هنا؛ فهو يأخذ بنية مألوفة ويشحن كل لحظة فيها بالحرفية والمهارة والرعب. ويُعد الفيلم استعراضاً مرحباً به لقدرات باركر في السرد. وبتبنيه قصة لا تركز على التعاطف مع الشخصيات بقدر ما تركز على مشاهدتهم ينالون جزاءهم، يتحول “الهوس” إلى منصة تعرض مشاهد رعب متتالية. وحتى اللحظات التي تبدو نتائجها واضحة تحمل توتراً خاصاً بها. ويكمن جزء كبير من سحر الفيلم في حتمية الرعب والفزع الذي يلتهم تدريجياً وبثبات كل ذرة من اللطف المحيط به.

ومع ذلك، لو كان “الهوس” مجرد سلسلة من المواقف المروعة لجرائم قتل دموية، لما حقق نصف هذا النجاح. إذ تتمتع شخصيات الفيلم بطبيعة واقعية مألوفة، ويكتب باركر بصدق يُعبر عن الدواخل النفسية لشخصياته، حتى عندما يتعفن هذا الصدق ليتحول إلى سخرية لاذعة. وبالنسبة لفيلم يتناول شخصية رومانسية يائسة، يُعد هذا العمل قاسياً بشكل ممتع، إذ ينجو من فخ التوقع والمسارات المكشوفة بفضل ما يقدمه من توتر ونبرة سينمائية وجنون متقن.

BJ Thoray

بي. جي. ثوراي كاتب ومحرر في مجال الخيال، ونقد الوسائط، وأكثر من ذلك. ظهرت أعمال بي. جي. الخيالية في Rundelania! وBlack Cat Weekly وMobile Data Mag وQuasar Review وKosmos Obscura. يمكن العثور على كتاباته السينمائية في Taste of Cinema وHigh on Films وFilm25. أصلاً من كاليفورنيا، يقيم بي. جي. حالياً في بلجيكا (أقل من أجل الوافل، وأكثر من أجل السريالية). العمل: https://linktr.ee/bjthoray.

عرض جميع مقالات الكاتب