مذاق السينما
مذاق السينما
قوائم أفلام

10 أفلام دولية حديثة تستحق مكانة أرفع في جوائز الأوسكار

3 آذار 2026

آخر تحديث: 24 آذار 2026

15 دقائق
حجم الخط:

أُسست جائزة الأوسكار لأفضل فيلم روائي دولي عام 1948، وهي فئة تثير الاهتمام حقاً. من الرائع وجودها، إذ تسهم في تسليط الضوء على أفلام من مختلف أنحاء العالم قد لا تنال التقدير الذي تستحقه. على مدار العقود الماضية، تشكل صرح عظيم للسينما العالمية بفضلها، ولولا هذه الجائزة لكان عالم السينما أفقر بكثير.

لكن الجانب السلبي يكمن في أن أفلاماً من كل دول العالم -باستثناء الولايات المتحدة- تتنافس ضد بعضها البعض سنوياً. يوجد قرابة مئتي دولة على وجه الأرض، ومع ذلك لا تتوفر سوى خمسة مقاعد للمرشحين. ومن بين هؤلاء، يُختار فيلم واحد ليُمثل أفضل ما جادت به السينما العالمية؛ بعبارة أخرى، فيلم واحد يُفترض أن يمثل 96% من سكان البشرية.

بالنظر إلى ذلك، يبدو السباق نحو جائزة أفضل فيلم دولي شبه مستحيل. تترشح سنوياً العديد من الأفلام الرائعة التي تستحق الفوز، ولكن للأسف، وبسبب شدة المنافسة، تخرج الكثير من الأعمال المستحقة خالية الوفاض. نستعرض فيما يلي عشرة من أفضل الأفلام الدولية التي ترشحت للجائزة ولم تنلها.

Embrace of the Serpent (2015)

Embrace of the Serpent

الأفلام التي تتناول شخصيات من السكان الأصليين ليست شائعة، وتلك التي تمنحهم صوتاً خلف الكاميرا تُعد أكثر ندرة. أما الأفلام التي تتعاون عن كثب مع المجتمعات الأصلية، وتستأذنها مباشرة للتصوير في أراضيها وتشركها في الإنتاج، فهي نادرة لدرجة تكاد تكون معدومة. يُعد فيلم المخرج سيرو غيرا المصور بالأبيض والأسود Embrace of the Serpent واحداً من هذه الاستثناءات القليلة. إنه إنجاز مذهل، خاصة وأنه فيلمه الروائي الطويل الثالث فقط.

يتتبع الفيلم رحلتي مستكشفين غربيين عبر غابات الأمازون. الأول عالم أعراق ألماني عام 1909، والثاني عالم نبات أمريكي عام 1940. يستعين كلا الرجلين بنفس الدليل من السكان الأصليين، ولكن بفارق زمني؛ إذ يرافق الألماني الشاب الغاضب كمرشد متردد، بينما يرافق الأمريكي النسخة الأكبر سناً والأكثر هدوءاً من الرجل ذاته. وفي كلتا الحالتين، يبحثان عن نبتة “الياكرونا” الأسطورية.

ورغم أهمية نبتة “الياكرونا” لقداستها في الثقافة الأصلية المحلية، يركز السرد على الرحلة أكثر من الوجهة. يُذكرنا الفيلم برائعة Apocalypse Now، حيث تمر بعثتا 1909 و1940 بصعوبات جمة، وتواجهان سكاناً آخرين في الغابة. على طول الطريق، نشهد الأضرار العميقة التي ألحقتها التدخلات الخارجية بالمجتمعات الأصلية، بما في ذلك إرث الاستعمار الأوروبي والانتهاكات التي مارستها حكومات أمريكا اللاتينية المستقلة.

من الأمثلة الصارخة على هذا الرعب هو الواقع المرتبط بجمع المطاط، حيث أُجبر السكان الأصليون على العمل في ظروف مروعة. نرى أشخاصاً فقدوا أطرافهم، إلى جانب مقابر جماعية لمن عملوا حتى الموت. في مفارقة قاسية، أصبحت ثروات الأمازون الطبيعية لعنة على سكانها، حيث أدى نهم الرأسمالية الغربية لاستهلاك الموارد إلى استغلال وبؤس الكثيرين.

