نادراً ما يحظى إيثان هوك باهتمام التيار السائد. وسيكون أول من يعترف بأنه لا يجيد اختيار الأفلام الجماهيرية، بل إنه يقسو عليها أحياناً. فقد وصف فيلم “Taking Lives” بالفيلم المريع، ورغم أنه ليس تحفة فنية، إلا أنه مقبول في إطاره. لكن عندما يتعلق الأمر بالسينما المستقلة، يبرز هوك كنجم استثنائي شديد التنوع. ورغم أن أداءه الأخير في المسلسل التلفزيوني “The Good Lord Bird” جلب له إشادات واسعة، إلا أنه لطالما أبدع في السينما لعقود.
حقق هوك نجاحاً كبيراً بدءاً من أفلام ريتشارد لينكلاتر وصولاً إلى أفلام النوع السينمائي. فهو كاتب مسرحي، ومخرج سينمائي ومسرحي، وممثل في مختلف الوسائط، وكاتب، بل ويغني أحياناً. يجسد هوك فناناً شغوفاً يلتزم بشدة بمهنته، مما يجعل تتبع مسيرته السينمائية أمراً مثيراً دائماً. وقد يتفاجأ من لا يتابع أعماله بغزارة إنتاجه على مر السنين وتنوع الأدوار التي أداها. وتحاول هذه القائمة تسليط الضوء على بعض أدواره الحاسمة.
15. Reality Bites (1994)

يمثل هذا الفيلم انطلاقته الحقيقية الأولى كممثل. فرغم مشاركته السابقة في فيلم “Dead Poets Society” وقبله في فيلم “Explorers” للمخرج جو دانتي، إلا أن تلك الأفلام لم تجعل منه اسماً لامعاً في الساحة. وقد أدى أدواراً جيدة في أفلام مثل “A Midnight Clear” و”Alive” و”White Fang”، وهي أعمال تستحق المشاهدة رغم غيابها عن هذه القائمة.
ثم ظهر فجأة فيلم “Reality Bites”. ينسب هوك الفضل إلى وينونا رايدر في الاهتمام الذي حظي به الفيلم، ويشكرها على مساعدته ليصبح اسماً بارزاً. يصعب التنبؤ بمسيرة بن ستيلر السينمائية، ويبدو أن أول أفلامه الروائية الطويلة عنى الكثير لجمهوره آنذاك، حتى وإن بدت بعض عناصر الحبكة قديمة أو نمطية اليوم. وقد أبدع ستيلر كمخرج في الحفاظ على إيقاع سريع وحيوي، ولا يمكن لأحد إنكار سحر الفيلم.
يمثل هوك أحد أضلاع مثلث الحب المركزي في الفيلم، إذ يتعين على رايدر الاختيار بينه وبين شخصية ستيلر. قد لا تروق شخصية هوك للجميع، لكنه بفضل لحيته الصغيرة وشعره غير المرتب وطريقة حديثه، ابتكر شخصية لا تُنسى. كما يمثل الفيلم استعراضاً لموهبته الموسيقية. تبدو شخصية هوك باحثة عن المعنى، وتميل إلى الفلسفة بطريقة متعالية عمداً، لكن هذا الأداء جعله نجماً تقريباً. فقد امتلك حساً كوميدياً، وأجاد أداء الحوار، وتميز بالدقة والجاذبية. وبفضل هذا الفيلم، توالت الفرص على إيثان هوك.
14. Predestination (2014)