إنه ليس مجرد فيلم وثائقي عن شرور الاستعمار، بل دراسة شخصية عميقة تتجاوز السرد النمطي. صُممت الشخصيات الرئيسية بعناية، وتتحرك وفق دوافع واضحة، ومع ذلك تُدفع في مسارات مفاجئة تكسر التوقعات. هذا التركيز على قوس الشخصية يتيح للفيلم تحقيق توازن صعب؛ فهو يحترم الثقافات المحلية، ويلتزم في الوقت ذاته بتقديم مغامرة سينمائية مكثفة وخالدة.

A Man Called Ove (2016)

A Man Called Ove

هانيس هولم هو كاتب سيناريو ومخرج بدأ مسيرته التلفزيونية في الثمانينيات قبل أن ينتقل إلى السينما في التسعينيات. يُعرف بأعماله التي تمزج ببراعة بين الدراما والكوميديا. ويُعد فيلم A Man Called Ove، المقتبس من رواية صدرت عام 2012 تحمل الاسم ذاته، ذروة نضجه الفني.

الفكرة بسيطة؛ “أوفي” رجل مسن متجهم، يفتقد زوجته الراحلة وقد فقد الرغبة في الحياة. يُذكرنا البطل فوراً بالشخصية المشابهة في فيلم استوديوهات بيكسار Up، ولكن بواقعية أكبر. في بداية الفيلم، نراه يحاول إنهاء حياته، لكن محاولته تُقاطع من قبل جارته الجديدة، وهي مهاجرة إيرانية انتقلت للتو مع زوجها السويدي وأطفالهما. يطلبون مساعدته، فيلبي طلبهم على مضض، ومع استمرار زياراتهم واهتمامهم بالتعرف عليه، تتعطل خططه المستمرة للانتحار.

من هنا، يمكنك تخمين مسار السرد: الرجل العجوز المتجهم يصادق جيرانه الجدد ويجد هدفاً جديداً في الحياة. هذا ما يحدث إلى حد ما، لكن القصة أعمق من ذلك. يساعده جيرانه في بناء علاقات جديدة، ويساهمون في إحياء روحه ليتمكن تدريجياً من التواصل مع الآخرين. لا يقتصر الفيلم على فكرة تكوين الصداقات، بل يتناول حاجة الإنسان الفطرية للانتماء المجتمعي.

نكتشف أيضاً، عبر سلسلة من مشاهد الاسترجاع الفني (الفلاش باك)، أن “أوفي” عاش حياة حافلة. فخلال محاولاته الانتحار، نعود إلى لحظات حاسمة في ماضيه، كوفاة والدته وطفولته في كنف والده الهادئ والمحب. نشاهد شظايا حياة كاملة، حزينة ولكنها ذات مغزى، لتذكرنا بأن كل مسن متجهم قد خاض معارك نجهلها. يمنح المونتاج الشخصية عمقاً داخلياً يصعب التقاطه في الزمن الحاضر للفيلم.

وإذا بدا الفيلم جاداً أو درامياً بشكل مفرط، تجدر الإشارة إلى أنه ينتمي إلى النوع السينمائي الكوميدي الدرامي. تنبع الكوميديا غالباً من التناقض بين طبيعة “أوفي” المتجهمة والعالم المشرق والأشخاص الودودين من حوله. قد يتخذ الفيلم طابعاً سوداوياً في بعض المشاهد، لكنه في جوهره عمل مفعم بالأمل، يحتفي بالحياة ويؤكد على أهمية المجتمع ووجود هدف للإنسان.

Shoplifters (2018)

يُعد هيروكازو كوري-إيدا أحد أعظم المخرجين اليابانيين المعاصرين. بدأ مسيرته كمساعد مخرج في الأعمال الوثائقية، وفي أوائل التسعينيات، أخرج أفلاماً وثائقية خاصة به قبل أن ينتقل إلى السينما الروائية بفيلم Maborosi عام 1995. أخرج حتى الآن سبعة عشر فيلماً، نال العديد منها جوائز وتكريمات مرموقة.

ورغم إخراجه للعديد من الأفلام البارزة، يعتبر الكثيرون فيلم Shoplifters أعظم أعماله. يتتبع السرد مجموعة من الأشخاص يعيشون معاً في فقر مدقع على أطراف طوكيو: امرأة مسنة، وزوجان في منتصف العمر، وشابة، ومراهق. لا تربطهم صلة قرابة، بل يشكلون عائلة بديلة. ورغم أن بعضهم يكسب المال بطرق مشروعة، إلا أنهم يسرقون من المتاجر من أجل البقاء. يكمن تناقض معقد في صميم هذه المجموعة؛ فبينما يجمعهم حب عائلي واضح، تسود علاقاتهم ديناميكية غير صحية ومضطربة.

يُبرز انضمام شخصية جديدة، وهي طفلة صغيرة، كلا الجانبين من هذه الديناميكية ببراعة. يعثرون عليها جالسة بمفردها في شرفة منزلها، ترتجف برداً وجوعاً وتغطيها الندوب. تنتهي المجموعة بتبنيها (أو بالأحرى اختطافها). من ناحية، لا يمتلك الأفراد حق تنصيب أنفسهم منقذين لطفل من والديه، ويزيد الأمر سوءاً إشراكهم لها في عمليات السرقة. ولكن من ناحية أخرى، يمنحونها رعاية واضحة، ويغدقون عليها عطفاً واهتماماً لم تعهده قط في منزلها.

في واحد من أكثر المشاهد تأثيراً، تحتضن المرأة المتزوجة الطفلة، وتخبرها أن والديها لو أحباها حقاً لما ضرباها، ثم تعانقها قائلة: “هذا ما يفعله الحب”. يتضح من الإخراج المشهدي أنها تخاطب نفسها بقدر ما تخاطب الطفلة، راغبة في حمايتها من أي معاناة قاستها هي في طفولتها. وترد الطفلة بمسح دموع المرأة في لقطة قريبة مفعمة بالمشاعر.

يلامس هذا المشهد جوهر الفيلم؛ فكل فرد في المجموعة يحمل نوايا حسنة ويهتم بصدق بالآخرين، لكن البيئة تظل مضطربة. تلاحقهم عواقب أفعالهم الخاطئة في النهاية، وتكشف الأسرار أن مشاكلهم أعمق مما بدا لنا. ومع ذلك، لا يسعى كوري-إيدا لإصدار أحكام قاسية عليهم، بل يدرك أنهم يبذلون قصارى جهدهم رغم النتائج الكارثية. هذا التوازن الدقيق هو ما يمنح الفيلم تأثيره العميق.

Les Misérables (2019)

“تذكروا هذا يا أصدقائي: لا توجد نباتات سيئة ولا رجال سيئون، بل يوجد فقط مزارعون سيئون.” – فيكتور هوغو، البؤساء (Les Misérables).

تُعد رواية Les Misérables من أعظم كلاسيكيات الأدب. وقد أدت قصتها المؤثرة عن قسوة الفقر، وقوة الحب، وضرورة التصدي للظلم إلى عدد لا يحصى من الاقتباسات. وهنا يبرز فيلم المخرج لادج لي الصادر عام 2019. رغم تطابق العنوان، يستلهم الفيلم رواية هوغو ولا يعيد سردها حرفياً.

يتتبع السرد وحدة مكافحة الجريمة في الشوارع الفرنسية والحي الذي يقومون بدوريات فيه. تقع الأحداث في منطقة “مونتفيرميل”، وهي ذات المنطقة التي دارت فيها أحداث الرواية الأصلية. في فرنسا المعاصرة، تحولت المنطقة إلى ضاحية فقيرة يقطنها المهاجرون بشكل رئيسي. من خلال الإخراج المشهدي واختيار الموقع، يتضح الرابط بالعمل الأصلي؛ فبعد مرور قرابة مئتي عام على كتابة هوغو لروايته، لا تزال المنطقة ترزح تحت وطأة الفقر والمعاناة والظلم.