يُعد هوك بطلاً في أفلام النوع السينمائي. فالنسخة الأصلية من فيلم “The Purge”، وفيلم “Regression” الذي تعرض لانتقادات قاسية غير مستحقة، والنسخة المحدثة المظلومة من فيلم جون كاربنتر “Assault on Precinct 13″، أو تعاونه السابق مع مخرجي هذا الفيلم في فيلم مصاصي الدماء “Daybreakers”، تشترك جميعها في عنصر واحد: أداء إيثان هوك المركزي المذهل. ورغم أنه ليس نجماً شباكياً ضخماً، إلا أنه اسم معروف، ويساهم حضوره في لفت الانتباه إلى أفلام الإثارة أو الرعب أو الخيال العلمي الصغيرة، أو على الأقل إيصالها لجمهور أوسع.
أحدث فيلم “Predestination” ضجة ملحوظة على الإنترنت عند إصداره، حتى وإن لم يحقق نجاحاً كبيراً في شباك التذاكر. فقد تميز بحبكة مثيرة، ومنعطفاً مفاجئاً، وقصة مؤثرة، وبعض اللحظات الكوميدية، وغيرها من العناصر المتوقعة في فيلم خيال علمي ممتع. يجسد هوك دور عميل زمني مكلف بمهمة أخيرة قبل تقاعده، حيث يعود إلى السبعينيات ليعمل نادلاً. لكن من هو حقاً؟ وما الذي يخطط له؟ ورغم أن سارة سنوك تحظى بدور أفضل في الفيلم، إلا أن هوك يفهم النوع السينمائي جيداً لدرجة أنه يخدم القصة والأجواء ببراعة. فهو يعرف كيف يخفي الكثير عن شخصيته، مع الحفاظ على جاذبيتها وإثارتها للاهتمام. ويُعد الفيلم مثالاً ممتازاً على قدرة هوك على اختيار أفلام النوع السينمائي المثيرة، ومدى إدراكه لجمالياتها.
13. Dead Poets Society (1989)

ورغم أن فيلم “Reality Bites” فتح له أبواباً أوسع، إلا أن هوك نال أول أدواره القوية في فيلم “Dead Poets Society”. ورغم دوره الجيد سابقاً في فيلم “Explorers”، إلا أن هذا الدور يمثل حالة استثنائية. فهو أول من يصعد على المقعد ليقول: “يا كابتن! يا كابتن!”، فهل هناك مشهد أكثر أيقونية من ذلك؟
يتتبع الفيلم الكلاسيكي معلماً غير تقليدي يتولى منصبه الجديد في كلية محافظة وصارمة في نيو إنجلاند في خريف عام 1959، ليرشد طلابه نحو معرفة الذات وإدراك هويتهم الخاصة. وقد نال أداء هوك لشخصية الطالب الخجول تود، الذي يحاول إيجاد طريقة للتعبير عن نفسه، إشادة واسعة. ووصف بعض النقاد أداءه بأنه “آسر”، وكان كذلك بالفعل. ففي كل إيماءة من إيماءاته، تلمح ممثلاً شاباً يمتلك الكثير ليقدمه في المستقبل.
كما شكلت هذه التجربة نقطة تحول في حياته لسبب آخر: العمل مع الراحل روبن ويليامز. يقول هوك: “لقد منحني المذاق الأول لما يمكن أن يكون عليه التمثيل. فعندما تسير الأمور على ما يرام، تتلاشى ذاتك لتصبح في خدمة قصة أكبر”. ويضيف: “أديت مشهداً مع روبن، حيث طلب مني أن أطلق صيحتي الهمجية فوق أسطح العالم. كانت تجربة مذهلة، فكلما تعمقت في ذلك المشهد، وبحلول نهاية اليوم، لم أعد أتذكر ما حدث”. ورغم أنهما لم يعملا معاً مجدداً، ظلت هذه التجربة عزيزة جداً على قلب هوك.
12. Great Expectations (1998)

“إنه قلبي، وهو محطم”. بغض النظر عن رأيك في الفيلم ومعالجة ألفونسو كوارون لكلاسيكية ديكنز في هذا الاقتباس الحديث، لا بد من الاعتراف بأن هوك يقدم أداءً آسراً هنا. يقول كوارون: “أعتقد أنه فيلم فاشل تماماً”، في حين وافقه مدير التصوير السينمائي إيمانويل لوبزكي الرأي قائلاً إنه “أقل أفلامنا إرضاءً”. ورغم أن الفيلم يتسم ببعض الفوضى، إلا أنه يضم عناصر تستحق الإعجاب: فبعض جوانب التصوير السينمائي تبدو ساحرة حقاً، خاصة في استخدام الألوان، إلى جانب الموسيقى التصويرية المؤثرة، والأداءات الرائعة، بما فيها أداء هوك.
لا تُعد الرومانسية نوعاً سينمائياً غريباً على هوك، لكن فيلم “Great Expectations” يمثل حالة مختلفة. فهو اقتباس لرواية، وعلى عكس أدواره السابقة في أفلام مثل “Before Sunrise”، تتسم الشخصية التي يجسدها هنا بالمأساوية. كما أن الكيمياء بينه وبين جوينيث بالترو لا تبدو مفتعلة، مما يبرز نقطة قوة أخرى لدى هوك، إذ يعرف كيف يتناغم مع كل ممثلة يقف أمامها. ورغم الاختلاف الجذري بين هذا الفيلم وفيلم “Maggie’s Plan” مع جريتا جيروج من حيث النبرة والشخصيات والممثلات، إلا أن هوك يبرع في إيجاد الإيقاع المناسب مع أي شريك عمل. وينطبق هذا حتى على أفلامه الأقل نجاحاً مثل “Taking Lives”، حيث شكل مع أنجلينا جولي ثنائياً مثيراً للاهتمام. يحظى هوك بالعديد من اللحظات الصامتة في الفيلم، لكن يمكنك أن تقرأ في عينيه المعبرتين صخباً داخلياً يعتمل في أعماق شخصيته.
11. Good Kill (2014)