يتجسد هذا الواقع بوضوح من خلال فرقة الشرطة التي ينضم إليها البطل، والذي انتقل للتو إلى المنطقة في بداية الفيلم. أحد الضباط رجل أسود من أبناء الحي يتمتع بعلاقات قوية فيه، بينما الآخر شرطي حاد الطباع يسيء استخدام سلطته باستمرار. يتتبع الفيلم الضابط الجديد أثناء استكشافه للمجتمع الذي يحرسه. لكن الأمور لا تسير بسلاسة، ويعود ذلك إلى تكتيكات زملائه القمعية بقدر ما يعود إلى احتقان سكان المنطقة.

تجدر الإشارة إلى أن المخرج لادج لي نشأ في “مونتفيرميل”، وقد استند إلى تجاربه الشخصية هناك، بما في ذلك معايشته لأحداث الشغب الحقيقية عام 2005 التي ألهمت ذروة الفيلم. تكمن روعة العمل في نجاح لي في دمج تجربته داخل حي فقير للمهاجرين مع التيمات الرئيسية للرواية الأصلية. وعندما تبلغ الأحداث ذروتها في مواجهة حاسمة بالنهاية، لا يسعك إلا أن تدرك أنه رغم التغيرات السطحية منذ أن كتب هوغو روايته الأسطورية، فإن الجوهر المأساوي لم يتغير.

Pain and Glory (2019)

يُعد بيدرو ألمودوفار أشهر المخرجين الإسبان على الإطلاق. بدأ مسيرته بإخراج أفلام قصيرة في السبعينيات، ثم انتقل إلى الأفلام الروائية الطويلة في الثمانينيات. وعلى مدار العقود الماضية، أخرج أعمالاً تُعد من الأكثر تقديراً في السينما العالمية. ويُمثل هذا الفيلم، في جزء منه، تأملاً وانعكاساً لحياته خلال تلك السنوات.

يتتبع الفيلم مخرجاً مسناً، يجسد دوره أنطونيو بانديراس، المتعاون الدائم مع ألمودوفار. يعاني المخرج من مشاكل صحية متعددة، فضلاً عن فقدانه الشغف والهدف بسبب توقفه عن صناعة الأفلام. ولعجزه عن مواجهة أزماته، يتهرب منها لدرجة اللجوء إلى الهيروين في بداية الفيلم. يعيش البطل حالة من التردي الجسدي والنفسي، ولكن مع تطور السرد، تطفو شظايا من ماضيه لتساعده على التعافي عبر إعادة اكتشاف ذاته.

بالتوازي مع ذلك، نشاهد عبر المونتاج لحظات من طفولته. تُمثل والدته، التي تؤدي دورها المتألقة دائماً بينيلوبي كروز، محوراً أساسياً في نشأته. تشتهر أفلام ألمودوفار بطابعها الميلودرامي، وحسها الفكاهي، وتوظيفها البصري المذهل للألوان. تتميز أعماله بطاقة هائلة تجذب حتى المشاهد العادي. لكن فيلم Pain and Glory يختلف قليلاً؛ فرغم حضور هذه العناصر (خاصة التصوير السينمائي الغني بالألوان)، تأتي الميلودراما والفكاهة بلمسة أكثر رهافة.

تيمة المخرج الذي يتأمل حياته ليست جديدة في السينما، وتعود جذورها إلى رائعة فيليني 8½. لكن Pain and Glory يُصنف ضمن أفضلها، إذ يتجنب النرجسية المفرطة التي تقع فيها أفلام مشابهة. يكمن سر نجاح الفيلم في تركيز ألمودوفار على أزماته وتأملاته بصدق، دون السعي لتلميع صورته الذاتية. من الواضح أنه لم يصنع الفيلم لاعتقاده بأنه الشخصية الأكثر إثارة للاهتمام، بل لأنه يواجه صراعات إنسانية عامة بأسلوبه الخاص. وبذلك، تصبح تجاربه الشخصية أداة لاستكشاف موضوعات أعمق، وليست غاية في حد ذاتها.

Quo Vadis, Aida? (2020)

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، عادت أوروبا الشرقية إلى صراعاتها العرقية المريرة. كانت حرب البوسنة إحدى تلك الصراعات، وامتدت من 1992 إلى 1995. تدور أحداث هذا الفيلم، للمخرجة ياسميلا زبانيتش، خلال تلك الحرب، مسلطاً الضوء تحديداً على الإبادة الجماعية التي تعرض لها المسلمون البوسنيون. البطلة معلمة بوسنية تعمل مترجمة لدى قوات الأمم المتحدة. ومع تدهور الأوضاع، تسعى يائسة لاستغلال نفوذها الضئيل لحماية عائلتها من الوقوع في قبضة القوات الغازية المصممة على إبادتهم.

لا يكمن التأثير الحقيقي للفيلم في تصوير عنف الإبادة الجماعية بشكل مباشر؛ ففي الواقع، يغيب العنف الصريح عن الشاشة. نرى غالباً ما يسبق العنف أو ما يعقبه، دون أن نشاهد عمليات إطلاق نار أو تفجيرات مباشرة. يعكس هذا الإخراج المشهدي قدراً مذهلاً من ضبط النفس، مما يجنب الفيلم السقوط في فخ الاستغلال العاطفي الرخيص.

بدلاً من ذلك، ينبع التأثير العميق من تصوير تخاذل قوات الأمم المتحدة. يوجهون تحذيرات متكررة للجيش المتقدم بالتراجع، لكن القوات الغازية تواصل زحفها، بينما تكتفي الأمم المتحدة بالتنديد اللفظي. ينتهك الغزاة القانون الدولي مراراً وتكراراً دون أي رادع. وفي إحدى اللحظات، يُتجاوز الخط الأحمر بوقاحة تجعل حتى نائب قائد القاعدة عاجزاً عن تصديق الأوامر التي يتلقاها. وفي ضوء الأحداث الأخيرة في غزة، يكتسب تصوير الفيلم لعجز المجتمع الدولي -ممثلاً بالأمم المتحدة- إلحاحاً أخلاقياً بالغ الأهمية.

ومع ذلك، لا يركز السرد على الصورة الكبرى للصراع، بل على تداعياته على البطلة وعائلتها. ورغم أن التهديد الوشيك يضفي توتراً درامياً عالياً، فإن علاقة البطلة بعائلتها وسعيها المستميت لإنقاذهم هو ما يمنح الفيلم روحه الحقيقية. تتجلى قسوة الفيلم في تفاصيل صغيرة ومؤلمة؛ فبعض أشد اللحظات حزناً تمر في ثوانٍ، كمرورها بجوار جيرانها السابقين وهم يتوسلون المساعدة بينما ينصب تركيزها كلياً على عائلتها، أو حين يتعرف عليها أحد جنود جيش الاحتلال كمعلمته السابقة. تتضافر هذه اللحظات لترسم لوحة سينمائية مدمرة وخالدة.

The Worst Person in the World (2021)

يُعد يواكيم تريير من أبرز المخرجين الاسكندنافيين المعاصرين. يشتهر المخرج النرويجي بتقديم أفلام فكرية تتسم بمسحة من الحزن والحيوية في آنٍ واحد. ويُعد فيلم The Worst Person in the World، وهو الجزء الثالث من “ثلاثية أوسلو” التي تدور أحداثها في العاصمة النرويجية، العمل الأكثر حصداً للإشادة في مسيرته (رغم أن فيلمه الجديد Sentimental Value قد يغير هذه المعادلة بعد انتهاء موسم الجوائز).

يتتبع الفيلم شابة تعيش حيرة كلاسيكية تميز جيل الألفية والجيل “زد”، إذ تفتقر لأي رؤية واضحة لمستقبلها. تعاني من صعوبة في الالتزام، سواء في تخصصها الجامعي أو علاقاتها العاطفية. وقد وصف المخرج العمل بأنه “فيلم نضوج للبالغين الذين يشعرون أنهم لم ينضجوا بعد”، وهو وصف دقيق يختزل جوهر القصة.

ينتمي الفيلم إلى النوع السينمائي الكوميدي الدرامي، ويحقق توازناً نغمياً دقيقاً بين الدراما والكوميديا. فرغم جديته وتناوله لقضايا عميقة، يتمتع بروح دعابة وطاقة تضفي عليه سحراً خاصاً. وتجسد الممثلة ريناتي رينسف، التي تؤدي دور البطلة، هذه الديناميكية ببراعة فائقة. فابتساماتها الساخرة وضحكاتها الخفيفة تأسر المشاهد، مما يجعل لحظاتها الدرامية الجادة أكثر تأثيراً بفضل هذا التباين.