لا يُعد هوك بالضرورة ممثلاً “استعراضياً”. ورغم تجسيده لشخصيات بغيضة في فيلمي “The Phenom” و”Maudie”، مما منحه مشاهد دسمة ليبرز فيها، إلا أنه يميل عادةً إلى الصمت، ولا يمثل أمام الكاميرا بغرض الاستعراض. فهو لا يسعى وراء المشاهد المصممة لاقتناص الجوائز، بل يكرس نفسه لخدمة القصة. ولا يعني هذا عجزه عن تقديم أداء صاخب، فقد رأيناه مؤخراً يستعرض قدراته في “The Good Lord Bird”، لكن إحدى السمات المميزة لأداء هوك تكمن في قدرته على استخراج أدق التفاصيل من الشخصيات الصامتة في الغالب.
وفي إطار تقديم أداء دقيق، تعاون هوك مجدداً مع أحد أكثر الكتاب والمخرجين تعرضاً للتهميش في عصرنا، وهو أندرو نيكول، الذي اختار هوك سابقاً لبطولة فيلمي “Gattaca” و”Lord of War”، وهما عملان رائعان سنعود للحديث عن أحدهما. يجسد هوك في فيلم “Good Kill” دور ضابط في القوات الجوية الأمريكية متمركز بالقرب من لاس فيغاس. وهو طيار سابق لطائرات إف-16 فالكون، متزوج ولديه طفلان يعيشان معه في منزل بضواحي المدينة. وتتضمن مهمته الحالية توجيه طائرات مسيرة مسلحة من طراز إم كيو-9 ريبر في مجال جوي أجنبي دعماً للحرب الأمريكية على الإرهاب.
غير أن جلوسه في لاس فيغاس لا يعصمه بالضرورة من صدمات الحرب والاكتئاب. ينجح فيلم “Good Kill” في تسليط الضوء على موضوع قلما يُتناول، وهو سيكولوجية طيار الطائرات المسيرة، ويطرح تساؤلات حول الفارق بين التواجد في ساحة المعركة وتوجيه طائرة مسيرة من مكان بعيد. يتألق هوك في هذا الدور، ويقدم مونولوجاً رائعاً في منتصف الفيلم.
10. The Woman in the Fifth (2011)

يُحتفى بهوك غالباً لأعماله في السينما الأمريكية المستقلة، لكن موهبته لم تغب عن أنظار المؤلفين السينمائيين غير الأمريكيين. فقد تعاون مؤخراً مع هيروكازو كوري إيدا في فيلم “The Truth”. وهنا يعمل مع بافل بافليكوفسكي، الذي حظي بشهرة أوسع لاحقاً بفضل فيلمي “Cold War” و”Ida”.
قد لا يكون فيلم “The Woman in the Fifth” بنفس القوة، لكنه يمنح هوك فرصة لاستعراض تنوعه الفني مجدداً. تكتنف أجواء الفيلم هالة من الغموض والقلق، ويقدم هوك أداءً هادئاً ودقيقاً يخدم القصة. يبرز هذا الدور حسه الفني في سينما المؤلف. فنحن أمام رجل يائس ربما يخشى شيئاً ما، يعاني من قلق شديد ويخفي أسراره الخاصة، وقد يكون مرتبكاً بقدر ارتباكنا نحن الجمهور. كما يُعد تحدثه بمزيج من الفرنسية بلكنة أمريكية تفصيلة أخرى تستحق الإشادة في أدائه. يميل هوك إلى تجسيد الرجال المتألمين الذين يتمتعون بحساسية مرهفة في الوقت ذاته. وهنا، ينجح مجدداً في دفع المشاهدين للتعاطف مع شخصياته.
9. Tesla (2020)