من أروع سمات الفيلم جرأته على التجريب البصري. فرغم توازنه العام، يغوص في بعض المشاهد نحو الخيال، مما يضفي نكهة مميزة على السرد الممتع. يبرز مشهد محدد يصور كيف يتوقف الزمن حرفياً عندما تنجذب لشخص التقيته للتو. تتضافر كل هذه العناصر الفنية لتجعل من شبه المستحيل ألا تقع في حب الفيلم، رغم ما قد يوحيه العنوان عن بطلته.

Argentina, 1985 (2022)

إبان الحرب الباردة، أُقحمت أمريكا الجنوبية في الصراع العالمي بين الرأسمالية الغربية والشيوعية السوفيتية. وأسفر ذلك عن قيام ديكتاتوريات عسكرية وحشية دعمتها الولايات المتحدة. رزحت الأرجنتين تحت نير الديكتاتورية عدة مرات في تلك الحقبة، كانت أشدها قسوة بين عامي 1976 و1983. وخلال تلك السنوات، اعتقل النظام وعذب أعداداً لا تحصى من معارضيه، وقُتل ما بين عشرة آلاف إلى ثلاثين ألف شخص.

يُعد سانتياغو ميتري من أصغر المخرجين في هذه القائمة، إذ وُلد عام 1980 في ذروة تلك الحقبة الديكتاتورية القاسية. كان طفلاً حين سقط النظام، لكن المجتمعات لا تتعافى من كوابيس الاستبداد بين عشية وضحاها. بالنسبة له ولجيله من الأرجنتينيين، شكلت محاولات التصالح مع إرث الديكتاتورية ومحاسبة مرتكبي الفظائع المشهد السياسي لشبابهم. وهذا ما يقودنا إلى فيلم Argentina, 1985.

ينتمي الفيلم إلى النوع السينمائي للدراما القانونية، ويتناول المحاكمة التاريخية الحقيقية لقادة الديكتاتورية العسكرية عام 1985. يتتبع السرد فريق الادعاء، مسلطاً الضوء على قائديه خوليو سيزار ستراسيرا ولويس مورينو أوكامبو. لا يقتصر الفيلم على عرض مجريات المحاكمة، بل يغوص في كواليس التحضير لها. تتجلى الكيمياء بين البطلين بوضوح؛ حيث يمثل ستراسيرا بخبرته وجديته ثقلاً موازناً لشريكه الشاب والمثالي أوكامبو.

يكمن التحدي الأكبر في أي دراما قانونية في الحفاظ على إيقاع مشوق. تلجأ بعض الأفلام إلى الميلودراما وافتعال الأزمات لتحقيق ذلك، لكن ما يميز هذا الفيلم هو أن قصته الحقيقية مشحونة بالتوتر لدرجة تغنيه عن أي إضافات مصطنعة. فرغم سقوط الديكتاتورية عام 1983، لم يختفِ أنصارها. يواجه فريق الادعاء خطراً داهماً، ويكفي حجم العنف والرعب الذي يسعون لكشفه لإبقاء المشاهد متسمراً في مقعده. وتتجلى ذروة التوتر الدرامي في مشاهد إدلاء الشهود بشهاداتهم البسيطة والمروعة.

The Quiet Girl (2022)

يحتاج معظم صناع السينما إلى وقت طويل لاكتشاف بصمتهم الخاصة كمؤلفين سينمائيين، وقلة منهم يقتحمون الساحة بفيلم روائي أول مذهل. ويُعد المخرج الأيرلندي كولم بيريد استثناءً ساطعاً لهذه القاعدة.

يتتبع فيلم The Quiet Girl، كما يوحي عنوانه، طفلة هادئة تعيش في الريف الأيرلندي مع عائلتها الكبيرة والمضطربة. تعاني الطفلة من إهمال والديها؛ فرغم أن إهمال الأم قد يُعزى جزئياً إلى العبء الثقيل لتربية أطفالها، يبدو الأب غارقاً في نزواته وخياناته الزوجية، غير مكترث بعائلته.