ربما رأى العديد من عشاق السينما العنوان، فتوقعوا فيلماً للسيرة الذاتية تقليدياً، ثم شعروا بالملل أو الارتباك مما شاهدوه. وللإنصاف، ربما انتاب نفس الشعور العديد من محبي سينما الفن، نظراً لأن الفيلم من إخراج مايكل ألميريدا. إنه فيلم غير تقليدي على الإطلاق، وحتى إن بدا الاستماع إلى هوك وهو يغني “Everybody Wants to Rule the World” بأسلوب الكاريوكي ممتعاً، فعليك التفكير ملياً. فالفيلم رائع، لكنه ليس ممتعاً بالضرورة بالطريقة التي يتخيلها المعظم.
يُعد فيلم “Tesla” شهادة أخرى على موهبة هوك، ومثالاً رائعاً على مسيرته السينمائية التي يصعب التنبؤ بها. فقد مرت بعض أفلامه دون أن يلاحظها الجمهور العام لكونها غير مألوفة، لكن هذا تحديداً ما يجعله ممثلاً مثيراً للاهتمام. فهو لا يلتزم بالقواعد، ومع ذلك لا تبدو خياراته متعالية أبداً وهو يتنقل من نوع سينمائي إلى آخر. وقد فعل ألميريدا الأمر ذاته في فيلم “Hamlet”، برؤيته شديدة الحداثة للقصة مع أداء مركزي قوي آخر من هوك. ويبهرنا هوك مجدداً بتجسيده للمخترع صاحب الرؤية سيئ الحظ نيكولا تسلا، مقدماً أداءً يتسم بالذكاء.
8. Tape (2001)

ليس من السهل أبداً اقتباس مسرحية للسينما. إذ يتعين عليك إيجاد اللغة السينمائية المناسبة، وبما أن الأحداث ستدور غالباً في الأماكن ذاتها، يجب عليك اختيار الزوايا الصحيحة، والإيقاع المناسب، واتخاذ قرارات المونتاج السليمة لجعل العمل جذاباً ومثيراً للاهتمام. وعلاوة على ذلك، تحتاج إلى الممثل المناسب للدور المناسب، شخص يدرك الفارق بين التمثيل المسرحي والسينمائي.
تدور أحداث الفيلم في غرفة فندق صغير عندما يلتقي صديقا الجامعة القديمان فينس وجون. يتواجد جون، وهو صانع أفلام، في المدينة لحضور مهرجان سينمائي، بينما يتصادف وجود فينس في الجوار. ومع تقدم الأحداث، يتحول الفيلم إلى لعبة نفسية بين الشخصيات. يتألق هوك هنا كالديناميت، ويُعد أداؤه أحد العناصر الرئيسية التي ترتقي بالعمل إلى مصاف “السينما” بدلاً من كونه مجرد “مسرحية مصورة”. كما يبرع في أداء الحوار؛ فرغم أن الحوارات مكتوبة ببراعة ومقنعة بما يكفي للمساعدة، إلا أن هوك يثبت هنا أنه سيد الإلقاء. يمكن لكاتب مثل ديفيد ماميت أن يمنح هوك الدور المناسب لإبراز مهاراته بحوارات مرحة. يتميز هذا الفيلم بسيناريو عميق، وينجح هوك في إنصاف النص وإضفاء طاقته المكثفة عليه.
7. Before the Devil Knows You’re Dead (2007)