ومع انتظار الوالدين لطفل جديد، يقرران إرسالها للعيش مع قريبة بعيدة وزوجها لتخفيف الأعباء. ولحسن حظها، تحظى الطفلة باستقبال دافئ ورعاية فورية من قريبتها. في البداية، تعجز الطفلة عن التفاعل، فالدفء الإنساني شعور غريب ومفتقد في حياتها المأساوية. ولكن مع تأقلمها، تبدأ بالخروج من قوقعتها تدريجياً. يستغرق الزوج وقتاً أطول لتقبلها، لأسباب ندركها لاحقاً، لكنه في النهاية يكرس نفسه لرعايتها وإسعادها.

لا يعتمد السرد على المفاجآت الصادمة؛ فبمجرد أن تُظهر القريبة حنانها، ندرك مسار القصة. ومع ذلك، يُعالج الفيلم حبكته برقة وعناية تضاهي رعاية الزوجين للطفلة. ورغم أن بعض الأفلام في هذه القائمة تتميز بقصص حميمية بسيطة بعيداً عن صخب الأفلام الضخمة، يظل هذا الفيلم الأكثر هدوءاً ورقة بينها، دون أن يفقد جاذبيته.

Perfect Days (2023)

فيم فيندرز هو مخرج ألماني يمارس صناعة السينما منذ السبعينيات. ولعل أشهر أعماله هو Wings of Desire، وهو فيلم خيال رومانسي عن ملائكة تراقب الأرض، أُنتج عام 1987 قبل توحيد ألمانيا. طوال مسيرته الفنية وحياته الشخصية، أبدى فيندرز شغفاً عميقاً باليابان وثقافتها وسينماها. ففي عام 1985، أخرج فيلماً وثائقيّاً عن المخرج الياباني ياسوجيرو أوزو، الذي يعتبره “معلمه الروحي” في فن الإخراج.

وُلدت فكرة الفيلم عندما دعت مؤسسة “نيبون” اليابانية فيندرز إلى طوكيو لإخراج فيلم عن سلسلة من المراحيض العامة الحديثة في المدينة. صُممت هذه المرافق بعناية فائقة من قبل مهندسي طوكيو لتضفي لمسة جمالية وحضارية على أحيائها. لبى فيندرز الدعوة بحماس، وقرر تحويل الفكرة إلى فيلم روائي طويل. أثمر هذا التعاون عن تحفة فنية أُهديت للعالم أجمع.

يتتبع فيلم Perfect Days عامل نظافة مراحيض عامة، يجسد دوره الممثل الياباني القدير كوجي ياكوشو. يعيش البطل حياة هادئة وروتينية، حيث يقضي أيامه في أداء عمله بإتقان. وفي أوقات فراغه، يستمتع بالاستماع إلى الموسيقى، والعناية بنباتاته، والقراءة قبل النوم. قد لا تبدو حياته مثيرة، لكنه يستقبل كل يوم بابتسامة وتفانٍ يضفيان على وجوده كرامة إنسانية نبيلة.

يكتنف الغموض علاقات البطل الشخصية رغم بساطته الظاهرة. يعيش حياة شبه منعزلة، لكنه يتوق بوضوح للتواصل الإنساني، ويبدو وكأنه يرغب في الاندماج ولكنه يجهل السبيل إلى ذلك. وعندما تهرب ابنة شقيقته من منزلها وتلجأ إليه، يستقبلها بصدر رحب. إنه رجل طيب القلب، حتى وإن تعثر أحياناً في التعبير عن مشاعره لمن حوله.

لحسن حظ البطل، يمنحه السرد فرصاً متعددة للتواصل، بما في ذلك علاقته بابنة شقيقته. ومع ذلك، تتشكل أعمق روابطه قرب النهاية، حين يلتقي بشخص في ظروف غير متوقعة على الإطلاق. أحياناً، تكون الروابط العابرة هي الأكثر تأثيراً في نفوسنا. يحمل الفيلم حكمة هادئة تتأمل في الحاجة الإنسانية الفطرية للتواصل الكامنة في أعماقنا.