عندما ترحل، يجب أن تترك أثراً قوياً. تتسم مسيرة سيدني لوميت بغزارة الإنتاج لدرجة أنك قد تجد بعض الإخفاقات هنا وهناك، لكنها تظل استثنائية بفضل إخراجه لتحف فنية خالدة. يتميز فيلمه الأخير بالحدة والكآبة والظلام والواقعية القاسية والتشويق، مع براعة فائقة في التصوير والمونتاج، كما يطرح تساؤلات عميقة حول الطبيعة البشرية. وهذا تحديداً ما تتوقعه من لوميت، المخرج الذي طالما نال إشادات واسعة لعمله مع الممثلين.
في الواقع، يضم الفيلم طاقم تمثيل استثنائياً. إذ يقدم كل من فيليب سيمور هوفمان وماريسا تومي وألبرت فيني أداءً ممتازاً في أدوار رئيسية أخرى، ويتألق هوك هنا أيضاً. يجسد هوفمان وهوك دور شقيقين يعانيان من ضائقة مالية، ويعتقدان أنهما وجدا حلاً لمشاكلهما عبر التخطيط لسرقة متجر مجوهرات والديهما، لكن كما هو متوقع في مثل هذه القصص، لا تسير الأمور كما خُطط لها. تقيم شخصيته علاقة مع تومي، لكنه ينجح بطريقة ما في تجسيد هشاشته الداخلية وضعفه ببراعة مذهلة، ليثبت مجدداً مدى تميزه كممثل. شكل هذا الفيلم تجربة مهمة أخرى لهوك، حيث عمل أمام كل هؤلاء الممثلين العظماء، ومنهم السيد هوفمان الذي رحل عن عالمنا للأسف. وعندما سُئل هوك في برنامج تشارلي روز عن شعوره حيال وفاته المحزنة، قدم إجابة جميلة يمكنك البحث عنها على الإنترنت.
6. Gattaca (1997)

هل اقتربنا من تحويل “Gattaca” إلى واقع؟ من يدري؟ لكن المؤكد أن فيلم “Gattaca” للمخرج أندرو نيكول يُعد أحد أذكى أفلام الخيال العلمي وأكثرها تفرداً وتأثيراً في التسعينيات. وبحسب كلمات نيكول، كان من الخطأ تقديم فيلم كهذا كأول عمل روائي طويل له. فقد فشل الفيلم في شباك التذاكر، لكنه حصد قاعدة جماهيرية كبيرة في السنوات اللاحقة. يناقش الفيلم موضوعات التلاعب الجيني، وحرية تقرير المصير، وتحسين النسل، وهي ممارسة تدعو إلى التحسين الجيني للجنس البشري عبر التكاثر الانتقائي.
يجسد هوك الشخصية الرئيسية، وهو رجل وُلد خارج برنامج تحسين النسل، ويكافح للتغلب على التمييز الجيني لتحقيق حلمه بالسفر إلى الفضاء. إنها بلا شك فكرة لا نراها كثيراً في الأفلام، لكن هوك امتلك القدرة على اختيار مشاريع خيال علمي عظيمة حتى في منتصف التسعينيات. يجسد هوك مجدداً الصراع الداخلي والألم الذي تعيشه شخصيته بفعالية بالغة، ويُعد البطل المثالي لدور كهذا؛ إذ يسهل التعاطف معه وفهمه. يضفي هوك عمقاً وإنسانية على شخصياته، ويُعد أداؤه في “Gattaca” دليلاً إضافياً على ذلك.
5. Boyhood (2004)

نال هوك آخر ترشيحاته لجائزة الأوسكار عن فيلم “Boyhood”، من إخراج صديقه ومعاونه الدائم ريتشارد لينكلاتر. صُور الفيلم بين عامي 2001 و2013، ويصور طفولة ومراهقة ماسون من سن السادسة حتى الثامنة عشرة، حيث ينشأ في تكساس مع والدين مطلقين، يجسدهما باتريشيا أركيت وإيثان هوك.
قد يعجبك الفيلم أو لا يعجبك، وقد تعتقد أن النقاد بالغوا في تقديره بسبب طريقة صنعه غير المعتادة، لكن المؤكد هو أن العمل بسيناريو غير مكتمل، والعودة إلى الشخصية ذاتها كل عام في قصة لا تعرف مسارها بدقة، يتطلب نوعاً مختلفاً تماماً من الموهبة. في الواقع، عند التدقيق في جميع المقاطع مع كافة الممثلين، يمكن القول إن هوك هو الأكثر تأثيراً في كل جزء ومرحلة عمرية من الفيلم. ولا شك أن صداقته مع لينكلاتر ساهمت في هذه العملية، إذ سُمح له وللممثلين الآخرين بالمشاركة في الكتابة عبر دمج تجاربهم الحياتية في قصص شخصياتهم. ولا يمكن إنكار أنه دور ومشروع مليء بالتحديات، لكنه تكلل بالنجاح.
4. Training Day (2001)

نال أداء دينزل واشنطن كل الإشادة التي يستحقها، لكن لا تدع دوره الاستعراضي المذهل ينسيك أن هوك كان رائعاً جداً أيضاً، وحصد ترشيحاً مستحقاً لجائزة الأوسكار. فمرة أخرى، لا يقتصر التمثيل على كثرة الحديث أو الصراخ. وقد صرح أوليفر ستون ذات مرة بأنه اختار كيفن كوستنر لبطولة فيلم “JFK” لأنه “مستمع جيد”.
وهوك مستمع جيد أيضاً؛ فهو الشاهد هنا الذي يحاول في النصف الأول فهم ما يجري، وطبيعة الموقف الذي وجد نفسه فيه، ونوع الشخص الذي يتعامل معه. إنه مراقب يؤدي دوره بامتياز؛ إذ تراه خجولاً ومتردداً وغير مرتاح نوعاً ما في كل لحظة، لكن عندما يستجمع شجاعته ويتخذ موقفاً، فإنك تصدقه تماماً.
في فيلم كهذا، يجب أن يكمل أداؤك أداء شريكك، لتعملا معاً ككيان واحد. تذكر فيلم “Rain Man”: بدا دور داستن هوفمان الأصعب، لكن دور توم كروز كان بالصعوبة ذاتها، إذ تعين عليه التعامل مع رجل لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، وإظهار ذلك حتى في الإيماءات والتفاصيل الدقيقة. يقدم هوك شيئاً مشابهاً هنا ببراعة فائقة. وقد منحه هذا الدور أول ترشيح له لجائزة الأوسكار.
3. The Before Trilogy (1995, 2004, 2013)

يصعب إيجاد كلمة لم تُقل بعد عن هذه الأفلام. أحدث الفيلم الأول ضجة كبيرة في الأوساط السينمائية وبين عشاق الفن السابع؛ ويمكن القول إنه ابتكر نوعاً فرعياً في الأفلام الرومانسية حيث يلتقي شخصان ويبدآن في التحدث والتعرف على بعضهما البعض. ورغم وجود أمثلة جيدة في هذا النوع السينمائي، إلا أنه يصعب مضاهاة جودة أفلام “Before”، لأن الشخصيات مكتوبة بجمال وحساسية، ويصنع الثلاثي المكون من المخرج والكاتب ريتشارد لينكلاتر وبطليه إيثان هوك وجولي ديلبي المعجزات بالنص. وقد نال هوك وديلبي ائتماناً ككتاب مشاركين في الفيلمين الثاني والثالث من الثلاثية، وحصدا ترشيحات مستحقة لجائزة الأوسكار.
يبتكر هوك شخصية متكاملة هنا؛ ففي كل فيلم يكشف المزيد عن شخصيته، وبما أن الأحداث تدور في أزمنة مختلفة، فإنك تلمس مدى تأثير الزمن والتجارب عليه وعلى شخصية ديلبي. إنه الأداء الأسمى لإيثان هوك في الأفلام الثلاثة. فهو الممثل الحساس والذكي والجذاب والمتنوع الذي يبعث الحياة في شخصيات يسهل حبها ومتابعتها. إنه الممثل الذي نستمتع بمجرد رؤيته يتحدث.
2. Born To Be Blue (2015)

لا يُعد تسلا الشخصية الحقيقية الوحيدة التي جسدها هوك، فقد قدم أدواراً في أفلام مثل “Stockholm” وبالطبع “Born to be Blue”. يُعد هذا الفيلم بلا شك أحد أروع أفلام الجاز في العقد الماضي، حيث يجسد هوك شخصية تشيت بيكر، عازف البوق والمغني الأمريكي. اشتُهر بيكر بابتكاراته الكبرى في النوع الفرعي لموسيقى الجاز الهادئة، مما منحه لقب “أمير الهدوء”. يحمل هوك شبهاً طفيفاً به ويتقن صوته؛ لكنه لا يكتفي بالتقليد، بل يسعى لابتكار شخصية حقيقية متكاملة الأبعاد.
بنقله الدقيق لمزيج من الهشاشة والغطرسة، يصبح أداء هوك ساحراً للمشاهدة. فالتمثيل لا يقتصر على إلقاء الحوار، بل يشمل أيضاً حضورك الجسدي طوال الفيلم. فطريقة وقوف هوك، وسلوكه، واسترخاء عينيه، تفصح بالكثير عن الحالة الذهنية والجسدية لشخصيته. وهذا أحد الأسباب التي لطالما ميزت هوك، فهو لا يؤدي عمله بتراخٍ. بل يأخذ مهنته بجدية، ويتمتع بالذكاء الكافي لفهم شخصيته. يضفي هوك سحراً على الدور، بينما تعتمل الجوانب المظلمة من شخصية بيكر في الخلفية. إنه عمل رائع من كافة الجوانب، يبرز جاذبيته كبطل، وقدرته على حمل فيلم بأكمله على عاتقيه.
1. First Reformed (2017)

يؤكد هوك في مقابلاته أن هذا الفيلم يمتلك أفضل سيناريو شارك فيه، ويضم الشخصية الأكثر ثراءً وتعقيداً. ويصعب الاختلاف معه في ذلك. من الجنون التفكير في عدم ترشحه لجائزة الأوسكار عن هذا الأداء المتقن. جسد هوك سابقاً شخصيات تواجه معضلات أخلاقية، كما في فيلم “Good Kill”، لكنه هنا يجسد رجلاً مختلفاً تماماً. فهو يلعب دور كاهن مثقل بالذنب والمعاناة. يحاول إنهاء كل آلامه بطريقة ما لكنه يجهل السبيل إلى ذلك. إنه تائه، ويرغب في الشعور بأهميته بالطريقة ذاتها التي سعت إليها ربما شخصيات بول شريدر الأخرى، كتلك التي جسدها روبرت دي نيرو وويليم دافو في فيلمي “Taxi Driver” و”Light Sleeper” على التوالي. ثم يجد قضية، فيتبعها أو يحاول ذلك.
في كل لحظة، يكشف هوك جانباً جديداً من شخصيته. نشعر بالأسف تجاهه؛ وأحياناً يصدمنا أو يثير غضبنا، لكننا نتفهمه في كل ما يفعله. سواء كنا نراقبه وهو جالس يحتسي الشراب، أو يشاهد الجوقة، أو يجادل الآخرين حول أمور مختلفة. وسواء كان صامتاً أو متحدثاً، فإن كل خيار تمثيلي يتخذه هوك هنا يكلل بالنجاح؛ فهو يخدم الشخصية والقصة والفيلم. وينجح ببراعة في نقل أنانية ومعاناة الأشخاص الذين يعجزون عن التخلي عن آلامهم العميقة.
يُعد هذا الأداء أحد أعظم الأداءات في سينما القرن الحادي والعشرين، ويمكن القول إنه المحطة الأبرز في مسيرته التمثيلية. ومن الرائع أيضاً أن يكون أفضل أداء له في عمل حديث نسبياً، مما يثبت أن هوك لا يتوقف أبداً عن إبهارنا.
إشادات شرفية: ذُكرت بعض الأفلام بالفعل. هناك بعض الشخصيات البغيضة (فيلمي “Maudie” و”The Phenom”)؛ وهناك شخصيات تجعلك تتساءل كيف لم يختره وودي آلن في أي من أفلامه (فيلم “Maggie’s Plan”)؛ إلى جانب أداءات مبهرة أخرى في أفلام النوع السينمائي (فيلمي “Sinister” و”Regression”). وما لم تتناوله القائمة هو كونه ممثلاً رائعاً ومظلوماً في أفلام الغرب الأمريكي (أفلام “In a Valley of Violence” و”The Magnificent Seven” و”The Newton Boys”). وكعادته، يمتلك مشاريع قادمة مثيرة، منها فيلم “The Northman”. ويبدو أنه سيواصل مفاجأة الجماهير.

